عقيل الناصري
التاريخ.. [2]هو لغة تحديد الزمن، وهو في الوقت نفسه تاريخ البشر الذين يصنعونه. هو نشاط الإنسان الساعي وراء غاياته. وبالتالي فهو علم البشر في الزمان.. علم الماضي وعلم المستقبل والإبداع يمثل روحه. وعند دراستنا للتغيرات الجذرية، كالثورات التي غيرت من مجرى الحياة والتاريخ للعا لم أو لمنطقة منه، تقفز إلى الذهن دوما مسألة مهمة، تخص ماهية الدور الذي تضطلع به الشخصيات القيادية في الصيرورة التاريخية لهذا البلد أو ذاك ، لهذه الأمة أو تلك. وتشتق فلسفيا، ضمن سياق هذه المناقشات والسجالات، فكرة دور الإنسان/ الفرد في عملية التغيير لبيئته، لعالمه الذاتي، لتاريخيته ووعيه الاجتماعي بكل أبعاد تجلياته طرح الفكر الإنساني هذه الموضوعة على نفسه منذ أمد طويل وتمت معالجتها من مناظر فلسفية متباينة. إننا ننطلق من تبني فكرة كون التاريخ هو قرين لعملية التغيير. يقول هيغل أن : ” التاريخ هو عملية تغيير الإنسان لبيئته وأنه حيثما لا يوجد تغيير، فليس ثمة تاريخ “. ترى مِمَ يتألف تاريخ البشرية ؟ هل من أفعال شخصيات منفردة أم من جماهير الشعب؟ أم من كليهما؟ وأين تكمن الكفة الترجيحية لأي منهما؟.
إن فهم التاريخ واستيعابه عملية لا تخلو من الصعوبة، وتنجم صعوبتها من ضرورة أن الفهم ” لا ينفصل عن الإقامة في التاريخ وصنعه والذي هو في الوقت نفسه صنع الإنسان لنفسه. وبعبارة أخرى إن صعوبة الفهم تبدأ من لا إمكانية النظر إلى التاريخ من زاوية متجردة كما هو الحال مع الطبيعة مثلا. وبما أن التاريخ هو حصيلة تداخل الذاتي بالموضوعي، المرغوب بالمفروض والخيالي بالواقعي، فقد تعددت زوايا مقاربته: إنه كلية تبحث عن كليتها. تعددت المقاربات تحتمها عوامل نظرية أو أيديولوجية، تعكس الأولى مصالح اجتماعية أو نظرية، سياسية أو خلفيات ثقافية تفسر بالاستناد إليها أحداث الماضي ويعاد تشكيلها من حيث الأهمية والأسبقيات … أما الثانية أي الاختلافات النظرية، فتفرض نفسها بالدرجة الأولى على المختصين بدراسة التاريخ وتأتي من مناهج البحث كما من المفاهيم [3] ” .
لقد اختلف المؤرخون في تحديد علل التاريخ وأرأسيات مسبباته, طالما أن ” أبجدية الفهم عندهم ذات ترتيب غير موحد، فمنهم من يقرأ التاريخ كسجل لإرادة الأفراد العظام[4] أو كأثر لعامل واحد، أو غاية نهائية محددة، ومنهم من يرجعه إلى تدخل العناية الإلهية أو يراه، كعملية خطية أو دورانية وبينهم آخرون يفرغونه من المعنى والقوانين. ولكل واحدة من هذه النظرات أو القراءات نقيضها الذي يعد إمساك الصورة بالمقلوب[5] ” رغم أن الاختلاف يكمن في الأساس في ذات مفهوم الفرد و ماهيته، في طابعه الاجتماعي وأسنته.
وتأسيساً على ذلك ” لا يوجد ماض واحد له تاريخ واحد بل ماض لا متناهٍ، كل الإمكانيات فيه قادرة على تحويله إلى تاريخ صالح للاستعمال، ما دامت تلك الإمكانيات قادرة على جعل التاريخ يتخذ مسلكاً غير متوقعاً [6] “.
ومن الناحية المنهجية، علينا عند النظر إلى هذه المفاهيم، أن لا ننطلق من مواقع ( يقينية) تامة تنكر الحرية وتخضع العالم للجبرية، وللقوة الماورائية (الميتافيزيقية)، رغم أن إنكار حرية الإرادة لا يؤول دوماً إلى الجبرية، التي كما تبين كثير من الوقائع التاريخية، لم تكن بصورة دائمة معوقة للعمل الدائب في الممارسة، بل أحياناً سيكون “… الأمر على النقيض من ذلك، إذ كانت في بعض المراحل قاعدة سيكولوجية أساسية لمثل ذلك العمل …[7] ” .
وفي المقابل يجب التمعن في ماهية طبيعة النشاط الإنساني ومدى حرية إرادته ودورها. إذ أن انعدام حرية الإرادة سينعكس في الذهنية الفردية حيث ” استحالت التصرف بصورة مغايرة لسلوكه. وتلك حالة فكرية تنطبق عليها بدقة كلمات لوثر الشهيرة:أني أقف هنا ولا أستطيع سوى ذلك، وبفضلها يبدي البشر طاقة هائلة جداً وينجزون المآثر الأبعث على الدهشة… وعليه فالحرية هي مجرد الضرورة التي تحولت إلى الوعي…[8] “. وهي بهذا المعنى تعني تأكيد حقيقة الانسان بوصفه فرداً انسانياً أي تاكيد حقيقة ماهيته، وليس كذات مسخرة أو ذات تابعة تكتسب ماهيتها من تبعيتها. بل إن ” كل شيء في الكون يقاس من حيث قيمته بالنسبة إلى الانسان [9] “
بمعنى أخر يجب التأكيد على أن ” البشر كائنات فعالة، إنهم يغيرون الظروف التي تجابههم لمصلحتهم بالقدر الذي يستطيعون. تقول الموضوعة الثامنة[10]: (إن الحياة الاجتماعية كلها عملية في الجوهر وكل الأسرار الخفية والغوامض التي تجر النظرية على الصوفية إنما تجد حلها العقلاني في الممارسة الإنسانية وفي تفهم هذه الممارسة).
لكن الممارسة الإنسانية وحدها ليست غاية، إذ يمكن لمجنون أو طاغية أن يقود الناس في (غابة العمى) إلى الكارثة [11]، حيث عندها يخيم القلق والخوف على حياتهم التي تصبح فقيرة, عقيمة, كريهة, موحشة, قصيرة الأمد ولا تستقيم الحياة السياسية والابداعية فيها, ولذا فهي لا تنتج حضارة ولا معرفة ولا ثقافة[12]. وبالتالي ينطبق عليه قول أفلاطون “الطاغية شخص كتب عليه أن يأكل اولاده “. كما أن ممارسته للسلطة يتسم بالتناقض.. إذ غالباً ما تكون كثير من قرارته مبنية على المزاجية و الانفعال, اللذين هما بطبيعتهما وقتيان ومتقلبان, وقد يكون القرار بالغ الخطورة لانه يمس مصائر بشرية. ولأنه عندما يحكم يذهب بعيداً في حكمه أبعد من أن يعالج الازمات التي فرضتها الحياة وتاريخ العراق البعيد والقريب مملوء بالامثلة الدالة على الطغيان والقليل منها نقيضها.. وكان قاسم أحد هذه القلة.
لذا يجب أن تكون ” الممارسة مدركة: والإدراك هو وظيفة الفلسفة الثورية. وهذه الفلسفة لا تنطلق من جملة مقولات ولا من المبادئ العامة العريضة، بل من البشر. إنها تتفحص ما يفعلون، وتتساءل لماذا يفعلون ما يفعلون ولأي غرض وبأي دافع، إنها تعلم البشر ما يفعلون، أي أنها تتعلم من الممارسة لتعلم الممارسة فتصبح إدراكاً للذات [13] “.
للفعل البشري خاصية تكمن في كونه لا يقع في عداد الشروط التي لابد من توفرها في الفعل الطبيعي مثل خسوف الشمس والمد والجزر والزلازل والهزات الارضية، التي ستقع دون تدخل البشر أو أي عون من جانبهم. إن الإنسان يرى في افعاله مصبوغة بالضرورة في نظره, وبالتالي سيحاول البرهنة على قوة إرادته المشابهة لقوة عناصر الطبيعة .
كما أن العلاقة المتبادلة بين الفرد والمجتمع تختلف من فترة تاريخية لأخرى، ولذلك لا يوجد شيء مجرد اسمه ” المجتمع” بوجه عام وكذلك لا يوجد شيء مجرد اسمه ” فرد “، طالما أنه دائماً نتاج نظام اجتماعي محدد تاريخياً أي أن الفرد هو كائن بشري بصفاته العقلية والانفعالية والارادية المحددة اجتماعيا والمعبر عنها فردياً. والرابطة المتبادلة بين الفرد والمجتمع تميزها الرابطة الطبيعية بين المصالح الفردية والاجتماعية والانسجام بين هذه المصالح. طالما أن الفرد هو بعبارة أخرى يمثل المجمل الكلي للعلاقات الاجتماعية.
ويلعب عامل الحرية دوراً مهماً في تقرير الإرادة. والحرية هي على الدوام حرية من شيء ما، وستكون لا معنى لها إذا لم تكن، أو تعتقد على الأقل، بأنها النقيض من الإكراه – أي الإكراه الخارجي المفروض .. وهذا ما يطلق عليه بالحرية الصغرى، وهي الأساس في فهم الحرية الكبرى والتي تعني إدراك الضرورة. فمثلاً الرأسمالية، وخاصة في مراحلها الحالية، تقود في سياق تطورها إلى إنكار الخاص بالنسبة للأفراد وعدم تحقيق مثلهم العليا. هذه تمثل ضرورة تاريخية، أي أن الفرد يصبح من حيث هو أداة لتلك الضرورة ولكنه نظراً لأن وضعه الاجتماعي أنتج تكويناً خاصاً من تكوين أخر، فإنه لا يخدم فحسب من حيث هو أداة للضرورة ولا يستطيع أن يفعل ذلك، بل هو يرغب في ذلك باندفاع .. ولا يستطيع أن يكون شعاره مغايرا لذلك. وهذه إحدى مظاهر الحرية.
إن مفهوم العلاقة بين الضرورة والحرية تعبران في جوهرهما عن العلاقة بين نشاط الناس والقوانين الموضوعية للطبيعة والمجتمع، على اساس تفاعلهما وتداخلهما الجدلي. وإن حل هذه العلاقة يقوم ” على اساس تبين الضرورة الموضوعية باعتبارها أولية بالمعنى المعرفي (الابستمولوجي) وباعتبار ارادة الانسان ووعيه ثانويين مشتقين من الضرورة. والضرورة توجد في الطبيعة والمجتمع على شكل قوانين موضوعية… وكلما ازداد الانسان عمقاً في ادراك القوانين الموضوعية كلما ازداد نشاطه حرية ووعياً. والحد من الحرية الانسانية إنما يحدده اعتماد حرية الناس لا على الطبيعة فحسب، بل على القوى الاجتماعية التي تسودهم [14] “.
” بمعنى أنها حرية نشأت عند الضرورة، في الوقت ذاته أنها أصبحت واحدة مع الضرورة. أنها الضرورة التي تحولت إلى حرية, ولا تصبح الضرورة حرية لأنها تلاشت، بل هي لا تصبح كذلك إلا لأن هويتها الكامنة قد تظاهرت. مثل هذه الحرية هي أيضاً حرية فيها درجة معينة من الإكراه، كما أنها النقيض من درجة معينة من التقيد.. والذي يعني به هو الإكراه المعنوي الذي يشل طاقة الذاتيين الذين لم ينفصلوا عن الازدواجية، وهو ذات الإكراه الذي يسبب الألم للعاجزين عن ردم الهوة الفاصلة بين المثل العليا والواقع. وحالما يطرح الفرد نير ذلك القيد الأليم، فإنه يولد لحياة جديدة ومليئة وغير مألوفة لديه. وتصبح نشاطاته الحرة بمثابة التعبير الواعي والحر عن الضرورة، بمعنى ليست الحرية شيئاً سوى تأكيد الذات.. عندئذ يصبح الفرد قوة اجتماعية كبيرة[15] “.
بمعنى آخر إن الحرية الحقيقية تعني الاستقلال الذاتي أو ” هي التحديد – الذاتي Self- Determination أي أن يحدد الفرد نفسه بنفسه, فلا يكون مقيداً إلا بذاته ولا يطيع إلا ذاته العاقلة وحدها, وأن يسلك بناء على قواعد عامة يضعها لنفسه باعتباره موجوداً عاقلاً تلك هي الحرية الحقة التي تعني الاستقلال الذاتي Autonomy للارادة الفردية [16]”.
ومن زاوية أخرى فإن وعي الضرورة المطلقة لظاهرة ما لا يمكن إلا أن ” يشد من طاقة الإنسان المتعاطف مع هذه الظاهرة ويعتبر نفسه إحدى القوى التي كانت سبباً في قيامها. ويبرهن مثل هذا الإنسان الواعي لضرورتها، على جهل بالحساب إذا جلس هو مكتوف الذراعين ولم يفعل شيئا[17] “.
وقبل الخوض في دور الفرد في التاريخ يمكن أن يُطرح ما له علاقة بصيرورة العملية التاريخية ذاتها، ترى هل هي نتاج لسلسلة مصادفات، أم أنها تخضع لسنن وقوانين عامة؟ يشكل هذا التساؤل بحد ذاته موقفاً تناقضياً. لأن التبني الأحادي الصرف سيقود هنا إما إلى الجبرية أو إلى العبثية. إذ أن إلغاء ما يحتويه كل جانب من ذرى الحقيقة الكامنة فيها، فهذا يعني أما تماهي العام في الخاص أو بالعكس تماهي الخاص بالعام.
لقد سار على هدى هذا المنهج أغلب المؤرخين ” ابتداءً من مؤرخي الماضي القديم- من هيرودوتس (أبي التاريخ)… وانتهاء ببعض المؤرخين المعاصرين… وقد تجسد هذا الموقف بأسطع صورة في نتاج الفيلسوف والكاتب والمؤرخ الانكليزي كارليل الذي كان يرى في التاريخ العالمي هو في جوهره تاريخ الرجال الأعاظم. وكان يعتبر أفعالهم روح التاريخ العالمي ويعتبر أمراً طبيعياً وجود (الهوة) بين الزعيم الهمام والجمهور الجبان الأعمى، حيث يعتبر تفوق البعض على سواهم نتيجة لتفوق الأبطال معنوياً وعقلياً… [18] “.
وطور هذه الفكرة لاحقا الشاعر والفيلسوف الألماني نيتشة مؤسس نظرية (التفوق) وعبادة الشخصية الكاريزمية (الصمدانية[19]) النخبوية والتي وجدت صداها الانعكاسي، بهذه الدرجة أو تلك، في العديد من المدارس الفلسفية المعاصرة، والمثالية منها خاصة.[20]
وبالضد من هذه النظرة، فإن النظرية المادية عن التاريخ تفسح المجال عن فسحة للخاص ضمن سيرورة القانون العام، أي أنها أعطت دوراً ومكانةً للطبيعة البشرية في صيرورة العملية التاريخية، وذلك عندما ترسم أهمية للعلاقة الجدلية بين كلا الجانبين من الموضوع والذات واللذين يعتبران وحدة واحدة. فالذات تصبح موضوعاً في جانب أخر وبالتالي فهي تخضع لنظم وقواعد موضوعية.. وتبعاً لذلك لا توجد هوة فاصلة بين الذات والموضوع من حيث المبدأ. إذ يقوم تفاعلهما الجدلي على أساس الممارسة التاريخية/الاجتماعية للإنسان والتي هي وحدها تعطينا مفتاحا لمعرفة نشاط الذات المعرفي.
وهذا ” يعني أن الإنسان لا يصبح ذاتاً إلا في التاريخ وفي المجتمع.. ولهذا السبب فهو ليس فرداً مجرداً، وإنما هو موجود اجتماعي، كل قدراته وإمكانياته تشكلها الممارسة …” الواعية والعضوية الفعالة ” … ومع ذلك فإن الإنسان/باعتباره القوة الايجابية في التفاعل بين الذات والموضوع- يعتمد على الموضوع في نشاطه. لأن الموضوع يضع حدوداً معينة لحرية الذات في الحركة… ونشاط الذات مشروط موضوعياً- أيضاً- بحاجاته وبمستوى الانتاج. والإنسان- في اعتماده على هذا، وأيضاً على مستوى المعرفة بالقوانين الموضوعية – يحدد لنفسه أهدافاً واعية، يطرأ نتيجة لبلوغه إياه تغير على الموضوع والذات على السواء.ومع تطور المجتمع تلعب العوامل الذاتية دوراً يزداد كبراً باطراد …[21] “.
لكن في الوقت نفسه لا يمكن اعتبار الطبيعة البشرية ” السبب الأولي والأعم للتطور التاريخي، فإذا كانت هي ثابتة، عجزت عن تفسير المجرى المتغير جداً للتاريخ، وإذا كانت هي متغيرة، فمن الواضح أن تغيراتها بالذات رهن بالتطور التاريخي. ولابد لنا في الوقت الحاضر أن ننظر إلى تطور القوى المنتجة[22] من حيث هي السبب الأولي والأعم لحركة الجنس البشري التاريخية، وتطور القوى المنتجة هو الذي يقرر التبدلات المتتالية في علاقات البشر الاجتماعية. وأن أسباباً خاصة تعمل بصورة موازية لهذا السبب العام، ونقصد بها الأوضاع التاريخية التي يجري فيها تطور القوى المنتجة لشعب ما، والتي يخلقها بدورها في آخر الأمر تطور القوى نفسها عند الشعوب الأخرى، يعني السبب الشامل نفسه[23] “.
وتأسيساً على ذلك يجب عدم المبالغة في دور الفرد في التاريخ، وإعطاؤه دوراً مطلقا فيه والانقياد الاعمى لسلطته وسطوته والمبالغة في مزاياه الفعلية. وفي الوقت نفسه يجب رفض التطرف المنادي باعتبار الفرد كمية مهملة والقائد ليس سوى لقب يعطى للأحداث، طالما أنه يمكن أن يكون قوة اجتماعية إذا تهيأت الظروف الملائمة له، من خلال التحكم بالطبيعة وباستعمال عقله.
ومن الضروري التفرقة بين دور الفرد/ القائد المستجيب للضرورة التاريخية وشخصية الفرد/ القائد الطاغية المغتصب للسلطة بالمؤامرات والذي لا يعبر في الجوهر إلا عن ذاتيته المفرطة, التي لا حدود لسلطتها باعتبار أن ما يقوله هو القانون, وهو لا يخضع للمُساءلة ولا المحاسبة و” يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم, ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم, ويعلم من نفسه أنه الغاصب والمعتدي , فيضع كعب رجله في أفواه ملايين من الناس لسدها عن النطق بالحق والتداعب لمطالبته [24] “. بمعنى هنا ” تحول الطاغية إلى ذئب “, كما يقول أفلاطون.[25] ويتحول الفعل الثقافي إلى حالة الخضوع والهيمنة الاحادية الجانب وتقوم على مبدأين هما “مبدأ عبادة الفرد المستبد ومبدأ عبادة الثابت المألوف [26] ” وتكون السلطة ذئبوية والثقافة ببغائية ومنطقها الداخلي الصمت والسكوت.
ينصب الكلام هنا ليس عن فرد مجرد، بل عن كائن بشري بصفاته العقلية والانفعالية والإرادية المحددة اجتماعياً والمعبر عنها فردياً. أي فرد ينتمي إلى شكل اجتماعي محدد، ويعكس المجمل الكلي للعلاقات الاجتماعية، ومضمونه يتحدد في نهاية المطاف بالنظام المعين تاريخياً للمجتمع وماهية قانونه الأساسي. لأن بعض المفكرين رأوا في الفردية القوة المحركة الرئيسية و(الوحيدة تقريباً) للتطور التاريخي، ويعتقدون أن سير التاريخ تحدده رغبات وإرادات الرجال العظام وقدرتهم على التحكم بموجب إرادتهم الخاصة.. أكثر مما تحدده القوانين الموضوعية ونشاط الناس الاجتماعي.
إن هذا الرأي، حسب اعتقادنا، متحيز ومتطرف في الوقت ذاته, ” لأن الفرد بدون مقدمات اجتماعية لا يمكن أن يخلق الأحداث، والكبرى على وجه الخصوص، طالما أن الظروف التاريخية الشاملة أقوى من قدرة أكثر الأفراد بأساً. والرجل العظيم يستنبط ذاته من طبيعة عصره وأنه مهما بالغ لم يكن ولن يكون قط من أصحاب الجبروت المطلق…[27] “.
ومن هنا فالفرد ليس (أنا) معزولة.. لكنها مشروطة بشروط مادية واجتماعية. لأن ” كل ما نؤكده هو أن الصفات الذهنية والخلقية لرجل يلعب في الحياة العامة دوراً أعظم أو أقل- مواهبه, ومعرفته, وحزمه أو تردده, وشجاعته أو جبنه, وقس على ذلك- لا يمكن إلا أن يكون لها أثر بالغ في مجرى الاحداث ونتائجها, ومع ذلك فإن هذه الصفات لا تجد تفسيرها في القوانين العامة لتطور الأمة حسب, بل هي تتطور دائماً وحتى درجة كبيرة جداً تحت زخم ما يمكن تسميته مصادفات الحياة الخاصة[28]”.( التوكيدات منا – ع.ن).
لكن في الوقت نفسه، يجب عدم المبالغة في الاتجاه الذي يمنح القوة لقوانين التطور الاجتماعي العامة وعدم الإقرار المطلق بالعنصر البشري (الخاص) وأهميته وإرجاع مضامينها فقط لفعل القوانين العامة. إذ يستطيع أي قائد/زعيم اتخاذ قرار مباغت، والذي يظهر في الغالب بدون مسببات منطقية أو معقولة، بإرادته الذاتية ويؤثر في مجرى الأحداث التاريخية بقوة كبيرة تغير من مجراها العام، يقول براند رسل:
” إن وقوع هنري الثامن في حب آنا بولين هو الذي أوجد الولايات المتحدة الأمريكية، لأنه أدى إلى القطيعة بين الفاتيكان وانكلترا بسبب تحول الأخيرة إلى البروتستانتية، ومن ثم عدم اعترافها بقرار بابا روما تسليم أمريكا إلى البرتغال وإسبانيا [29] “.
وينطبق هذا إلى حدٍ بعيد على دور الراهب راسبوتين في تاريخ روسيا القيصرية, الذي غير من مجراها العام وسرع في سقوطها، بالتظافر مع العوامل الاخرى. وكذلك ينطبق على الثورة الفرنسية العظمى إذ أن حصيلتها لم تقرره سيرورة السياق العام لمجراها الذي وصلت إليه وجاءت في أذيالها، بل ظواهر صغرى عديدة وهي كذلك لا تنتسب في خاصيتها إلى مقولة الظواهر الاجتماعية .
وتأسيساً على ذلك يمكننا القول إن مواهب الفرد وجملة السجايا الملازمة له وصفاته الذهنية وتركيبته السيكولوجية، سيكون لها أثر بالغ في مجرى الأحداث وعواقبها.[30] ربما هذه الصفات لا نجد لها تفسيراً في قوانين التطور العامة. ومع ذلك فإن هذا الأمر مناط في المطاف الأخير بالشروط الاجتماعية ومعطياتها.
إن القادة ” قادرون على التأثير في مصير المجتمع بفضل بعض السمات المحددة في طبيعتهم. كما أن تأثيرهم بالغ في بعض الأحيان. لكن إمكانية ممارسته ومداه يتحددان بفعل التنظيم الاجتماعي وحالة القوى. فليس خلق الفرد (مثلا) عاملاً في التطور الاجتماعي إلا حين تسمح به العلاقات الاجتماعية وحيث تسمح به وبقدر ما تسمح به. ورب قائل لنا إن مدى التأثير الشخصي يتوقف على مواهب الفرد أيضاً.. إننا نوافق على ذلك غير أن الفرد لا يستطيع أن يبرهن على مواهبه إلا حين يشغل مركزاً مناسباً في المجتمع. وبالتالي فالتنظيم الاجتماعي للبلد هو الذي يقرر في أية مرحلة معينة دور الافراد الموهوبين أو العاجزين وبالتالي ما يتصفون به من أهمية تاريخية.[31] ” لأن الصفات الشخصية للقادة تُقرر الصفات الفردية للاحداث التاريخية.
ولكن لابد من تحقق شرطين كي يكسب رجل ذو موهبة خصوصية نفوذا كبيرا على مجرى الاحداث.
” أولاً: يجب أن تجعله هذه الموهبة أفضل ملاءمة من أي امرئ آخر للحاجات الاجتماعية لعصر معين, فلو كان نابليون يملك موهبة بتهوفن الموسيقية بدلاً من عبقريته العسكرية الخاصة, لما أصبح بالطبع امبراطوراً.
ثاتياً: يجب ألا يسد النظام الاجتماعي القائم الطريق أمام شخص يملك الموهبة الضرورية والنافعة في ذلك الزمن المعين [32] “.
على هذا المنوال دخلت التاريخ شخصيات أثرت في مجالات الحياة مثل: يوليوس قيصر وجنكيز خان، كرومويل ونابليون، وغيرهم.. لكن من كان قيصر لولا الفيلقيون المحاربون معه.. ومن هو جنكيز خان لولا عساكره، وكذلك كرومويل ونابليون لولا الفرسان بالنسبة للأول والجنود للثاني. وهكذا دواليك يمكن الدخول إلى الأغلبية المطلقة من القادة العظام. بمعنى أخر لا يجوز اعتبار الشخصية العظيمة بديلا للمجتمع، هذا الأمر غير مشروع وخال من المنطقية.
النظرة الموضوعية تلزمنا بعدم تناسي تأثير دور الشخصية[33] كما لا تجيز الانتقاص من دور الجماهير الشعبية في التاريخ، وبالنتيجة يمكن مقارنة دور الشخصية العظيمة بمثابة الشرارة التي تفجر الاحتقان في المنعطفات الحاسمة. ومع ذلك يبقى كل ذلك مرتبطا بالصفة الاجتماعية للفرد – أي باكتسابه السجايا الإنسانية الخالصة من مصدريها:
– الاجتماعي العام مثل القادرة على العمل والتفكير … الخ
– ومن السجايا الفردية التي تلازمه وحده وتميز شخصيته. وبالاشتراك مع تلك المستنبطة من الجماعة التي ينتمي إليها كالأمة، الطبقة، القبيلة، الحزب والطائفة..الخ.
وعند البحث في عناصر السلطة[34]، بالمفهوم العام, والتي تعني الخضوع لإرادة الآخرين، لدى القادة والنخب السياسية في الوقت الراهن، فيلاحظ عملياً أنها تتكون وتتبلور مكوناتها بالاساس من ثلاثة مصادر أراسية تتفاعل فيما بينها جدليا.وهي غالباً ما تختبئ خلف الادوات الداعمة لها وتلك المشتقة منها، هذه المصادر هي :
– الشخصية ومقوماتها؛[35]
– الملكية والثروة؛[36]
– التنظيم، الرسمي واللارسمي.
وعلى العموم تظهر هذه المصادر بصورة متداخلة بعضها بالبعض الآخر وفي الغالب متحدة بشكل دائم، خاصةً في المجتمعات المتبلورة طبقياً. فالشخصية ومقومات الزعامة تتعزز أكثر فأكثر بالثروة والملكية والمقدرة المالية الداعمة والعكس بالعكس. وذات الشيء ينطبق على السلطة المستمدة مقوماتها من التنظيم وفعاليته (بغض النظر عن شكل تواجده وتطوره وسعة انتشاره وشكله الاجتماعي ودرجة حداثته وديمومته)، والتي ستتعزز مكانتها من خلال قوة وجاذبية الشخصية القيادية فيها، أو/و مع مصادر تمويل التنظيم. وستزداد مصادر القوة والسلطة فعاليةً إذا ارتبطت المصادر الثلاثة بعضها بالآخر.
وبالرغم من الدور المستقل النسبي لكل مصدر في تعزيز السلطة، إلا أنه يرتبط بطبيعة النظام الاجتماعي وماهية السطة فيه.. إن كانت علاقات السلطة الرئيسية تناحرية أم غير تناحرية، تعاضدية/ تكافلية أم قسرية/ دكتاتورية.. وكذلك حسب نوعية اسلوب الانتاج ودرجة تطور القوى المنتجة.. حيث سيتحدد على نوعهما وطبيعتها كيفية ممارسة السلطة نوعا وشكلا. فالنظام السياسي الذي ” يشكل نمطاً مستمراً من العلاقات البشرية, فهو يتضمن, إلى حدود واسعة, الرقابة control والسلطة authority أو القوة powerبالإضافة إلى مسألة التأثير في هذه السلطة أو القوة . وهناك عموماً حدود متباينة لدرجة تأثير الأفراد (والجماعات) في النظام السياسي نتيجة التباين في امتلاكهم الموارد السياسية, متمثلة بـ: الثروة والدخل, المنزلة الاجتماعية, العلاقات ( بما في ذلك رابطة الدم/ النسب: اللأسرية, العشائرية, القبلية), المغلومات, القدرة على الترغيب والترهيب. علاوة على اختلاف امتلاكهم للمهارات والكفاءات التي يستخدم الأفراد من خلالها مواردهم السياسية, وتجد جذورها في اختلاف الهبات الطبيعية والفرص الاجتماعية والحوافز والبواعث والمواهب والقدرات على تعلم وممارسة المهارات السياسية. وتتوزع النوارد السياسية على نحو متباين في المجتمع نتيجة عوامل تقدمها: سوء توزيع الثروة والدخل, اختلافات وراثية, عوامل بيولوجية واجتماعية متوارثة ومكتسبة جنباً إلى جنب مع الاحتلاف في الخبرات والتجارب والمهارات, تباين التخصص الوظيفي, وغيرها “.[37]
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك, درجة التحضر في ممارسات تجليات الوعي الاجتماعي:(الفلسفي والجمالي والحقوقي والسياسي والديني)، التي ستلعب دورا في نشوء المؤسسات الرقابية المتمثلة بمؤسسات المجتمع المدني المستقلة عن سيطرة الدولة، وبالتالي تحدد شكل ومضمون، كيفية ونوعية ممارسة السلطة .
يعطينا التاريخ الانساني كثيرا من الاشكال لتلك العلاقة القائمة بين قوة الشخصية والسلطة.. فهناك زعماء وقادة اغتصبوا السلطة ومارسوها بصورة مطلقة بفضل قوتهم الجسمانية، أو بسبب ما لهم من قوة مادية أو ما يتمتعون من شجاعة. في حين استولى عليها أخرون بفضل مواهبهم وكفاءاتهم وقدرتهم على الاقناع وتغيير أراء الناس، ساعدتهم في ذلك قنوات عديدة كانت بمثابة حلقة الوصل بينهم وبين الناس، مثل: المؤسسات الاجتماعية أو/و الدينية أو/و السياسية، المستقلة عن السلطة ذاتها أو متداخلة معها.
تتفرع المصادر الأرأسية للسلطة، المذكورة أعلاه، بدورها إلى فروع رئيسية مشتقة منها، تتباين اشكالها حسب: طبيعة الظروف الزمانية/المكانية والاجتماعية الحسية السائدة في البلد ودرجة تطورها؛ والسلطة ذاتها وتبلورها؛ وجغرافية البلد ومكانته واستراتيجية موقعه؛ والتي على ضوئها يتحدد شكل وقوة تأثير السلطة وكيفية استخدامها.. بمعنى آخر إن هذه المصادر ليست متساوية في التأثير، كما أنها تتغيير من مرحلة لإخرى.
وعوداً لتاريخ العراق المعاصر واستقراءً لمصادر السلطة السياسية فيه وتحليل واقعها، فيمكننا أن نصنف، على سبيل المثال المقارن، مصادر السلطة للنخبة السياسية التي حكمت إبان المرحلة الملكية، في مجموعة من المصادر، امتلك عضو النخبة بعضا منها مما أهلته للولوج في دهاليز السلطة، وإن تباينت قوتها التأثيرية من عضوٍ لآخر. وبالاجمال تمثلت هذه المصادر في:
– قوى الاحتلال البريطاني في البدء ومن ثم بالسفارة البريطانية لاحقاً؛
– مؤسسة العرش ؛
– رابطة الدم ( العلاقات القبلية – العشائرية والأسرية)؛
– التصرف بوسائل العنف المادي (المؤسسة العسكرية)؛
– الملكية والثروة؛
– الروابط الشللية والعصبوية؛
– الشهرة والوجاهة الاجتماعية؛
– الكفاءة والمقدرة الشخصية؛
– التنظيمات الاجتماعية، القديمة منها والحديثة.
لقد كانت المصادر الستة الأولى من أهم مصادر السلطة لدى النخبة الاوليغاركية الضيقة [38] التي حكمت في المرحلة الملكية والتي كانت نواتها المركزية أغلبهم من ذوي الاصول العسكرية من المرحلة العثمانية، بينما لعبت العوامل الآخرى أدواراً ثانوية مكملة، تغير موقعها مع تطور مركزية الدولة.
لقد كان اعضاء النخبة السياسية يستبدلون مصادر قوتهم ويراكموها حسب طبيعة الفترة الزمنية وطبيعة الصراع الاجتماعي بين اعضاء النخبة انفسهم أو بينهم وبين القوى الاجتماعية المعارضة.
لقد تغيرت مصادر سلطة أعضاء النخبة الحاكمة في مرحلة الجمهورية الأولى ( 14 تموز1958شباط 1963)، وأعطيت الاهمية للعناصر الاربعة الاخيرة مضافاً إليها بعضا من تلك المصادر المشتقة من طبيعة نظام الحكم الجديد ومن طبقية دور الفئات الوسطى الحاكمة بتزامنها مع واقع العصر وروحه وتطلعها المستقبلي.
في الوقت نفسه أُبعدت المصادر المعتمدة على الولاءات الدنيا وما يتعلق بالمتخلف من الارث التقليدي.. والأهم هو النفي التام لدور العامل الخارجي المتمثل في بريطانيا ودورها كمصدر قوة لتعضيد اعضاء النخبة الحاكمة. لقد اعتمدت الثورة نقيض هذا العامل.. إذ مثل النضال ضد القوى الاجنبية أحد أهم مصادر السلطة الجديدة ونخبتها السياسية.. لذا كانت مصادر قوة النخبة السياسية لمرحلة تموز/ قاسم قد اختلفت في منطلقاتها الاساسية عن تلك التي سادت قبلها وبعدها.
ولأجل فهم دور الزعيم قاسم، كقائد عضوي لصيرورة العملية الاجتماعية، سنحاول ان نقارن مقومات سلطته مع رجل السلطة الملكية الأول.. الفريق نوري سعيد الذي استمد مصادر سلطته بالاساس من :
– دعم قوى الاحتلال الاجنبي منذ العمل معهم عام 1916، ضمن الجيش العربي في سوريا؛
– تصرفه بوسائل العنف المادي باعتباره ضابطاً عسكرياً محترفاً ووزيراً مدمناً للدفاع؛
– مساندة مؤسسة العرش له؛
– مقومات شخصيته وخبرته المستمدة من خدمته العسكرية في الجيش العثماني؛
– الشللية والمصاهرة التي نسجها بالاساس مع ذوي الاصول العسكرية والطاقم الاداري؛
– العلاقات التي أقامها مع القوى الاجتماعية التقليدية التي مثلت قاعدة الحكم الملكي؛
– ممارسته الطويلة جداً للسلطة السياسية [39]؛
– مساندة قيادة المؤسسة العسكرية له.
اما بالنسبة لعبد الكريم قاسم، فقد كان التأييد الشعبي له يمثل أهم مصدر من مصادر سلطته حتى أنه لحد هذا اليوم ” يعترف غير قليل من اولئك الذين وقفوا ضده في تلك الساعة بأن عامة الشعب كانت تكن له حباً مخلصاً يفوق حبها لأي حاكم آخر في تاريخ العراق الحديث [40] “، لأن ” عبد الكريم قاسم، على الأقل أنقذ العراق من أن يكون أداة سالبة في أيدي القوى الخارجية. وأنه وبطريق قويم جداً، وسع في بعض الأحيان، وإن يكون لحد محدود، في حرية التعبير أكثر مما فعله أسلافه. ومع الأخذ بالاعتبار كل ما يتردد من المآخذ على عهد قاسم، فالثابت أننا سنسمع العراقيين وإلى سنين عديدة مقبلة كثيرة، يقارنون عهد قاسم بما جاء بعده من عهود مقارنة تنتهي لمصلحته هو لا مصلحتها [41] “.
هذا المصدر الأرأس لسلطة عبد الكريم قاسم مشتق من:
– دوره في تأسيس اللحظة التاريخية الخاصة بتطور العراق والانتقال به على طريق الحداثة؛
– مما فرضته عملية الصراع الاجتماعي ليلعب الدور الحيوي النشيط بين الطبقات؛
– من المنجز المتحقق لصيرورات التقدم الاجتماعي بكل ابعاده ومضامينه؛
– طبيعة وشكل الحكم وقاعدته الاجتماعية؛
– المضامين الاجتماعية- الاقتصادية لسلطة الجمهورية الأولى؛
– أسس إدارة الدولة وآلياتها وتوازناتها السياسية الدقيقة؛
– توسيع القاعدة الاجتماعية المشاركة في القرارات المركزية للدولة؛
– تبني مطالب الاغلبية الشعبية من الفقراء والمعدمين ومن ذوي الدخول المنخفضة؛
– الربط الجدلي بين النزعتين الوطنية – العراقية والقومية – العربية….الخ [42]
في حين لم تمثل مصادر السلطة الآخرى.. سوى عوامل ثانوية ساعدت بدورها على تقوية مركز سلطته السياسية مثل :
– كفاءته وقدراته المهنية والسياسية؛
– الجماهير الشعبية؛
– ديناميكة السلطة السياسية.
لقد تخلفت مصادر السلطة الاخرى لدى قاسم والمتمحورة حول الثروة والملكية أو الاعتماد على الروابط الشللية أو رابطة الدم وعلاقاتها المتشعبة أو من التنظيمات الحزبية الضيقة في اعتماده على قوى العنف المنظم أو القوى الخارجية.. والتي برزت بقوة في كل القيادات السياسية التي جاءت من بعده، والتي اعتمد أغلبها على هذه العناصر التي لم تستطع بجزئيتها ان تستوعب واقع العراق بشموليته، ولذا اعتمدت على العنف المنظم – المادي والمعنوي- وبكل تجلياته.
وهكذا وبالمقارنة، يتجلى دور الزعيم قاسم كقيادة بارزة، لعبت دورا في مسارات المجتمع العراقي الارتقائية. وعليه سيصعب تحديد شخصية الزعيم قاسم .. لكونها لا تعرف إلا بآثارها. كما أنه من الصعب تحديدها إلى عناصرها الأولية خوفاً من فقدانها لارتباطاتها العضوية وقيمتها الكلية. فهي كالمركب الكيميائي يحتوي على صفات خاصة به تختلف عن صفات العناصر المكونة لها كل الاختلاف، ما بالك عن صفات العناصر الآخرى .
لقد تجلت هذه الصفات في واقعية مضامين برنامجية قاسم والتي انطلقت من قدرتها التطبيقية واستكملت ابعادها من غايتها العقلانية التي تعتبر المكمل الضروري لها، باعتبارها تستند في أغلب مواقفها من مختلف قضايا الوجود الاجتماعي إلى (العقل العملي) وليس (النظري المجرد)، وإلى العلاقة القائمة بينه وبين المستوى الواقعي للسيكولوجية الاجتماعية والطبيعة الاجتماعية السائدة وتعدديتها المتناقضة المتوحدة.
وطالما ان إمكانية ممارسة الفرد- كما قلنا- لأي تأثير اجتماعي مناطة بالنظام الاجتماعي العام، فإن ذلك ” يفتح الباب أمام تأثير ما يسمى بالصدفة في المصائر التاريخية للأمم… ويترتب على ذلك بالتالي، إن مصائر الأمم ترتهن أحياناً بالمصادفات[43]… وهذا ينطبق على مقولة هيغل الشهيرة : ” إن في كل شيء محدود عنصراً من المصادفة [44] “.
تبرز هذه الخاصية بصورة جلية في المجتمعات غير المتبلورة طبقياً، إذ تمارس الصدفة مع العوامل الشخصية، دوراً أكبر في تحقيق فعل التغيير، لدرجة أن كثيرا مما له علاقة بالوضع العراقي على سبيل المثال، كان يعتمد ولا يزال على العامل الشخصي[45].
عملت هذه الصدفة دورها في تغيير مسار تاريخ العراق مراراً. فمثلا كانت ثورة 14 تموز حصيلة الشروط الاجتماعية والسياسية لعراق العهد الملكي، وقد ارتهن تحققها بعامل الصدفة أيضاً، إذ أن الهيئة العليا للضباط الأحرار، وإدراكا ًمنهم لما حدث أثناء حركة مايس 1941، قد اتفقوا على أن لا يقوموا بفعل التغيير والتحرك العملي، إلا بتواجد رؤوس النظام الثلاثة: الملك وولي العهد ونوري السعيد، في داخل العراق. ولم يقرر الزعيم قاسم ومجموعة المنصورية تحديداً, تنفيذ حركتهم التغييرية إلا بعد يوم 10 تموز 1958 وذلك لعودة كل من الوصي عبد الإله من تركيا في 9 تموز ونوري السعيد في 8 منه.[46] إذ إن وجود واحد من ثلاثي الحكم، خارج العراق، كما حدث في محاولات سابقة للثورة، سيؤجل بالضرورة عملية التنفيذ خوفاً من طلب أحدهم التدخل الخارجي من دول حلف بغداد والأردن. لو تحققت هذه الحالة لاختلفت مسارات الأمور السياسية والتاريخية في العراق والمنطقة، لكن شاءت الصدفة أن يعود الوصي والسعيد ويكون ثلاثي الحكم في العراق يوم 14 تموز 1958.
وتأسيساً على ما ذكر يمارس القادة العظام في التاريخ، تأثيراً كبيراً في مصير المجتمع رغم بقائه مرهونا ًبالبنية الاجتماعية وبعلاقاتها الداخلية والخارجية. إن البنية الاجتماعية، أياً كانت، هي بالضرورة كيان غير متجانس.. ففيه بعض من بقايا العلاقات الاجتماعية القديمة وشيءُ من أجنة العلاقات المستقبلية المرتقبة، بالإضافة إلى العلاقات السائدة التي تلعب دوراً مهماً في تكوين السمات الاجتماعية والحضارية العامة والتي ستؤثر كلها في تحديد دور ومكانة الفرد كذات انسانية وتأثيراته الاجتماعية.
صحيح جداً أن الجماهير الشعبية هي صانعة التاريخ.. لكن هذا لا ينفي من مكانة الفرد في عملية الصنع هذه والذي هو نتاج للبيئة الاجتماعية المحددة لسماته العامة. إذ إن ” فكرة الضرورة التاريخية لا تقلل البتة من دور الفرد في التاريخ، فالتاريخ كله يتكون من أفعال الأفراد الذين هم بلا جدل شخصيات فعالة[47] “.
وطالما ” أن التاريخ كما يقول ماركس، لا يفعل شيئا، أنه لا يملك الثورة الهائلة ولا يخوض المعارك أنه الإنسان. الإنسان الحي الذي يفعل كل شيء، هو الذي يملك الثورة وهو الذي يقاتل “. كما أن المجتمع هو مجموع الشخصيات المنفردة التي تكون الجماهير الشعبية.
يصنع الافراد تاريخهم من خلال عملهم ونشاطهم السياسي الغائي وإدراكهم الواعي لمهمات واقعهم. كما أن تأثيرهم كافراد، على المجتمع يزداد بقدر ازدياد التقدم الاجتماعي (بالمفهوم الواسع). إذ مع تطور العملية التاريخية وتعمق مهماتها، ومع تقدم التطور التقني وآثاره، ومع توسع دمقرطة الثقافة ونتاجها المعرفي، يتسع حجم المساهمين في العملية التاريخية وبالتالي ترتفع نسبة مساهمة الفرد/ الجماعة فيها، وتشتد في الوقت ذاته ضرورة بروز قادة يوجهون هذه العملية.
بمعنى أخر أن المجتمع في سياق تطوره سيجابه بصورة دورية ضرورة تعديل مؤسساته الاجتماعية وتكثيفها وتكيفها مع واقع تطور القوى المنتجة. هذا التعديل لا يحدث أبداً (من ذاته)، بل من خلال ضرورة التدخل المستمر للبشر. بكلمة آخر ” وحسب أرسطو (384-322 ق.م) تحتم طبيعة التطور البشري نوعاً من المجتمع المنظم في ظل نظام حكومي. وأن غياب الحكومة يعني الفوضىanarchy وتسيّد قانون الغاب law of jungle . وبنفس المعنى قال الزعيم الصيني ماوتسي تونغ: إن الواقع يفرض دائما وجود رؤساء [48]”.
وفي هذا السياق تدلل التجارب التاريخية على أنه ” ما من طبقة واحدة في التاريخ استطاعت الوصول إلى السلطة بدون تقديمها لقادتها السياسيين وممثليها البارزين القادرين على تنظيم حركتها وقيادتها [49] ” طالما أن التاريخ في إحدى ماهياته ( تحركه قوى واعية) .
إن القادة العظام في التاريخ لا يظهرون عفوياً، بل طبقا للضرورة التاريخية ذاتها وعندما تنضج الظروف الموضوعية والذاتية الملائمة، أي في مراحل الانعطاف الجذري، وضمن كون موهبتهم وسمات سجاياهم الشخصية، هي ضرورة للتاريخ.
وكلما كانت سجاياهم الشخصية تستجيب للضرورة، كلما كان دورهم في التاريخ أكبر شأناً وبروزاً خاصةً إذا كانوا، بل بالضرورة أن يكونوا، مدركين للمجرى الموضوعي للتاريخ. وتستنبط قوة شخصية القائد من قوة الحركة الاجتماعية التي يعبر عنها ويتولى تحقيقها عملياً. لذا نرى أن سجاياهم الذاتية والفكرية ليست قليلة الأهمية بالنسبة لمضمون التغيير ذاته. وقد لوحظ بوضوح ,على مدى التاريخ, ظاهرة التباين في القدرة السياسية للأفراد والطبقات الاجتماعية. وقد سبق وأن درسها الكثير من المختصين منذ المحاولات الأولى لارسطو,, مرورا بروسو التي عزاها إلى سوء توزيع الثروة والدخل.. وهذا ما اشار إليه وأكده بصورة علمية ماركس ومدرسته الفلسفية الجدلية.
فالرجل المتسم بالذكاء وقوة المبادرة والطاقة الكبيرة والحزم وسعة فهم الأبعاد الاجتماعية والتاريخية لبلده، يستطيع أن يفي أكثر فأكثر بالمهام التي يلقيها عليه التاريخ. وكلما كانت سجاياه تتواءم وتتزامن مع متطلبات واقع التغيير المنشود، كلما كان دوره مهماً وضرورياً. ” فليس القائد، كما تقول السير الشخصية، نتاج نفسه، وليس نتاجا عرضياً لمرحلته، أنه نتاج تفاعل حيوي بين النشأة الشخصية والنشأة الاجتماعية، وتتداخل السيرتان معاً[50] “.
وتأسيساً على ما ذكر نخلص للقول بضرورة إلغاء تناقض ثنائية البديل المفترض: الفرد القائد أم الجماهير. نظراً لوجود علاقة جدلية بين الاثنين التي تربط بينهما. فالقائد بدون جماهير لا يمثل شيئا البتة.. والجماهير بدون قائد حكيم لا تستطيع ان تحقق ذاتها الجمعية. علماً بأن الدور الأهم والحاسم للجماهير بدون شك، لكن يجب أن لا ينكر دور الفرد، إذ كل ما يصنعه يعود للتاريخ.. وهو لا يظهر بحكم المصادفة بل بحكم الضرورة، أينما وحيثما تظهر إليه حاجة المجتمع والتاريخ. أي أنه يعكس بأقصى درجة حاجات المجتمع وهو يعيش ويمارس نشاطه في خضم مصالح زمانها ومكانها.
من الملاحظ أن هؤلاء القادة مولعون في التاريخ بصورة كبيرة وينطوون في أعماقهم على إحساس مفرط بالتاريخ، سواء أكانوا واعين لهذه الحقيقة أم لا. وقد يصل هذا الإحساس ما تبلغه الغريزة من تأصل وتجذر. وغالباً ما كان يمثل دوافع لأفعالهم وبواعث مادية لإرادتهم، رغم اختلاف شكل هذا الإحساس من قائد إلى أخر ومن زمن لثان ومن مجتمع لأخر وبحسب المكونات النفسية والثقافية والاجتماعية والفكرية وتبعاً لظروف المكان ومتغيرات الزمان كأسس ذات دلالة. وكل هذه تتوقف على درجة تطور الانتاج المادي التي تحدد التركيبة الطبقية للمجتمع, طريقة تفكير الناس, إدراكهم , ايديولوجيتهم ونشاطهم الذهني …الخ والصراع الطبقي الذي تعتمد حدته على درجة التناقض بين قوى الانتاج, والذي يعتبر المحرك الرئيسي للتقدم الاجتماعي.
” إن العظيم من الرجال يبحث دائماً عن الحياة المحفوفة بالمخاطر التي تتفق مع طبيعته ورسالته نفسها تتطلب أن يظهر في النار ليبدو في أسمى من قوته. أما الرجل متوسط المواهب والكفاءات فهو ينشد لنفسه دائماً حياة هادئة ولا يرغب لنفسه بمأساة وليس هو بحاجة إليها. هذا الصنف من الرجال لا يرغب في تحمل تبعات تاريخية, بل يتفاداها ولا يبحث عن الآلام بل تفرض عليه فرضاً [51] ” . ليس هذا حسب، بل وفي الوقت نفسه ” يستطيع أن يعبر عن إرادة عصره في كلمات ويدل عصره على إرادته وينيرها. إن ما يفعله هو قلب وروح عصره، أنه يحقق عصره ” كما قال هيغل.
ويمكن التميز بين نوعين من القادة فهم :
– إما يمثلون القوى الموجودة فعلاً والتي تريد تغيير شكل الواقع الملموس للعالم وأفكار الناس و يعبرون عن تطلعاتها؛
– أو انهم يساعدون على خلق هذه القوى عن طريق تحدي سلطة الواقع الموجود وتغييره وتهيئة مستلزمات تطورها الذاتية والموضوعية.
بمعنى أن القائد الفذ هو من كان نتاجاً للعملية التاريخية ويساعد على بلورتها في الوقت نفسه.
ولأجل الإشارة الى عظمة إنسان ما، لا يكفي أن نتحدث عن ذلك بصيغ نظرية مجردة ومعزولة عن الزمن وطبيعته، وعن الحدث وتفاعلاته, وعن الانجاز والاخفاق في عمله. بل يجب أن نربط ذلك بمجموعة العوامل المتصلة بحلقات الزمن الثلاث في تفاعلها الجدلي وبالإمكانات الذاتية والنفسية للفرد وبالعوامل المترابطة بالظروف الحسية الملموسة وبمؤثرات القيم الاجتماعية، لكي تبرز عظمته في إطار ماهيتها الحقيقية.. هذا المنهج الرابط للحدث التاريخي بظروفه الزمانية/ المكانية، هو الأكثر علميةً في تفسير الوقائع ومعرفة صيرورات تطوره.
كما نؤكد في الوقت ذاته على ضرورة عدم الوقوع في مطب عبادة الفرد (البطل/ القائد)، أي تقديسه الأعمى ونعزو إليه قدرات خارقة، وكأنه يصنع التاريخ بأنويته وأرادويته ومقدرته الفردية. أي يجب أن لا ننسب إليه كل القوة الاجتماعية التي حملته إلى المقدمة ونبالغ في تقدير مزاياه الفعلية لأنه يدخلنا في متاهات القدسية المفرطة وعبادة الشخصية. ينطلق هذا التقديس من تفسيرات مثالية للتاريخ مما تُوقعنا في عدم فهم الظواهر على حقيقتها. كما إن لها عواقب وخيمة في كبح العملية التطورية للمجتمع وتعطيل آليات الإحساس بالمسؤولية المشتركة مثل:
توسيع المشاركة الاجتماعية في اتخاذ القرار؛ تداول الحكم سلمياً عبر الآلية البرلمانية…الخ كما يجب هنا عدم الخلط بين هذه الموضوعة وبين نفوذ القادة، لأن أية عملية تاريخية تحتاج إلى منفذين عمليين للعملية التي أناطت الضرورة الاجتماعية بهم القيام بها.
و هكذا توصلنا ” إلى قضية يكتنفها الخطر، وهي أن الإنسان نتاج حضارته التي اُستدخلت وتحولت إلى جزء من ذاته، فالإنسان هو نتاج العلاقات الاجتماعية التي تنشأ في الجماعات. والوعي هو صفة ملازمة للنضج، هو وظيفته العليا. ولذلك فالتناقض الذي يطرح في بعض الأحيان في علم النفس الاجتماعي بين الفرد والجماعة (باعتبار أن الجماعة تهدد الفردانية) هو تناقض لا وجود له في الواقع ، لأن الفرد بلا جماعة هو فرد بلا وعي، وللسبب نفسه لا نستطيع أن نتصور أن هناك مقياس ذكاء متحرر من الحضارة، لأن التحرر من الحضارة معناه التحرر من الذكاء [52] ” .
ومن المعلوم إن تطوير المجتمع يخضع لعوامل عديدة متفاعلة جدلياً، منها:
مستوى تطور القوى المنتجة؛ ومدى التوافق بينها وبين علاقات الإنتاج؛ درجة التوازن بين الجوانب








