قراءة : داود سلمان الشويلي
وترتيط الموسيقى والرسم بعلاقة وثيقة ، إذ ان الاثنين يجردان الواقع العياني من الشيئية والتشخيص ، وكذلك يدفعان بالمتلقي ان يسوح فكره في العمل الموسيقي او التشكيلي . والفنان حميد ياسين له تاريخ طويل مع الموسيقى ، الكلاسيكية خاصة ، وكذلك مع الرسم منذ ستينيات القرن الماضي .
وقد كانت تجربة الفنان حميد ياسين من ضمن المشاريع الجمالية التي ظهرت في التشكيل العراقي منذ اكثر من اربعين سنة وهي تجربة تجريدية مستقلة الى حد ما عن باقي التجارب الفنية في العراق ، وقد اكتفى الفنان بمفرداته الخطوطية والتشكيلية واللونية ، أي اكتفى بدالة الفن التشكيلي عنده وترك مدلوله حسب تصور المتلقي النفسي والروحي لذلك الدال ، ليصل بالفن الى انقى مستوى له بعيدا عن مبدأ المحاكاة التقليدية ، فن خالص محض يعتمد هارمونيك اللون وتوزيعه ضمن مساحات مدروسة حسب مخياله الابداعي.
ان الموضوعات التي يقدمها هذا الخطاب التشكيلي تنطلق من ستراتيجية فكرية / جمالية بصرية خاصة بالفنان حميد ياسين ، مما منح تجربته وهو يقدم هذا الخطاب التشكيلي هوية خاصة به تعتمد اللون والخطوط بانواعها والمربعات والاشكال الهندسية ذات البعدين المتعددة والمتنوعة في رسم اللوحة بتقنية جديدة ومطورة باطراد لم يسبق له ان غادرها منذ ستينيات القرن الماضي ، وانما ظل يطور في حيثيات خطابه التشكيلي التجريدي .
ان الفنان وهو ينتج مفردات خطابه التشكيلي يضع نصب عينيه ما للجمالية البصرية التي يمنحها هذا الخطاب ، وما فيه من سحر وادهاش على ذائقة المتلقي، وما لاغراء اللون المتفجر امام اعين المتلقين ، وخطوطه المستقيمة وغير المستقيمة والمتقاطعة وغير ذلك من انواع الخطوط وتأثرها على اعيننا ، من اثر في النفس والروح .
ان الفنان في مفردات خطابه يجري لا اراديا توازنات على المستوى الوظيفي لما ينتجه تقرب العمل هذا ، بكل صياغاته الفنية والفكرية والثقافية ، من ذائقة المتلقي الجمالية لكي تصل الى حالة المتعة المطلوبة والمرجوة .
في منجزه التشكيلي ، تكون خلفية اللوحة عنصرا فاعلا فيها من خلال عناصرها اللونية ، و دمج هذه الوحدة الشكلية والبنائية في مجمل الموضوع المقدم ، مما يعطي الشكل في اللوحة الكثير من التماسك الجمالي و البصري امام عين المتلقي .
ان المساحات الواسعة في خلفية اللوحة لا تنفصل عن المكونات الشكلية لاثاث اللوحة ، لانها تبقى في حالة ترابط لوني لا انفكاك منه ، وهذا الترابط هو الذي يخلق هارمونية موسيقية للالوان التي من خلالها ومن خلال عناصر اخرى مثل الضوء والظلمة ، تخلق داخل اللوحة ايقاعها الداخلي الذي يستغني فيه الفنان عن مكونات الواقع في اللوحة ، وهكذا يعيد الفنان في منجزه التشكيلي للاشياء جوهرها الامثل ، والتعبير عنه تجريديا ، وهذه الصيغة المستخدمة هي الصيغة المناسبة للتعبير عن الحقائق المجهولة التي تصطبغ بها الاشياء في الواقع والطبيعة .
وتأتي ايقاعات اللوحة الداخلية من خلال التماسك الهارموني الذي يخلقه تناسق وامتزاج الالوان ، والتوازن فيما بينها ، و الذي يحصل من خلال توزيع الخطوط الطولية والعرضية داخل اللوحة ، مما يمنحها بعدا ايقاعيا يؤثر في ذائقة المتلقي.
ان الايقاع الذي تتركه رؤية اللوحة في ذائقة المتلقي يحمل في طياتها خلاصة لتجربة الفنان التشكيلية في البحث عن جوهر الاشياء ، ومن ثم التعبير عنه باسلوب تجريدي بعيدا عن الواقع وقريبا منه في الان نفسه .
