فنون

صلاح فائق .. شاعر المناسبات الشخصية التي تشبه المعجزات

فاروق يوسف 

 

الشعر بضحكة إنسان حزين

 

من كركوك إلى واحدة من جزر الفلبين مرورا ببغداد ودمشق ولندن مسافة يمكنها أن تخلق ماركو بولو جديدا. أما صلاح فائق فإنه رحالة من نوع مختلف. خياله يخترع قارات من الكلام التي يمكنها أن تسلمنا في النهاية إلى ضحكة قنفذ، تبيضّ أسناننا بعدها.

ما فعله من أجل الشعر فعله الفرنسي رامبو من قبل. الفرق بينهما أن الأخير هرب من الشعر فيما ذهب الأول إلى الشعر بقدميه. وهو كلام مجازي، ذلك لأن صلاح فائق وصل الفلبين محلقا بجناحي شاعر.

لقد تمكّن منه الشعر. من الصعب ألاّ تراه طفلا لا تزال الزرافة تدهشه بعنقها الذاهب إلى السماء. يُقال لك إنه كان حزبيا. يُقال إنه كان يساريا. ولكن صلاح نفسه يسلم يساره إلى يمينه حين يتعلق الأمر بالشعر. ما يكتبه يؤكد أن ليس للعقائد من معنى. الإنسان وحده يلهو خارج القفص. أهناك ما لا يسر في تلك المعادلة؟

قد تخطئ الوصول إليه حين تبحث عنه على خارطة الشعر العراقي. عربيا يمكننا أن نخطئ أيضا. صلاح فائق هو نموذج للشاعر اللامنتمٍ. أسلافه موزّعون على خارطة الإدريسي، في أماكن، البعض منها خيالي ولم يكتب فيه أحد شعرا مأثورا.

إنه قديم بحداثته، كما لو أنه شارك في البحث عن الذهب أو مرّ بالباحثين عنه مثل شبح. أخذ من سركون بولص (1944 ــ 2007) حضوره ومن جان دمو (1942 ــ 2003) غيابه، وهما شقيقا روحه.

ولد صلاح فائق في كركوك، شمال العراق عام 1945. في وقت مبكر من حياته انخرط في العمل السياسي فكانت حياته التي عاشها في العراق مجموعة متلاحقة من الاختفاءات القسرية. عام 1963 بدأ بكتابة الشعر وبعدها بعام انضم إلى حلقة الأدباء المحليين التي عرفت في ما بعد بالاسم الشهير “جماعة كركوك”، بسبب ما حققه أفرادها من شهرة. في بداية سبعينيات القرن الماضي استقرت به الحال في بغداد وعمل في مصلحة السكك الحديدية وكان قد تعرض قبلها لعملية اختطاف لأسباب سياسية.

عام 1974 قرر أن يغادر العراق. غير أنه لم يكن يملك جواز سفر، فساعده الشاعر عبدالوهاب البياتي في الحصول عليه. فكانت دمشق وجهة سفره الأولى، حيث استقر هناك ونشر ديوانه الأول “رهائن” عن اتحاد الكتاب العرب.

عام 1979 غادر دمشق إلى لندن، حيث عمل مترجما ومحررا في عدد من المجلات. انخرط فائق في الحياة الثقافية البريطانية فكانت له علاقات متينة بعدد من الرسامين والشعراء الإنكليز وترجمت كتبه الشعرية إلى اللغة الإنكليزية، غير أنه ولأسباب سيشرحها في ما بعد شعرا، قرر الرحيل إلى الفلبين عام 1993. ومن يومها وهو يقيم في إحدى الجزر هناك، متلذذا بعزلته. تلك العزلة التي صارت بمثابة جنة لشعره الذي يعج بالكائنات وبالوقائع المتخيّلة. لا يُعرف عن حياته الشخصية في الفلبين الكثير. غير أنّ ما ينشره من أشعار يوحي بنوع غرائبي، فريد من نوعه من الحياة.

ليس من اليسر تصنيف شعر صلاح فائق مدرسيا. هناك مَن يعتبره سرياليا لغرابته، غير أنه غالبا ما يقع بعيدا عن شروط الكتابة السريالية، وبالأخص حين يجد في اليوميات الشخصية مادته التي يلتقطها كما لو كانت لقية. وهو يلجأ في ذلك إلى مزج الواقعة بخيالها، فيراها في مرآة ذلك الخيال واقعة أخرى، عاشها بعمق وقوة ما تنطوي عليه من مشاهد لا تظهر بشكل مباشر، غير أنه لا يعيننا على رؤيتها وحسب، بل يسعى إلى أن يشركنا في تأثير تلك المشاهد عليه.

