الناقدة التونسية – خيرة مباركي
لوحة جميلة جدا كما عودنا الفنان الدكتور خالد نصار تضاف إلى جملة اللوحات التي عرضها في هذه الفترة .قد يكون النشر مجرد اختيار للوحات متشابهة من حيث الموضوع العام .وقد يكون توجها وجدانيا يعكس حالة شعورية للذات المبدعة .ومهما يكن فتعاملنا سيكون انطلاقا من خصوصية الصورة في ذاتها ومن خلال ارتباطها بالمبدع وعلاقته بذاته وبمحيطه الخارجي وسيكون حوارا مع الألوان باعتبارها اكثر ما يجلب الانتباه في هذا العمل خاصة .وباعتبار الألوان كالملامح تتبع التغييرات العاطفية كما حدث “بابلو بيكاسو” .هنا في ظل هذا التفاعل مع العمل الفني قد نعتمد على نظرية بانوفسكي في تحليله : المعنى الأولي للوحة ماالذي يشدنا فيها؟ وماهو المعنى الثانوي لها وكيف استطاع الفنان ان يعطينا هذا الشعور ؟ وماهو المعنى الحقيقي الثاوي في اعطاف هذا النسق الجمالي والنسيج الإبداعي ؟ماهي الرسالة والمسكوت عنه فيها ؟
إنها لوحة أحلام وردية .صورة تأخذنا بألوانها الهادئة إلى أحلام الفنان عبر امواج الأثير ، فتستفزنا لاقتحام هذا العالم المفعم بالسرور والإشراق . وهذه الأحلام ترجمها الشكل وهو شكل الورود والألوان التي تناغمت في شبه انسجام لعله مهرجان لوني يريح البصر ويحلق بنا في عوالم الجمال والبهاء حتى كأننا نشتمّ فعلا عبق هذه الأزهار ونتحسس أريجها الذي يتضوع في أعماق فناننا الحالم بالربيع القرمزي .واناغيم العشق الأبدي .عشق السحر والرؤى الحالمة .وهي حرية تتوه بأحلامه إلى اللامتناهٍ من خلال هذا التجاوز بكسر الحواجز والقطع مع الحدود الواصلة الفاصلة بين الشكل والشكل .جعل منها لمسات حرة داخل بنية فضائية حركية ..وهذه الحرية تأخذنا معها في سفر بين الحلم والحلم بريشة تغازل الأفق اللاشكلي للفضاء .وهي في الغالب لمسات سريعة وبقع هائمة تختزل إيقاع الورود وحركة احلامها .تتراوح في مجملها بين ألوان شفافة تقع في أعلى اللوحة وتتدرج نحو اليسار مما يعطينا انطباعا حول طبيعة الألوان المستخدمة او المادة اللونية المستعملة والأرجح هو الأكريليك او ماهو مائي ..وبين الوان سميكة هو ما يقع في بقية اللوحة من جهة اليمين ..لتكوّن الكتلة التي يتعين فيها مركز الاهتمام وهو العنصر الرئيسي الذي تتجه إليه العين مباشرة في الصورة ( الورود اربعة منها واضحة والبقية غائمة شفافة ) تتدرج وفق حركة الضوء وهي حركة منبعثة من جهة اليمين ..وهذا يحدث قدرة فائقة في التعامل مع المادة اللونية ، من خلاله نلحظ سلما لونيا في تشكيل الورود ومراوحتها بين الوضوح والضبابية عند تحسسنا للألوان ..وكأننا بهذه الإضاءة تسهم في خلق نظام لوني خاص من شانه ان يحدث زهوا بصريا ..متأتيا اساسا من خلط ومزج الوان في الغالب ليس مبالغا فيه بمعنى أن يخلط لونين او اكثر مثل الوردي والأبيض .فالوردي نتاج تمازج بين الأحمر والأبيض ولكن الفنان يتجاوز هذا المزج الروتنيني إلى فعل ممارسة حرة تحدثه الفرشاة حين يترك جزءا من مكونات ألوان اللمسة الواحدة غير مخلوطة ، وهذا من شأنه ان يحقق مزجا بصريا يضيف مجاميع لونية أخرى إلى الألوان المستخدمة ..وهذا ما يوسع سلم النظام اللوني للعمل ليزيد من بهائها وإشراقها لتضفي على اللوحة جوا مفعما بالسكينة والدعة والرومانسية ..وهنا قد يتطلب منا الأمر دراسة الألوان التي استخدمها فناننا الحالم ..ومنها يكون منطلقنا إلى المعنى الحقيقي لهذا العمل الفني ..اللوحة كما اشرنا قامت على ثنائية لونية تجمع الشفاف والثقيل ..الغائم والواضح ..المضيء والمعتم الفاتح والداكن كل ذلك يرتبط بحركة الريشة ودينامية نفسية الفنان ..وهذا ما يدعم خصوصية الكثافة في عمق الصورة ..واللون المسيطر هو اللون الوردي بدرجاته المتنوعة وموجاته التي تؤثر على خلايا المشاهد وجهازه العصبي وحالته النفسية وهو تأثير إيجابي لطبيعة اللون الذي يوحي بالحب والانسجام ويرمز إلى العاطفة والبراءة ..والمعلوم كما اشرنا أنه لون ثانوي نتيجة مزج بين الأحمر لون الحب وتوهجه والأبيض لون السلام والنقاء والطهارة .. وينبجس من أعطاف هذا التدرج اللون البرتقالي الذي يظهر في شكل ومضات ضوئية ..وهو لون الخريف والإبداع كما يوحي بالتغيير والطاقة والقدرة على التحمل ..لعله يعكس ذات الفنان ويترجم شعوره ..إنه التطلع نحو الحياة والطاقة والسعادة والأمل والحكمة ..ويطوقه باللون الأخضر الذي يتدرج بدوره من الغامق إلى الفاتح الذي يميل إلى الصفرة هي إذا تموجات تحدثها الريشة تعكس شعورا بالحب ..هو لون مادة الحياة في الكون وهي “البلاستيدات الخضراء “فكل ماهو اخضر ينبض بالحياة فتدخل على نفس وقلب الإنسان الانشراح وحين يراها هي التي تشعره بالحب وهو يلائم اللون الزهري في هذا التعبير ..ويتسربل ببقايا بنفسج هي الكفيل بالارتفاع به إلى عوالم الروح والميتافيزيقا لتكون هذه الأحلام مقرونة برؤية مفارقة لعالم الأرض إلى عالم التهويم والرؤى الحالمة والجمال تجعل من اللوحة عتبة خلاص من عوالم المرض والألم والعذابات المتواصلة بذلك فالصورة الظاهرة هي بديل موضوعي وتعويض عن عالم الإثم والقبح ..هي وجه آخر من وجوه المواجهة التي الفناها في شخصية الفنان خالد نصار الحلم بجنة موعودة هي كونه الجمالي الذي ينشئه من ذاته قبسا ينير دياجير ذاته العميقة إنها صورة الهدوء والسلام والسكينة .