والمنجز التشكيلي للفنان لا يعني قطع علاقته بالواقع ، بل جاء هذا المنجز ليتخلص الفنان من كل الشوائب التي يحملها ذلك الواقع ، وقريبا منه بحيث يستجيب لرغبات ذلك الواقع وهو يطالب الفنان ان يجسده داخل اللوحة من خلال الخطوط والالوان المنتجة للايقاع الداخلي للوحة .
وتأتي استخداماته للون من خلال خبرة اكتسبها من سماعه للموسيقى ، سماعه للهرموني المنبعث من روح الموسيقى ، ومن هذا الهارموني يأتي استخدامه واستعماله لمزج الالون وتنظيمها على كنفاص اللوحة .
يشتغل الفنان على السريالية مرة ، وعلى التعبيرية اخرى ، دون ان ينسى تجريد الاشياء داخل هذه اللوحة ، انه فنان تجريدي حد النخاع منذ ان بدأ يبدع في خطابه التشكيلي في ستينيات القرن الماضي .
ان ما يطمح له خطاب الفنان حميد هو ادخال المتعة الفكرية و الجمالية في نفس المتلقي الخاص او العام ، وبهذا يكون الفنان قد وصل الى مبتغاه في الحوار مع المتلقي، ومهما كان هذا المتلقي ، اكان متلقيا مثقفا ، فان اللوحة تقيم مع ذائقته حوارا يخرج منه بمتعة بصرية /جمالية لا توصف تتحول الى قناعة فكرية ، وان كان المتلقي من العامة فمنجزه الفني التشكيلي سيدخل بلا استئذان الى ذائقة ذاك المتلقي العامي و البسيط تحت شروط جمالياته البصرية التي قدمها في اللوحة .
ان ما انجزه الفنان لا يخرج عن جماليات الفن العراقي البحت ، خاصة ما نراه في حياكة البسط والازارات ، ذلك الناتج الشعبي الذي يضعه الدارسون ضمن الموروث الشعبي العراقي ، لذا فان الفنان حميد ياسين هو امتداد للمدرسة العراقية في الموروث الشعبي التشكيلي منذ السومرين الى يومنا هذا .
ان ما يقدمه الفنان حميد ياسين ليس من حقنا ونحن نتلقى خطابه التشكيلي ان نطالبه ان يقدم الواقع كما هو ، او نطالبه ان يعتمد خيارات غير التي اختارها ، لان الفنان ينتج ما يراه مناسبا لذائقته الفنية ، وذائقة الفنان التشكيلي هي غير ذائقتنا مهما كانت انشغالاتنا ضمن مجالات الفن او الادب.
***
يتوزع الخطاب التشكيلي للفنان حميد ياسين على اقسام ثلاثة وكلها تتخذ الاسلوب التجريدي ميدانا لها سوى بعض اللوحات التي يقترب فيها من الاسلوب التعبيري او الاسلوب التكعيبي ، وهذه الاقسام هي :
– المنجز اللوني الذي يستخدم فيه الالوان والخطوط بكل انواعها ، إذ تتخذ من الموروث الشعبي المجسد في حياكة البسط والازارات منهلا لها ، ليقدمها بهارمونية موسيقية تدهش وتأسر ذائقة المتلقي .
– تخطيطاته بقلم الفحم او قلم الحبر ، حيث يقدم فيه رؤيته للمرأة ، وتشكلات اخرى تقترب من تجارب الفنانين الاخرين الذي جايلوه ، الا انه يبتعد عنهم في انه يمتاز بخصوصية تحميه من التأثير المباشر وغير المسوغ لتجارب الاخرين.
– لوحات رقمية بوساطة الحاسوب لا تبتعد عن القسم الاول سوى بالاداة المستخدمة ، حيث استطاع ان يقدم في تلك اللوحات الرقمية جهدا لا يستهان به ، وتمتاز تلك اللوحات بدقة العمل وموضوعاتها التي لا تبتعد عن موضوعات منجزه اليدوي.
في منجزالاقسام الثلاثة يبرز فكر خلاق ، مدهش ، يأخذ من الواقع الكثير ويصبه بإسلوب تجريدي فيكون بعيدا عن الواقع لمن ينظر الى هذا المنجز للوهلة الاولى ، الا ان ادامة النظر ، والتمعن فيه سيقربه اكثر فاكثر من هذا الواقع بكل مآسيه واحزانه ، حتى لو تشبه بالبسط والازارات الشعبية ، فانها تحمل تلك المأسي والاحزان .
ان مخيلة الفنان حميد ياسين هي مخيلة ابداعية قد تأثرت كثيرا بالفضاء الموسيقى واستعاراته وحولتة الى خطوط والوان وصبته على كنفاص اللوحة .