شعر هو أشبه بالرسم التعبيري الذي لم يعط ظهره للانطباعية. وهنا بالضبط يكمن سر وضوحه المفرط في إنسانيته. هذا شاعر تتساوى أمامه الكائنات والأشياء. يرتجل أناشيده كمن يحكي لجارته وقائع ما جرى لقطّته التي هجرت المنزل. هناك ألفة، مصدرها العيش العميق والثقة بالحياة. ما من شيء غامض. الحياة كلها غامضة. وفي قلب ذلك الغموض الأزلي هناك الكثير من الوضوح. وهي واحدة من أعظم وظائف الشعر. نزعة صلاح فائق الإنسانية تقف وراء أنسنة الحيوانات والأشياء والوقائع المتخيلة التي يضمها إلى ذكرياته.

 

“حبا بشكسبير جئت إلى لندن

 

صادفت ذات ظهيرة في حديقة هاميستد

“جماعة كركوك” هي المنطلق الذي بدأ منه فائق، وبسبب ما حققه أفرادها من شهرة، استقرت به الحال في بغداد، بداية سبعينيات القرن الماضي، لكنه عمل في مصلحة السكك الحديدية بعد أن تعرض لعملية اختطاف لأسباب سياسية.

 

أليوت واقفا على مصطبة يتطلع إلى

 

مظلات تتساقط على المدينة”.

 

يمكننا أن ننسب تلك الواقعة للشاعر باعتباره رائيا، غير أنها واقعة يمكن أن يعيشها أيّ فرد آخر في لحظة إلهام. وهنا بالضبط يكمن معنى الشعر لدى صلاح فائق. وهو شعر لا يجانب الحقيقة ولا يكذب ولا يبالغ، غير أنه في الوقت نفسه يضفي على أشيائه الصغيرة هالة المعجزة. لذلك يبدو مفاجئا بما يكتنزه من مشاعر حب تفتك بالعادي والمباشر والصريح، عاصفة بالقناعات النثرية. “هناك شعر في مكان. حتى وإن كان ذلك المكان حجرا لم يشق العشب صممه” هنا بالضبط تكمن رسالة صلاح فائق الشعرية.

 

شاعر المناسبات المضادة

في حسابه على فيسبوك يضع صلاح فائق صورة تجمع بين سركون بولص وجان دمو بدلا من أن يضع صورته. لم يُعرف عن الشاعرين الراحلين أنهما عملا إلا في ما ندر من أجل أن يكسبا قوت يومهما. كانا عاطلين إلا من الشعر. وهو شعر، تظل قيمته موضع التباس بالنسبة إلى دمو الذي لم يكتب إلا القليل، غير أنه عاش حياته بعبث شاعر.

ولأن شاعرا بحجم صلاح فائق لا يفعل شيئا بطريقة مجانية فإن استذكاره الدائم لصديقيه هو بمثابة ثناء على تلك التضحية الفريدة من نوعها. أن يهب المرء حياته كلها للشعر. أهذا ما دفعه إلى الفرار من حياته الرتيبة في لندن باحثا عن المعجزات في آخر الأرض، مقتفيا أثر الرسام الفرنسي بول غوغان الذي أنهى سنواته الأخيرة في تاهيتي؟

سيكون ممتعا للقراء لو أنهم قرؤوا مذكرات الشاعر التي لا أظن أنه سيكتبها نثرا. ليس لدى صلاح فائق استعداد لاستهلاك مغامرته في الحياة من خلال تحويلها حكاية للتسلية. هناك ما يود قوله شعرا. وهو يبدو مستعدا للدفاع عن حصانة ألمه بما يملك من روح دعابة. لقد سخرت منه الحياة بما يكفي لكي يرتدّ بالسخرية على الحياة. في كل ما يقوله هناك نوع من الدعابة الجارحة التي تضع الحياة كلها على ميزان حرج.

أجمل ما في صلاح فائق أنه لا يزال يعتبر نفسه شاعر الهامش. ومن أجل أن يؤكد تلك الحقيقة فإنه يلجأ أحيانا إلى نشر كتابه من خلال دور نشر هامشية. فعل يبدو عبثيا لمَن هو بحجمه، غير أن ذلك الفعل يريحه في ظل رغبته في أن لا يتحول إلى صنم شعري كما هو حال صديقه ومعلم قصيدة النثر اللبناني أنسي الحاج. لقد نجح صلاح فائق في أن يكون أيقونة مضادة. الشعر بالنسبة إليه مائدة شخصية، الدعوة إليها عامة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان