فنون

الشعرية المقطعية المتناوبة في جنائن سعدي الحلي وموفق محمد

علوان السلمان

 

فكان لهذا التحول أثره الفاعل في انفتاح النص على المستوى الجمالي والفني والاسلوبي..وكانت قصيدة النثر المقطعية شاهدا ابداعيا منتجا لنمط تعبيري متميز بمعطياته الفنية وتقنياته الشكلية التي تستوعب التجربة والرؤيا بشكل معاصر..يساير التغيرات الحياتية ومتطلباتها..كونه منظومة شعرية متمردة على الزمن ومتجاوزة للقوالب الجاهزة مع امتلاكها القدرة للخروج على الثبات بجملها الخالقة لجماليات شكل النص المقطعي(الصورة/التخييل/الرمز/الرؤية المكثفة سياقيا وتركيبيا/توهج اللفظ ببعده عن التقعر مع وحدة موضوعية وعمق الرؤيا..)..

والنص الملحمي(سعدي الحلي..في جنائنه) الذي نسجته انامل الشاعر موفق محمد الحلي واسهم المركز الثقافي للطباعة والنشر في نشره وانتشاره/2015..كونه يربط المعاصرة بالتراث عبر علاقة استيعاب وادراك واع للمعنى الانساني والتاريخي له..فعد من النصوص المميزة في الشعرية العراقية خاصة والعربية عامة لتفرده في حمولاته الفكرية ومستوياته الدلالية ونسيجه العضوي الجامع ما بين اللغة اليومية واللهجة العامية..وهو يسير  في مستويين..اولهما اسلوبية منفعلة ومتفاعلة والحدث اليومي الذي يستدعي مفردات البنية اللسانية الشعبية بكل اشكالها..والتراث بكل موجوداته..وثانيهما استدعاء الواقع المأزوم بخرابه الممتد على مساحة الازمان والاحتلالات..

(حاير ممتحن شرتكب ياراي..

فكري كله يمك)

لم يبق شيء في الربايا..

الجنود..وهذا هو حظ اولاد الملحة

ميتون

والجنرالات الاسود على ابناء جلدتهم

اصحاب السيوف المتقاطعة

والتيجان الراجفة على الاكتاف

يلبسون الدشاديش

ويسوقون سياراتهم الرباعية الدفع

منذ الطلقة الاولى..

تاركين الجمل بما حمل   /ص5 ـ ص6

   فالنص يتأثث من تلاحق الصور القابضة على لحظة الانفعال مما يمكنها الانفتاح على تقنيات السرد الشعري البصري السيمي(المشهدي) الذي يتطلب حضور المكان الحاضن للفعل الشعري وانفعالاته..مع توظيف المجاز والاستعارة اللفظية المفضية على النص عمق فكري وبعد جمالي…فهو ينبثق من موقف انفعالي يتكئ على حقول دلالية(مكان/زمان/حدث/ثنائيات ضدية..)..مع تكثيف العبارة وعمق المعنى بجنوح الشاعر الى التركيز والايجاز في التعبير عن اللحظة الانفعالية بتوظيف الرمز وصورته..مما حدا بالنص ان يتخذ مسارين شعريين متصادين(الرؤية /الرؤيا)(الواقع /الحلم)..وهما يعبران عن الحالة النفسية المأزومة زمانيا ومكانيا باسترسال ينتهي بضربة اسلوبية مفاجئة..اضافة الى توظيف الشاعر الاغنية للتخفيف عن حدة الماساة التي تحيط الذات والذات الجمعي الاخر..

فاطحن زرنيخك ياسعدي

والهمه ممزوجا مع ما تبقى من نواح

يوقظ الموتى

في صدورهن

              وغن لي الآن:

(لطمهه..كلت بالموت هالغبره لطمهه

                بجه منها وشكه وردها عليه)

واضرب بصوتك بطن الارض

فانشقت من القتلى السماء

ومدت سلما تتسلقه الارواح المشوية

في جحيم اللحى

وجحيم الوحوش

             التي تخبط المودة صافية في رقابنا

وتصلي..

والرب يرى..

والسماء تضيء    /ص10 ـ ص11

فبنية النص تقترب من التكثيف والايحاء..مع محاولة الشاعر التكيف والانسجام مع عوالمه الداخلية بلغة شفيفة لا تخلو من الترميز مع الحفاظ على استمرارية الادهاش والاقناع في تقديم صوره التي تمازج بين القلق الفكري والانفعال الذاتي..اذ تداخل الهم الوطني والعاطفي والانساني في اطار النص الذي توجهه مهيمنات اسلوبية متمثلة باستدعاء الوجع الاجتماعي المرتسم على الذات الشاعرة والناتج من واقع منزلق في متاهات عجلة الزمن..

وارى صوتك يتقدم جنازة العراق

المحمول على اكتاف نخيله

وحيدا في الطرقات

فلا احد يعرف ما وراءك

فهم صم

بكم

عمي..

(لهاكم الفرهود والماله والي

اللي يبوك ابلاد يرد جفه خالي)

وانت تصدح..

(عفت كل الناس بس بيك التهيت

من هواك شحصلت كلي شجنيت

غير بس هم واذيه..ولوم حسادي علي

وما صفه كلبك على كلبي شهر

كلهه منك..ذاب كلبي ونفطر)    /ص52 ـ ص53

   فالشاعر يبوح بوحا ذاتيا اقرب الى حوار الذات(الشاعر كذات والمغني داخلها)..مع استنطاق المكان بصفته دالا اشاريا متشعبا باحداثه التي شكلت بؤرة مركزية تجتمع عليها خيوط النص وتمنح نسيجه تماسكا ووحدة موضوعية..اضافة الى ان النص يكشف عن قدرة الشاعر في استلهام التراث وتمثله في الصياغة والتعبير للاسهام في توسيع دائرة النص وتنوع مستويات الخطاب الشعري.. واحالته الى صورة عاكسة لتلاحم الازمنة وتعالق الافكار في بوتقة الرؤية التي تكشف عنها التجربة الشعرية.فضلا عن توظيفه تقانة التناصintersexuality التي تعد من ابرز التكنيكات الفنية والوسائل الاثرائية التعبيرية في بناء النص الشعري المعاصر..كونها تسهم في تخصيب الرؤية وتعميقها..لذا وظفها الشاعرفي نصه لخلق عالم شعري مشحون  بالدلالة الفنية وبلورة الحاضر من خلال تجربة الماضي..وهذا ما جره الى اعادة بناء النص الغائب وفق رؤية معاصرة تمهيدا للتعبير عن افكاره من جهة وتفجير طاقات النص لتوليد دلالات تسهم في نبش خزانة المتلقي الذهنية من جهة اخرى..اذ توظيفه الالفاظ القرآنية(صم/بكم/عمي…) التي اسهمت في تكوين النسيج الشعري واضاءة بعض جوانبه..مع حرصه على توسيع لغته الشعرية بتعدد مستويات النص اللغوية من اجل اغناء التجربة ومناخاتها..فضلا عن توظيفه التراث بكل مفرداته بصفته قيمة فنية من قيم النص ..الى جانب اسهامه في تجلية وكشف الهوية الثقافية والبيئة المنتجة للنص المكتظ بمقاطع الاغنية الشعبية والاهزوجة(يمه البارود من اشتمه ريحة هيل)او المثل(الجمل بما حمل)..والتي هي   جزء من الفلكلور بوصفه فنا قوليا معبرا عن تراث مجتمعي متميز بكثافته الشعورية ودلالته المعنوية المركزة..اضافة الى كونه مادة طيعة لتجربته واسلوبا لتجديد المنتج الابداعي باعتباره رافدا تراثيا مرتبطا بالوجدان الانساني..

سعدي..

ايها الحلي المخبوز في تنانير  سومرواكد

ومازال جمرها يتقد في جبينك

ايها الطائر الصادق الامين

المحلق فينا..

فديتك نفسي..جناحاك خمر وماء

وصوتك يحتد في المقصلة

فطربي الى حيث تشتبك الاسئلة

ويبتسم الطفل في السنبلة

(اشوفك وين يالغالي ولاكيك

يالسباح كلبي متصل بيك

حاير وين اشوفك

دايخ وين اللاكيك)   /ص32 ـ ص33

   فالشاعر يسعى الى خلخلة الذائقة الشعرية المهيمنة وانزال النص من قمة برجه العاجي الى قاعدته الشعبية المتداولة..وهذا يذكرنا بقول محمود درويش..

قصائدنا بلا لون..بلا طعم..بلا صوت

اذا لم تحمل المصباح من بيت الى بيت

وان لم يفهم البسطا معانيها

فاولى ان نذريها

ونخلد نحن للصمت

   فضلا عن انه يستثمر الموروث الشعبي الراسخ في الذاكرة ليفجر طاقات تعبيرية بمشهدية متآلفة بوحدتها العضوية المؤطرة بمكانية مكتظة بالموجودات المدركة بالحواس والمكتنزة بطاقتها التحفيزية والتأثيرية (الربايا/الاكتاف/العتبات/الحدايق/ حمام النسوان/كبور النجف/عكد المغني/عكد البوس/عكد اليهود/عكد العجم/عكد الكرد/ نافورة نور…)..مع استثمار كل طاقتها الاسمية المنسوجة في عالم النص للارتقاء به والسمو بعوالمه تعبيرا وايحاء..

وتعوي الذئاب

وتدلهم الوحشة حولك

وانت تراهم من خلف شاهدة قبرك

وتضحك من غيابة جبهم

ففي صوتك الآف السيارة

فانت الوارد والبشرى هذا غلام..

وباعوك بثمن بخس

وابيضت عيناك..

(جا وين ذاك الكال الخوة للضيج

مرت علي ايام اتنــــشف الريج)

وتعفو..

ويرفرف قميصك ابيض

كالنور في اجنحة الحمام

يااااااسلام..    /ص65

   فالنص تهيمن عليه مؤثرات معرفية وروحية اسهمت في تجاوزه والخروج ببنائه المشهدي من السياق المألوف الى سياق لغوي مكتظ بالايحاءات عبر مفردات لها القدرة التوكيدية الخالقة لصورها التي هي انعكاس للحالة الكامنة داخل الذات  بلغة تعتمد على السياق والتركيب الخالق للصور المتفاعلة والنص القرآني بمفرداته التي حفل بها النص واسهمت في توسيع فضاءات المعنى وجعلته مفتوحا على التأويل..

  وبذلك قدم الشاعر نصا متمردا..رافضا..مستمدا نبرته من المقاطع الاستهلالية للمغني (سعدي الحلي) بوحدة موضوعية تعتمد اسلوب الادهاش والمفارقة بلغة متوهجة..صادمة..متجاوزة لكل المهيمنات البلاغية ومستعيدة للموروث الشعبي والحكائي مع توظيف حاضر الازمة التي تحاصر الوجود الانساني(سياسيا واقتصاديا واجتماعيا..) فكان نصا متميزا بوحداته السردية المكتظة بالمواقف والاحداث التي اقترنت بحضور وحركة كينونة المطرب الحلي وهو يتناوب ذاتيا والشاعر في بناء نصه الذي تنفس ايقاعين خارجين عن الذات(ايقاع غنائي شعبي بكل تنويعاته) شكله الشاعر..وايقاع تناصي استند الى الحكائية والمفردة القرآنية ..اضافة الى تضمين نصه الفنون الشعبية(الاهزوجة والمثل والاغنية..) كونها تمثل تجربة انسانية محققة لظاهرة التواصل الفكري لمضمون النص بكل مكوناته وتشكيلاته الجمالية والفنية بوصفها عنصر يختصر المسافات ويغني عن الاستطراد الوصفي للمشهد..فضلا عن تسجيل التجربة ذوبان اللغة المحكية التي يعد توظيفها ملمحا اسلوبيا يلجأ اليه الشاعر لاضفاء طابع التزاوج والتداخل اللفظي بين مفردات النص الذي هو معطى ثقافي يستمد جوهره من سمات فنية وخيالية بدلالاتها المختلفة..لان التراث(جزء من التكوين الذاتي والنفسي للشاعر كما هو جزء من التكوين الثقافي والفكري عنده..)..

     ومن كل هذا نستطيع القول..ان نص الشاعر الذي تنفس البناء الملحمي قد تميز بعلامتين مضيئتين: اولهما البنية الدرامية..وثانيهما اللغة المنطلقة من ضمير المتكلم(الانا) مع اعتماد مستويين فنيين متداخلين:احدهما صوتي والآخر جمالي بوحدة بنائية احتضنت الفعل الشعري والانفعال الشعوري..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان