فنون

بيتنا الثقافي يحتفي بالشاعر الكبير مظفر النوّاب ( فتى الأهوار الثائر ) بشارة الماء وإنشاد الثورة

كتب : علاء الماجد

 

اقام منتدى “بيتنا الثقافي” في بغداد، الأسبوع الماضي جلسة احتفاء بمنجز الشاعر والمناضل مظفر النواب، تحت شعار “مظفر النواب فتى الأهوار الثائر”، بمناسبة إدراج الأهوار العراقية على لائحة التراث العالمي لليونسكو، تحدث فيها عدد من الشعراء والصحفيين. وحضرها عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي الأستاذ بسام محيي، وعضو اللجنة المركزية للحزب الدكتور أيوب عبد الوهاب، وعائلة الشاعر النواب متمثلة باخيه الأستاذ حسام النواب وولديه، وجمع من المثقفين والأدباء والإعلاميين. وبدعوة من مدير الجلسة الباحث الموسيقي ستار الناصر نهض الحاضرون وقوفاً في ذكرى شهداء العراق والحركة الوطنية، الجلسة التي أدارها الناصر تحدث فيها عن تاريخ الشاعر الكبير مظفر النواب على الصعيدين الشعري والإنساني: مظفر عبد المجيد النواب شاعر عراقي معاصر ومعارض سياسي بارز وناقد، تعرّض للملاحقة وسجن في العراق، عاش بعدها في عدة عواصم منها بيروت ودمشق ومدن أوربية اخرى. ينتمي إلى أسرة ثرية مهتمة بالفن والأدب ، وفي بغداد ولد عام 1934، اكمل دراسته الجامعية في كلية الآداب ببغداد. وبعد انهيار النظام الملكي في العراق عام 1958 تم تعيينه مفتشاً فنياً بوزارة التربية . في عام 1963 اضطر لمغادرة العراق، بعد ان تعرض إلى الملاحقة والمراقبة الشديدة من قبل النظام الحاكم، فكان هروبه إلى الأهواز عن طريق البصرة، إلا ان المخابرات الإيرانية في تلك الأيام (السافاك) ألقت القبض عليه وهو في طريقه إلى روسيا وسلمته إلى الأمن السياسي العراقي، فحكمت عليه المحكمة العسكرية هناك بالإعدام، إلا ان المساعي الحميدة التي بذلها أهله وأقاربه أدت إلى تخفيف الحكم القضائي إلى السجن المؤبد. وفي سجنه الصحراوي (نقرة السلمان) القريب من الحدود السعودية-العراقية، أمضى وراء القضبان مدة من الزمن ثم نقل إلى سجن (الحلة) الواقع جنوب بغداد. في هذا السجن قام مظفر النواب ومجموعة من السجناء بحفر نفق من الزنزانة يؤدي إلى خارج أسوار السجن، وبعد هروبه المثير من السجن توارى عن الأنظار في بغداد، وظل مختفياً فيها ثم توجه إلى الجنوب (الأهوار)، وعاش مع الفلاحين والبسطاء حوالي سنة. وفي عام 1969 صدر عفو عن المعارضين فرجع إلى سلك التعليم مرة ثانية. غادر بغداد إلى بيروت في البداية، ومن ثم إلى دمشق، وراح ينتقل بين العواصم العربية والأوروبية، واستقر به المقام أخيراً في دمشق.  وقد عاد النواب إلى العراق عام 2011م. وأضاف الناصر “أن سيرة النواب كبيرة لاتقف عند مدى معين أو حدّ فيكفي أنه الشاعر الانسان، الشاعر الثائر، صاحب القلب الصافي والصادق الذي وصل إلى العالمية لما يمكلة من قدرات وقوة أثبتها من خلال القصيدة.”

الشاعر الفريد سمعان

ثم اعتلى المنصة الشاعر الفريد سمعان للحديث عن مظفر النواب مشيرا إلى انه التقاه أول مرة عام 1959 في الاتحاد العام للأدباء والكتاب، ثم بقي متواصلا معه، حتى انه كان دائما ما يقله بسيارته من مقر الاتحاد إلى محل سكناه في الكاظمية لكي يحميه من أزلام النظام البعثي الدكتاتوري. وبيّن سمعان “ان النواب كان حريصا على أن يكون مبدعا، وانه رفض كل الإغراءات ولم يتنازل عن مبادئه، وعمل بجدية في سبيل شعبه ووطنه، وعانى الكثير من الاضطهاد، ولم يتراجع عن رسالته الوطنية”. ولفت إلى “ان النواب الذي ضحى في سبيل وطنه، لم تنصفه حكومات ما بعد التغيير 2003، فهي لم تستجب لطلبه في استلام راتبه التقاعدي، ما لم يأتِ شخص يشهد على اعتقاله، ولا أدري هل يحتاج النواب إلى شاهد!؟”. وعن ما اضافه للشعر قال سمعان: قدم النواب للقصيدة الشعبية والفصحى خلاصة مخيلته، مرافقا الحركة السياسية بإخلاص؛ إذ خيره الدكتاتور صدام عما يريد، فلم يطلب شيئا.

الشاعرعريان السيد خلف

بعد ذلك تحدث الشاعر عريان السيد خلف عن لقائه النواب في السجن، وكيف توطدت علاقته معه. ثم قرأ مقدمة أحد دواوينه الصادر عام 1996، التي كان قد كتبها الشاعر النواب، وعنوانها “ولأنه الليل”. وجاء فيها: انهم يعبرون .. حوط قميصه عليهم … يدفنهم بنبض قلبه الشهم، الشجاع… الطمأنينة على حافة الخطر… وشيء ما لا يضيء ليل العبور… الليل منحة… (( وكم لظلام الليل عندك من يد )). وفي هذه الليل الخارج عن الزمن لا يرى الطريق الا على وهج الروح… وتشعر أنك معهم … الشاعر من يدمجنا بعالمه … من يجعلنا نعبر معهم … وهو يتكتم على الموضوع … موضوع العبور، كأن البوح به في القصيدة كشف … وشاية … أو يسيء الى الجو المظلم الذي يرسمه الشاعر لبداية القصيدة. هل هم يعبرون نهرا؟ … مفازة، حقولا من القمح والروح، أو انهم يعبرون كل ذلك في ان، التكشيف الذي يقدر عليه الشعر فقط. و ” عبد ” يحتضنهم. يسير بهم في هذا الخفاء بجانب قلبه، ولكنك تلمحه فجأة الى الامام يمهد الطريق. يفرش جفنيه وقبل أن تطرف عينه تجده يخب وراءهم، يحرسهم والارض، فهواكثر من ” مكر، مفر، مقبل، مدبر معا ” تلك الحالة التي يتزامن فيها الزمن مع نفسه، وهكذا من بداية الاغنية المقدامة تأخذك أصداء المتنبي وامرؤ القيس في عامية تستاف الاصداء العميقة لتلك اللغة الام. ولان الليل، وتكثر العشرات، وأه ممن لايعرفون الا أن يعثروا ولان الشاعر عاش التجربة المرة ورأى كيف تعشر الافكار، والارجل والممارسات حتى في وضح النهار، فرش جفنيه امام قويفلته الصغيرة ولا يلبث ان يسبق حركته نفسها… يسبق جسده طافحا على الريح، مستعيدا زمن الفروسية ، رغم احتضانها في واقعنا العربي. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصحفي يوسف المحمداوي

أعقبه الصحفي يوسف المحمداوي بقراءة شهادة عنوانها “كريري وجويسم وفالح انموذجا.. غناء الأهوار وأثره في شعر النواب”، افتتحها بواحدة من أشهر قصائد النواب “إشكد نده نكط ع الضلع.. وإنسيت أكلك يمته”، متابعا قوله: من يسمع تلك الكلمات دون معرفتها مسبقا، سيحيل مرجعيتها بالتأكيد الى جنوب العراق، ويجزم وبما لايقبل الشك بأن كاتبها هو شاعر مولود من رحم تلك الارض وعاش طفولته فيها، وأتقن لهجتها. ولا يجيد تلك الحبكة الشعرية، الا شاعر من ابناء الهور، لكنها وكما يعلم جميع من عشق قصائد مظفر النواب، بأنها مقاطع من قصيدته «ياريحان». والنواب كما هو معروف ابن الكاظمية، ولد ودرس وشبّ فيها، يرتدي زي ولهجة وطقوس العاصمة، بحذافيرها، بل تعد لهجتها متميزة بنطقها بين مناطق بغداد. هنا تقف علامات استفهام كبيرة على طاولة الاستفسار مفادها، كيف استطاع النواب ان يجلس على عرش مملكة الشعر الشعبي العراقي كسلطان له، من خلال عشرات القصائد الرائعة التي كتبها بتلك اللهجة الصعبة، التي يقول عنها ادونيس في حوار اجريته معه، انها من اصعب اللهجات العربية على الاطلاق. هنا يأتي الرد من السلطان في حوار أجرته مجلة “المدى” العراقية الصادرة في دمشق معه مطلع تموز 1995، قائلا: «في فترة 1956 كنا ضمن دورة ضباط احتياط، إذ ساقونا إلى السعدية في ديالى٬ ضمت شخصيات لها دور في الحركة الأدبية والفنية في العراق، مثل صلاح خالص ويوسف العاني وقادة حزب البعث من أمثال علي صالح السعدي والخشالي. دعينا من قبل أحد طلاب الدورة وهو طبيب بمناسبة العيد إلى محافظة العمارة، وكان معي صلاح الذي أعدم ويوسف العاني وإبراهيم كبة٬ وأقام لنا والد الطالب سهرة على نهر الكحلاء حضرها أشهر مغنيي الهور .. كريري وجويسم وسيد فالح. يؤكد النواب: «لأول مرة أسمع هذا الغناء، وهو غير الذي يبث من الإذاعة». كل شيء ساحر وآسر أدى إلى التصاقي بعامية العمارة٬ كل شيء منتش بطبيعة الغناء.. «المحمداوي» من جويسم، و«كرير» شخصية آسرة٬ له مجموعة من الدفوف٬ يبدأ يغني «وينحط» حتى يصل صوته عمق الهور. ينقل لك الهور وأنت هنا. صوته أشبه بصوت (بول روبسن) عميق جدا.. «جويسم» صوته رقيق جدا ناعم يطوح بالمحمداوي هو وسيد فالح. ومن أصواتهم وغنائهم أحسست بالغنى الموجود في عالم الهور وأبعاده والحزن الذي فيه والشجن والمعاناة والفرح، وتولدت عندي رغبة شديدة أن أشاهد هذا العالم. بدأ عندي نوع من النفرة من شعر عامية المدن٬ لانه ساخر.. ناقد ليس فيه صور. صادف في تلك الفترة تعرفي على عبد الرحمن شمسي، من تلك المنطقة، وكان يلقب بلبل الجامعة. وهو من قبيلة الشموس التي تقطن أهوار العمارة٬ يملك صوتا جميلا هائلا٬ يغني في حفلات الجامعة. طلبت منه أن نذهب إلى هناك سوية حيث أهله، فسحرني القصب والطيور واللهجة الجنوبية بتنوعها”. إكتشفت مفتاح السر والسحر الذي ألهم النواب.. الشاعر البغدادي، أن يطلّق لهجة قومه وبيئته ويتكلم بلهجة أهل الهور شعرا، لتصبح قصائده أغاني خالدة في أرشيف الفن العراقي والعربي. 

الشاعر والإعلامي كاظم غيلان

وألقى الشاعر والإعلامي كاظم غيلان كلمة عنوانها “مظفر النواب.. بشارة الماء وانشاد الثورة”، قال فيها: 

“رد الماي للهوره

ورجع حمريهه يتلاعب لعب

والتفگ خزامة ذهب بخشومهه

وگمره وصهلة خيل”

كأن مظفر النواب وبحدسه الدقيق ايقن من عودة الحياة الى الاهوار قبل التفاتة اليونسكو الخجولة المتأخرة.  من أين اتى بهذا الحدس.. لربما ثمة من يسأل؟ خرج النواب من رحم تاريخ لاهب بالنضال، محاط بمياه وفلاحين وبنادق، ادار ظهره للبيوت الفارهة الشاهقة بطوابقها، ايمانا منه بحتمية انسلاخه الطبقي ليقتحم عالم الماء واسراره. وقدسيته.. الماء الذي لا تجده على سطح النهر ولا حتى في قعره لانه خلاصة الصفاء.

يا ماي العروس

اتوكح اسواليف

والگمره خذوهه ابعيد الغراريف

غرابة ومغايرة تجربة النواب في شعر العامية حملت خصائصها منذ خطاها الاولى لريادته حركة التجديد الشعري، حتى يحس متتبعها بانها لا تشبه الا الربيع بمجمل دلالاته. فقد ازاح ربيع النواب كل ما علق من أتربة وغبار طارئ ليكشف لنا السماء الاولى المشتعلة بنجوم الابدية، اذ اختلطت النقائض التوحدات وراح يبهر انسان الهور بمفاتيح لهجته الساحرة غير المستساغة من قبل:

أجزي امضايف الطيبين شيمة وهيل وافناجين

كل دله ابسماهه اهلال

تشرگ بالمضيف اسنين

ونته هناك بالدخان

تعلگ لهبة ارياحين

گمرية وزبونك طيف

طرز نومة الغافين

سيلن يا غتر واسگن فججنه اطيور وابساتين

وراح يعانق (غيلان ازيرج) في انتفاضة الميمونة بذات اللحظة التي يهم فيها بدخول (مضايف هيل) صاحب الملا خصاف:

اصويحب عالعگل صندوك عرس اجبير

حزمة من الحصاد يلفهه طيب اجثير

وين اللي يكلي افلان وين ايصير

لوصله وادگ اشراعه بشراعي

لم ترتد (عشاير سعود) ولم يغمض جفن لكهاوي العبرة حين يطل عليها النواب صائحا ومحرضا:

لو ننسه عرج ثوار

گوموا انگوم نفنيها

نشاگيهه ابخناجرنه

انتلاعبلك لعب بيهه

انها (عشاير سعود) التي تصطف لجانب الكثيرات (ما مش مايل، ايام المزبن، حرز، ابن ديرتنه حمد، حجام البريس..الخ) من كنوز خارج المعاجم والقواميس فليس ثمة ما هو صارم ومشروط في اللهجات العامية، لكن خصائص العامية العراقية شعرا لم تتهذب وتأخذ شكلها الجمالي ومضمونها المشبع بالوعي الذي اجتاز حواجز التقليد والراكد، الا على يد مظفر النواب. وهذه علامته الفارقة دون شك كابن مدينة امسك بمفردات العامية قبل ان يمسك بجمالياتها ابن الاهوار نفسها ليجيد توظيفها.. لا حشرها:

لا تتجفل – فاله ومنجل

والماي ازرگ

او:

إمروز الريحان اتهلهل

لذيالك حتى الذبلانة

حته المكسور بخاطرهه

وعطشانة اتگلك عطشانة

ولربما يصل الى ما يوحي بالموروث الكربلائي:

خنجر

وجفية غوه

وكل گذله ريحانة طف

چني مشيت لدخلتي

ويدفعني رمشك لو رف

لم تتعرض الاهوار الى سياسة القمع الفاشي بوصفها مسطحات مائية ومستنقعات قصبية، انما تعرضت لتلك الوحشية بوصفها ثقافة وانسانا تماهى مع بيئته وتاريخها وطقوسها، واعلن انسجامه مع تمرداتها وغضبها وحزنها الثقيل:

دعن الربعات كلهن

والحمامات الحمر گالن: عبر

وحمد المغضب عبر

مغضب عبر

طفر الغراف بالمهرة الحليبيه

اللي شوفتهه سفر

بلل اجروحه ومسح بهداي

گصة الثار بمية النهر

ومظفر بطبيعة ما ارادته له عبقريته لم يكن سارداً لما يحصل على سطح الحدث، بل رائياً كاشفا ذلك الما ورائي المسيطر، بوصفه مقاتلا من هذا العراق ونتاجه الانساني. ولذا مارس الادانة المباشرة مستعينا بمجمل اسلحته، ولعل الشعر في مقدمتها، مجابهة واحتجاجاً.. نابهاً منذراً محذراً:

لا وين گصدك

شايل ابهليل ركّد روحك

خذني أذلّ الدوله

لو رادت تذل اجروحك

ولأن الهمجية مارست بكل ما لديها من طاقة البذيء في الفعل المعادي للانسان وجد المجابهة بكل ما فيها من نقاء سريرة ونبل سلاح كشف ادانة:

عمت عين الگاع ضمتهم زلم چانوا خميره

گول ادير العين عنهم

گلبي الملسوع شگله اشلون اديره

شلون والقايد صدك بينه نفس منه وبصيره

شلون هذا الشعب للعفنين يتسلم مصيره

رد على اهلك يا حمدنه

رد على اهلك وازرع الزينات واتفيّه بشجرهه

الواحد امن اهلك عدل طيبات

والثورة اظن گرّب شهرهه

كأني بمظفر النواب الآن واقفاً على ضفة الهور متأملاً شمس بلاده عند مغيبها وهو على بعد منها مناجياً احبته:

ولك ردوا

حنيني ايكعد الميت

وحشتي اتطلع ابليل الشته

شمس الربيع ايام

ما أنذل الشمس ان لم تستجب لما اردت يا مظفرنا النواب.. الشمس التي نهبت خيوطها اصابع (الحاكمين البغايا) ..

