كانت ملامح سائق التاكسي الذي أوقفته، تشي بالإرتياح وبعضاً من شيب جميل على جانبي الرأس . خمنته في منتصف الأربعينيات من العمر، لكني عرفت لاحقاً انه لم يكن قد تجاوز الرابعة والثلاثين. طلبت منه أن لا يسير مسرعا مع رجاء أن يتوقف حين اطلب منه ذلك . ليس اكثر من بضع مئات من الأمتارعلى شارع القناة السريع حتى وصلنا بمحاذاة بيت خير الله طلفاح و لكن على الجهة الأخرى التي توازي شارع فلسطين و خط سير باص 61، و تفصلنا ( قناة الجيش ) عن حي جميلة . طلبت من السائق ان يعبر الجسر ويعود في الإتجاه المعاكس ( رونك سايد ) ، ابتسم و لكنه لم يعارض ,وقد تفهم الطلب. اغمضت عيني و تخيلت نفسي في الطابق الثاني من باص 71 و انهالت علي الذكريات و الصور… هنا كانت ثانوية البتول للبنات، و طالباتها الجميلات، الأنيقات بالقمصان البيض و ( الصدريات النيللي ) . بضع مئات أخرى من الأمتار و انا أقف محاذياً الجامع و ملعب كرة القدم الذي تقع على جانبه متوسطة القادسية،تلك المدرسة التي تعلمت التدخين عبر أسوارها، و التي تخرجت منها في الصف الثالث متوسط مع زملائي علي ياسين ( الذي اعدمه النظام الفاشي) و كاظم موسى ابن أخت اللاعب فلاح حسن و القاص جميل الرجة و المسرحي طارق هاشم والفنان التشكيلي كريم عبد الرضا و الطبيب الجراح مؤيد جدوع و هشام الأنيق ابن المقاول، الذي كان يأتي الى المدرسة بسيارته البيجو 404، كم كنا نحسدهما هو و صديقه منتظر لما كانا يمتلكانه من جرأة ( التصجيم ) و قراءة ( الغزالة) و التحرش بالبنات . الأساتذة الذين كان لهم الفضل الكبير في تكويننا الثقافي و المعرفي ,مدرس الهندسة التطبيقية الخطاط الأستاذ محمود، مدرس اللغة الأنكليزية الذي كان يجبرنا على تعلم خمس كلمات يومياً و يجبرنا ان نؤدي تحية الصباح ( كود مورننك ) ، الأستاذ جوزيف، مدرس اللغة العربية الذي علمنا كيفية كتابة البحوث الأدبية، الأستاذ كاظم ماهود، مكتشف المواهب الرياضية، الأستاذ محمود و غيرهم الكثير . يستمر المسير و انا أحدث رفيقي سائق التاكسي. اطلب منه ان يسرع قليلاً حين حاذينا بناية الأمن و مكافحة الإجرام, و أنا أتخيل جيراني ( حسن جلاب ) وهو يرتقي (الاسكلة العالية ) ليخط على واجهتها و بحروف كبيرة .. ( أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة ) .
ها نحن نقترب من مفترق جسر النهضة بإتجاه ساحة مظفر. في الزاوية منها , بناية بيضاء انيقة، انها مدرسة الإقدام حيث أديت فيها في العام 1972 , الامتحانات الوزارية للدراسة الإبتدائية. كان من ضمن الأساتذة المراقبين شاب أشقر, يأخذ قاعة الإمتحان جيئة و ذهابا وهو يصفر الحاناً جميلة ( يا نجمة ، كون السلف ينشال ، مرن فخاتي الصبح ) كان هذا الأستاذ المطرب حسين نعمة . ينقبض القلب حين أرى البناية الحديثة المجاورة للمدرسة , انها بناية ( شعبة الثورة لحزب البعث ) . ننعطف يمينا عند ساحة مظفر، أشعر بالإسترخاء و الفرح و اللهفة و تسارع دقات القلب و نحن نقترب من الأماكن الأليفة . على اليمين، حي الأمانة ببيوتاته الكبيرة و حدائقها الجميلة، الحي الفاخر مقارنة بإحياء مدينة الثورة. اطلب من سائق التاكسي التوقف قرب مديرية الضرائب , ابحث عن مدرستي الإبتدائية ( معن بن زائدة ) في ركام الأبنية المتجاوزة و بين المكائن و قطع الغيار و الجوامع و مقار الأحزاب الدينية و لافتات الأئمة و مواكب العزاء. يتوارى الفرح و تتوارى اللهفة و أشعر بالحزن يلفني , لكني أستفز الذاكرة ، اغمض العين لأرى تلك البناية الجميلة، ذات الجدران المغلفة بالإسمنت المنثور و قد غطتها الرسوم و الخطوط الجميلة لمدرس اللغة الإنكليزية ، الأستاذ عبد الأمير، الذي علمنا أبجدية ( الأي بي سي ) , و أساسيات الخط العربي و الرسم . باحتها الكبيرة حيث كان الإصطفاف الصباحي، أيادينا التي كنا ( نلحسها ) لنوهم معلمينا أننا قد استحممنا صباحاً، الأظافر المقلمة و المناديل التي كنا نستعيض ببطانات جيوب السراويل بدلاً عنها، ( رفعة ) العلم يوم الخميس، وكان هذا امتياز للتلاميذ المجتهدين وقد توشحوا بالمناديل الحمر، خشبة المسرح و كوفية حميد الحاج سكر( مدير بلدية الكاظمية حالياً ) و هو يصفع الجندي الإسرائيلي محيي الدين …. الذي كان رئيس الإتحاد الوطني لطلبة العراق . على اليسار يمتد قطاع 7، هذا القطاع الذي اعتبره( و هو رأي شخصي على أية حال ) من أجمل قطاعات مدينة الثورة ، إناقة ونظافة و وعياً و تحرراً, ربما يعود هذا الى موقعه الجغرافي المتميز. حيث انه يجاور حي جميلة من جهة اليمين , و دور الموظفين من جهة اليسار و يقابل حي الأمانة , و بهذا فإنه اقرب القطاعات الى شارع فلسطين و ساحة بيروت و الجامعة المستنصرية و الوزيرية و أكاديمية الفنون الجميلة، و كذلك كونه ملتقى باصات المدينة من جهة الداخل او الجوادر. يتبع..








