أمير العمري
عرض في قسم “نظرة ما” بمهرجان كان السينمائي الأخير الفيلم الإسرائيلي “وراء الجبال والتلال”، وهو الفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرج إيرين كوليرين صاحب الفيلم الشهير “زيارة الفرقة الموسيقية” (2007) الذي حصل على كل الجوائز الرئيسية في المسابقة السنوية للأفلام الإسرائيلية، كما حصل على جائزة أحسن فيلم في مهرجان القدس السينمائي الدولي، وقد اعتبره البعض من النقاد حتى من العالم العربي، عملا سينمائيا رفيعا يدعو إلى السلام.
في “زيارة الفرقة” كانت هناك شخصيات مصرية وإسرائيلية داخل إسرائيل، في إطار من الموسيقى والشعر والبوح، والتعبير المتبادل عن مكنونات الذات، وكلمات الحب، والانتصار في النهاية للتواصل وضرورة الفهم المشترك وعبور الماضي، فقد كان الفيلم يقص حكاية بسيطة افتراضية، لا علاقة لها بالواقع، بل تعكس ما يتمناه صانع الفيلم وما يحلم به، في شكل سردي، تلتقي فيه الشخصيات وتفترق خلال يوم وليلة.
كان المخرج يتعمّد تجريد الموضوع من السياسة والتاريخ، تاريخ الحروب والنزاعات المسلحة، بحيث لا تقترب الشخصيات من الموضوع السياسي، بل يصبح استدعاء الماضي استدعاء رومانسيا لذكريات الحب والعائلة والموسيقى والسينما والسلام، أي قبل أن تتراكم الضغائن بفعل الحروب. وكان يتم الاستعاضة عن أحاديث التفوق والنصر والهزيمة بالموسيقى، التي تجمع بين الفرقاء.
من الجيش إلى البيزنس
في الفيلم الجديد “وراء الجبال والتلال” يعود كوليرين ليوحي لنا كأنه قد اكتشف أن الجيش والتقاليد العسكرية لا يكفيان لوحدهما لحماية الوحدة الأهم في المجتمع، أي الأسرة، وأن عودة الأب (ديفيد) إلى الحياة المدنية، أي إلى أسرته المكونة من الزوجة رينا، والابنة عفت والابن عومري بعد 27 عاما قضاها ضابطا في الجيش، لا تؤدي سوى إلى تفكك الأسرة وانهيارها من الداخل، فقد عاد بنفس العقلية العسكرية التي تعتمد على شيئين: القوة وخداع الذات، دون أدنى معرفة بطبيعة الحياة المدنية.
تتمثل القوة أولا في حالة الهستيريا التي تصيب ديفيد عندما يلمح من شرفة منزله في المشهد الأول من الفيلم، صبيا فلسطينيا يعبث بسيارته أسفل البيت في بلدة صغيرة هادئة تماما تفصلها التلال والجبال عن الجانب الآخر الذي يقطنه الفلسطينيون.
يهرع ديفيد وراء الصبي ويبحث عنه، يريد أن يفتك به، لكنه لا يعثر عليه في الظلام، هذا المشهد هو مفتاح الفيلم، فقد يكون خياليا أو نوعا من الهلوسة البصرية، وقد يكون واقعيا، غير أن سياق الفيلم يبدو وكأن أحداثه من صميم الواقع مع بعض الرموز كعادة كوليرين في أفلامه.
ديفيد يشعر بالعجز عن التماثل مع الحياة المدنية، فيلتحق بدورة تدريبية لتعلم أصول التجارة “البيزنس”، لكنه يجد صعوبة في التكيف، ثم يعثر على عمل لحساب شركة توزيع مواد غذائية ويصبح مطلوبا منه الترويج لمنتجات الشركة، لكنه يعجز عن بيع ولو سلعة واحدة منها، إلاّ بعد أن يبتز صديقا قديما له كان زميله في الجيش، ويهدده بإفشاء أمر علاقته الجنسية خارج الزواج، لزوجته.
رينا زوجة ديفيد تقوم بتدريس الأدب في المدرسة الثانوية، لكن لها أيضا مساهمات في الكتابة، يحاول زميل لها إقامة علاقة جنسية معها ملمحا إلى تعبيرها الأدبي في مقطوعة كتبتها حديثا، عن رغباتها الجنسية الدفينة، لكن رينا لا تستجيب سوى لرغبات طالب مراهق من طلابها، يثير شهيتها للمغامرة.
ولا يوضح الفيلم لماذا تتورط رينا في علاقة جنسية مع هذا الصبي، لكن ما يحدث أنه سيستغل هذه الفرصة ويقوم بتصويرها سرا لكي تصبح الصور مشاعة بين الطلاب في الفصل، يستخدمونها للتندر والسخرية من رينا.
الابن عومري، دوره محدود للغاية في الفيلم، فهو لا ينهض سوى قرب النهاية بعد أن تشيع قصة علاقة أمه بزميله الذي فضحها أمام الآخرين، ليلقنه الابن درسا عنيفا، أما الابنة عفت فهي ناشطة سياسية تشارك في التظاهرات المناهضة للسياسة الإسرائيلية، ونراها في بداية الفيلم وقد قُبض عليها ولا يُطلق سراحها إلّا بعد حضور والدها وبعد تعهدها كتابيا بعدم تكرار الأمر، لكنها مشدودة إلى الطرف الآخر.. الفلسطيني؛ تلف رقبتها بالكوفية الفلسطينية، وتقول للشاب الفلسطيني أيمن الذي تلتقيه صدفة، إنها تستمع إلى أغاني فيروز.
العلاقة مع الآخر
عند منتصف الفيلم يتحول اهتمام كوليرين إلى العلاقة مع الآخر، الفلسطيني؛ ديفيد يخرج ليلا من منزله إلى الفضاء المفتوح لكي ينفس عن شعوره بالفشل والعجز بممارسة الشيء الوحيد الذي يجيده، أي إطلاق النار، ليقتل أيمن الذي تعرفت عليه عفت مؤخرا، ولكن الفيلم يوحي بأن ما وقع هو مجرّد حادث غير مقصود.
وتذهب عفت إلى الجانب الآخر، إلى منزل أقارب القتيل، تشارك في العزاء، وهناك تتعرف على عماد صديق أيمن الراحل، بل وتحاول أن تمنح أرملة أيمن مبلغا من المال جمعته من زملائها الناشطين، إلاّ أن الأرملة الحزينة ترفض وتطردها.
الفيلم يصوّر الفلسطيني في صورة سلبية تماما رغم النظرة الليبرالية السطحية، فهو يصوّر كلا من أيمن وعماد، باعتبارهما شابين عابثين، الأول يعرض عليها المخدرات، ثم يحاول استدراجها لإغوائها، والثاني لا يخفي رغبته في استغلالها، أي أن العرب هنا مجرّد حيوانات جنسية، فهم يرون في اليهودية الإسرائيلية التي تتعاطف معهم سياسيا، هدفا جنسيا.
ويبالغ الفيلم في تصوير ردّ فعل الأرملة التي توجه سبابا مقذعا للفتاة وتصفها بالعاهرة وتطردها بفظاظة من المنزل، الأمر الذي يتنافى أصلا مع التقاليد العربية خاصة في مواقف مثل العزاء، بل إن الفيلم يوحي بوضوح بأن الأرملة تعرف أن قاتل زوجها هو ديفيد والد عفت (كيف عرفت؟)، وتعتقد أن الحادث ليس عرضيا، وهنا تصبح عفت التي تميل إلى المصالحة والتعايش هي من يلقى سوء المعاملة والرفض والتشكك من جانب الطرف الآخر.
منطق التوازن
عملا بالتوازن التقليدي المصطنع في هذا النوع من الأفلام، يجعل كوليرين (وهو مخرج مؤلف يكتب السيناريو بنفسه) ديفيد الذي أهمل أسرته ولم يقدر على الحفاظ على تماسكها، يدفع الثمن، فيرضخ لأجهزة الدولة التي تحميه والتي ينتمي هو قلبا وقالبا إلى منظومتها العسكرية والأمنية، فجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) يستغل حادث القتل كما لو كان قتلا متعمدا، للضغط عليه لكي يقبل خداع ابنته وتعقبها والتسجيل لها ولمن تلتقي بهم من النشطاء الفلسطينيين بهدف تصفيتهم. والقول الفصل يتلخص هنا في “إذا كنت قد فشلت أنت في القيام بواجبك.. دعنا نحن إذن لنتولّى الأمر”.
عندما تأتي الزوجة رينا وتعترف بما حدث لديفيد قبل أن يصله الخبر من الخارج، لا تهتز ولو شعرة في رأس ديفيد، بل إن كل ما يطالبها به أن تنسى تماما ما وقع، وأن تستمر الحياة بينهم جميعا داخل الأسرة، كما كانت دائما، فالمهم هو الحفاظ على الأسرة ظاهريا حتى لو كانت منهارة من الداخل.
يتراوح نقد كوليرين للأسرة “العلمانية” في إسرائيل بين التعرية والتماس التبريرات، فسقوطها مرتبط بشعور عام قائم على غياب الأمان، وبقاء ذلك الآخر (العدو) قائما على الجانب الآخر، وراء الجبال والتلال، يملأه الشك والرفض والغضب، وينتظر فقط لحظة للانفجار. ورغم الاختيار الجيد لأماكن التصوير، والطابع الهادئ الرصين في الانتقال من مشهد إلى آخر، والتوقف عند لقطات صامتة في الليل أو في النهار، أمام الجبال الشاهقة وكأنها القدر الذي يفصل بين عالمين، وتصوير عزلة الأسرة داخل منزل يتمتع بكل مظاهر الحياة الحديثة، ويخلو من أي إشارات دينية، ورغم المستوى الجيد عموما في الأداء، إلاّ أن هناك الكثير من الاصطناع في مواقف لا تخدم الموضوع، بل تنحرف به بعيدا، مثل تصوير الزوجة في غرفة بفندق مع الطالب الشاب، أو الاستطرادات التي لا معنى لها، في علاقة عفت بعماد التي توحي بأنها سوف تتطور دون أن يتحقق ذلك. هذه الاستطرادات تساهم في هبوط الإيقاع العام للفيلم، وتؤدي إلى الشعور بأنه يتجاوز كثيرا مساحته الزمنية، وهو ما حاول المخرج تفاديه باستخدام الأغاني في التعليق غير المباشر على الأحداث. المحصلة النهائية أن الفيلم يظل يدور داخل نفس الدائرة المغلقة التي سيطرت طويلا على ما يسمى بـ”الموجة النقدية” في السينما الإسرائيلية، وهي فكرة الشعور بالذنب مع عدم القدرة على التخلص من رثاء الذات.