شاعر انت تشرق في اوراحنا دوماً ، اما الحكومات ففي حكم الغياب والتلاشي والسقوط دوماً.

الشاعر طارق حسين

اما الشاعر طارق حسين فقد ألقى كلمة عنوانها “مظفر النواب فتى الأهوار.. أسطورة البطل في القصيدة النوابية.. حجام البريس انموذجا

.وجاء فيها : من الصعب بمكان لقارئ مثلي الامساك بكل مفاتيح خزائن مظفر النواب مرة واحدة ، فهو شاعر استثنائي واستثنائيته تجعل من الباحث المتفحص يفكر قبل الاقدام على ادعائه بالوصول الى ذلك الفردوس . في قراءتي الاولى لقصيدة ( حجام البريس ) منتصف سبعينيات القرن الماضي لم اخرج بشيء سوى الاندهاشة ،تلك التي تشبه الى حد كبير اندهاشة طفل برؤية عصفور في الفضاء الواسع وقد غاب عن عينيه بلمحة بصر ، ومرت الايام والسنون واذا بي اعود ثانية وثالثة لاكتشف انني امام عمل شعري اسطوري .. لايمكن مقارنته بالاعمال اليومية العابرة . ولاشك بأن ( موضوع الثورة والتحريض من الموضوعات البارزة والمهمة في الحقبة العراقية الحديثة ، لان الشاعر العراقي عاش الثورات والانقلابات ، وحرض عليها ، وتمرد ونور الناس وتغنى ببطولات الابطال منهم فقد كان الجزء الاساس والمهم في تحريض الناس على الظلم والطغيان الذي سرى على الانسان والوطن على حد سواء ، ومظفر النواب شاعر ثوري مديني فهو ابن بغداد ولقد كان الهور بالنسبة له محطة جهاد مؤقتة ، ومن المفارق انه استطاع ان يستقل ويؤسس له قاموسا باللغة العامية لايجاريه قاموس.. على الرغم من مكوثه غير الطويل في الجنوب الذي شكل منه لغته تلك .. ولاشك بأن البعد الثوري رافق تجربة النواب الشعرية ، ولاشك ايضا بأن سمة ولغة التحريض على التسلط والاذلال والقمع شاخصة في قصائده، فنموذج المناضل والبطل الثوري هو المثال ومنه يؤسس  لقصيدته ،منه ،ومن المواقف التي يتعرض لها المثال ومن المواقف التي يقوم بها ، يخلق اسطورته الشعرية المستلة من واقع خبرة النواب نفسه ومن اولئك الابطال حجام البريس يقول :

( سالوفتنه عن فلاح مثل كل الفلح

اخته اسمهه ( سعيدة )

من هور الغموكه

بعد سنه تعرس

والمفارز طوكت  بالليل اخوهه

وجانو الحوشية والشرطة الف

والحرة  ماخافت

عمرهه 17 سنبلة

صاحت

ياجبير الهور.. يا ابن الشلب

ياحجام

رد الهور يسمع

يا جبير الشلب

يا حجام )

فقصيدة حجام البريس من بين قصائد النواب / الواقعة / الحدث / المشهدية / التحريضية ، فلا غرابة ان يستنفر النواب عددا من ادوات النداء مرة واحدة ( ياجبير الهور، يا ابن الشلب، يا حجام ) طرقا على فكرة التحريض والاستنهاض والثورة وشد العزم ، معتمدا الحكاية وروح القص، ومسندا فكرة التحريض والاستنهاض الى الأخت / سعيدة، ومشددا ثانية على النداء بوصفه واحدا من الأساليب التي تضمر في طياتها روح التحريض والترغيب معا . 

الختام

وقبيل الختام  ألقى كلمة عائلة النواب ابن اخيه ضرغام حسام النواب، الذي أشار فيها إلى السفر النضالي الخالد لـ “فتى الأهوار الثائر”، ثم قرأ قصيدته المعروفة “صويحب”، وتطرق إلى علاقته بالأهوار، وكيف انه استخدم مفردات أهالي الأهوار في أشعاره، بالرغم من انه ابن المدينة. وعلى هامش الجلسة أدى الفنان علي حافظة باقة من الأغنيات الأصيلة التي كتب كلماتها النواب. وفي الختام قدم الأستاذ بسام محيي شهادة تقدير باسم الحزب الشيوعي العراقي إلى عائلة النواب، ولوح إبداع إلى إدارة منتدى “بيتنا الثقافي”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان