ملف خاص

بمناسبة انعقاد مؤتمره العاشر سوسيولوجيات الحزب الشيوعي العراقي

فالح عبد الجبار*

 

أولاً: خلفية عامة

يعدّ الحزب الشيوعي العراقي من أقدم الأحزاب المعروفة في العراق. فقد تأسّس عام 1934 بعد عقد ونيف من قيام الدولة الحديثة في ظل الانتداب البريطاني، وبقيَ على امتداد الفترة الملكية (1921 – 1958)، والجمهوريات الأربع المتتالية (1958 – 2003) يمارس العمل السري، ما خلا فترات قصيرة شبه علنية في السنة الأولى من ثورة تموز/ يوليو (1958 – 1959)، أو العلنية المقنّنة (فترة الجبهة الوطنية مع حزب البعث 1973- 1978).

يعرّف الحزب الشيوعي نفسه على أنه الأداة السياسية للعمال والفلاحين، و”شغيلة الفكر”، وأن هدفه النهائي هو إقامة المجتمع الاشتراكي على أساس النظرية الماركسية (سابقاً). وعلى الرغم من أن الحزب، هو، بهذا المنظار، حزب أممي، أي جزء من حركة الطبقة العاملة العالمية، وحركة التضامن الأممي، فإنه اختطّ لنفسه برامج سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية محلية أي عراقية، بوصفه حزباً وطنياً يعمل في الإطار القانوني للدولة العراقية. في السابق قسم الحزب حركته على أساس المراحل التالية: مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، ومرحلة التطور اللارأسمالي، ومرحلة البناء الاشتراكي، وعلى هذا الأساس عمل الحزب في العهد الملكي على تحقيق أهداف ديمقراطية (غير اشتراكية) تتمثل في أولوياتها بما يلي:

تحقيق الديمقراطية السياسية، 

الإصلاح الزراعي في الريف/ ضد الملكيات الإقطاعية، 

تصنيع البلاد، 

الخروج من الأحلاف العسكرية وإلغاء القواعد الأجنبية (البريطانية)، 

تحرير المرأة، 

الاتحاد العربي.

وتخلّى الحزب عن أسلوب التحول السلمي الديمقراطي متبنيّاً “العنف” وسيلة للتغيير السياسي في المؤتمر الثاني عام 1957، فشجّع التنظيمات العسكرية السرّية ونسّق مع الضباط الأحرار معجلاً بثورة تموز/ يوليو 1958 التي أسست الجمهورية الأولى. وتحول الحزب الشيوعي إلى أكبر حزب جماهيري عام 1959، مستقطباً جماهير عمالية وفلاحية وأقساماً من الفئات الوسطى، مما أرعب كل القوى الليبرالية والوسطية، والقوى المحافظة، ناهيك عن القوى الإقليمية والدولية المعادية للشيوعية. وفشل الحزب في الحفاظ على تحالفات اجتماعية وسياسية تدعم التحولات الكبرى لثورة تموز، وانتهت المرحلة بتمزقات أدّت إلى انقلاب عام 1963 (البعثي)، وتحول الحزب الممزق إلى العمل السرّي (والمسلح في كردستان).

في فترة الأخوين عارف (1963-1968) لملم الحزب صفوفه وواصل العمل السرّي متعرضاً لأكبر انشقاق في تاريخه عام 1967. بعد عودة البعث الثانية إلى السلطة (1968)، غيّر الحزب إستراتيجيته باتجاه التعاون مع البعث في جبهة وطنية على قاعدة التطور اللارأسمالي نحو الاشتراكية. وحصل على شرعية علنية أتاحت له إصدار صحيفة يومية وأسبوعية ومجلة شهرية، وفتح مقار. بعد توطد حكم حزب البعث، ونمو قواعده، مشفوعاً بثروات الفورة النفطية، انهارت العلاقات بين الحزب الشيوعي العراقي والبعث في ربيع وصيف 1978 بإعدام ثلة من أعضاء الحزب الشيوعي بتهمة القيام بتنظيم سرّي في الجيش. تحول الحزب إلى العمل السرّي مجدداً، كما انتقل إلى العمل المسلح في الجبال الكردستانية، حتى ضرب حركة الأنصار عام 1988. وبعد انتفاضة 1991 عاد الحزب للعمل العلني في المناطق الكوردية المحررة من سلطة المركز، وحاول إعادة بناء تنظيماته في الجزء العربي. وخلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988) كما خلال فترة الحصار (1990-2003) واجه الحزب مشكلة التوفيق بين التوجه الديمقراطي في سياسته (شعار: إسقاط الدكتاتورية البعثية وإقامة الحكم الديمقراطي)، وبين التوجه الوطني: أي الدفاع عن العراق بوجه الهجوم الإيراني، ثم الهجوم فالحصار الأميركي. هذه القضية أدّت إلى انشقاق كتل عديدة عن الحزب. واختلطت الصراعات حول القضية الوطنية بقضية الصراع حول تجديد القيادة، فوجد الكثير من وجوه الحرس القديم الذي أخرج من الهيئات القيادية المتنفس عن استيائه بانتقاد الجانب “اللاوطني” المزعوم في سياسة الحزب.

وسوف يواجه الحزب الشيوعي هذه المشكلة مجدداً عام 2002-2003 بانكشاف خطط الولايات المتحدة لغزو العراق وتغيير نظامه السياسي بالقوة. 

 

ثانياً: البنية التنظيمية

يعتمد الحزب الأسلوب اللينيني للتنظيم وهو قائم على بنية هرمية شديدة المركزية، تعمل وفق ضوابط وقواعد سيطرة وتوجيه، تخضع بموجبه الهيئات الدنيا للهيئات العليا في انضباطٍ شبه عسكري. وجرى مؤخراً تخفيف المركزية بسلسلة من الإصلاحات والتعديلات في النظام الداخلي في سبيل التقليل من الهيئات الوسطية ولتسهيل الاتصال المباشر بمركز قيادة الحزب. تميّز الحزب الشيوعي تاريخياً بإيجاد تنظيم خاص للأكراد كان يُعرف باسم “لجنة إقليم كردستان” من منطلق إيمانه بمبدأ حق تقرير المصير للشعب الكردي (الحكم الذاتي). وبعد عام 1991، تطورت لجنة الإقليم إلى حزب شبه مستقل باسم “الحزب الشيوعي الكردستاني”، الذي اختار لنفسه لجنة مركزية ومكتباً سياسياً شبيهاً بالحزب الأم. إلاّ أنّ السكرتير العام للحزب الشيوعي الكردستاني هو عضو في المكتب السياسي للحزب الشيوعي العراقي لتأمين الترابط والتنسيق بين التنظيمين العربي والكردي (هناك أيضاً أعضاء لجنة مركزية مشتركين بين الحزبين).

يعقد الحزب اجتماعاً سنوياً لكامل أعضاء اللجنة المركزية، يصدر عنه تقرير مفصّل سياسي وتنظيمي وفكري (لا وجود للجوانب المالية في التقرير). ويخضع التقرير لقدر من النقاش في قواعد الحزب بعد صدوره. ويمثّل الاجتماع الدوري السنوي للجنة المركزية مناسبة لمتابعة عمل المكتب السياسي وتجديد انتخابه. ولعله الآلية الديمقراطية الوحيدة في حياة الحزب. ويصدر عن اجتماعات اللجنة تقرير سياسي عام وتقارير حول مختلف جوانب العمل الحزبي. والتقرير المالي للتداول الداخلي.

ويعقد الحزب مؤتمراً عاماً كل أربع أو خمس سنوات بحسب النظام الداخلي. إلاّ أنّ هذه المؤتمرات غير منتظمة، إذ لم يعقد الحزب سوى خمسة مؤتمرات خلال الفترة من عام 1973 إلى عام 2007 (المؤتمر الثامن)، بواقع مؤتمر واحد كل سبع سنوات. وهذا يعطي للمكتب السياسي وللسكرتير العام حرية أكبر في مجال اتخاذ القرارات وإعادة هيكلة اللجنة المركزية بأسلوب مركزي. لكن المؤتمرات العامة باتت تشهد عادة انتخابات المندوبين من أسفل، ولم تعد تحصل تدخلات لمنع الترشيح إلاّ لأسباب أمنية أو خروقات تنظيمية عند المرشحين. وتنص شروط العضوية على العمل المنتظم في إحدى الهيئات، والالتزام بأيديولوجية الحزب وقواعده التنظيمية، ودفع الاشتراك الشهري، والتنفيذ غير المشروط للقرارات العليا على قاعدة (نفذ ثم ناقش). وتتوزع مهام العمل على أعضاء المكتب السياسي واللجنة المركزية، الذين يقودون لجاناً مختصة، لجنة العمل الأيديولوجي (الفكري)؛ لجنة الإعلام؛ لجنة العمل العسكري (أيام حرب الأنصار 1979 – 1989 ضد نظام البعث)، لجنة العمل النقابي (العمال)؛ لجنة الفلاحين؛ لجنة المنظمات الجماهرية؛ لجنة العلاقات الخارجية… الخ. وعلى الرغم من أن هذه اللجان تتمتع بقدر من حرية العمل، إلاّ أنّ توجهاتها وقراراتها خاضعة للمركز، أي المكتب السياسي، وتحديداً السكرتير العام للجنة المركزية. إن حصر القرار في المكتب السياسي يحافظ على بنية شديدة المركزية ويضفي عليها طابعاً جامداً يتجلّى في بقاء السكرتير العام أكثر من عشرين عاماً في منصبه دون تغيير، وبقاء معظم الهيئات المركزية شبه ثابتة، قد لا تسمح بشكل واسع لجيل الشباب بالصعود في المراتب الحزبية. من هنا، إن النمط التنظيمي للحزب هو نمط لينيني (مركزي)، ونمط الزعامة نخبوي حديث، أي قائم على الإنجاز والمعرفة من جانب والانتخابات من جانب آخر. وقد أضيف للحزب نمط تنظيمي جديد هو النمط العسكري خلال فترة الثمانينيات من القرن الماضي، وجرى التخلّي عنه بعد حل حركة الأنصار، التي كانت تعد بمثابة الذراع العسكري للحزب، واندماج قسمها الكردي في قوات البيشمركة (قوات الأنصار الكردية)، التي تحولت إلى جزء من القوات المسلحة العراقية بعد عام 2003. كما أن أفراداً عرب من قوات أنصار الحزب الشيوعي توجهوا للإنضمام إلى الجيش العراقي الجديد.

ومنذ اكتساب العلنية بعد عام 1991 في إطار المنطقة الكردية، طوّر الحزب النمط البيروقراطي لعمله بإقامة سلسلة مكاتب في المدن الكبرى والبلديات لإدارة العمل الحزبي مكتبياً. أما بعد عام 2003، وسّع الحزب شبكة مكاتبه إلى كل أنحاء العراق، وله اليوم أكثر من 90 مكتباً. إن قيادات التنظيمات (من مستوى المحلية وما فوق) حين تتنقل إلى العمل في المكاتب تتحول إلى هيئات بيروقراطية (إدارية) على غرار المؤسسات الحكومية والاقتصادية، وبذلك يكتسب عملها طابعاً منتظماً، وتكتسب مراسلاتها وعلائقها طابعاً منسّقاً ومرتّباً وسجلات نظامية.

لا يزال النمط البيروقراطي في بدايته، أي بعيداً عن التحول المؤسساتي التام، مما يؤدي في هذه المرحلة إلى تعزيز الطابع المركزي مؤقتاً على الأقل. فالنمط البيروقراطي هو الشكل المنظّم للمركزية، أما التمأسس فهو الشكل القانوني للتنظيم المركزي. ولما كان التمأسس غير مُنفَّذ بعد نظراً لغياب القوانين الناظمة لتأسيس وعمل الأحزاب (هناك قانون انتخابي لتسجيل الكيانات السياسية فقط)، فإن النمط البيروقراطي يزيد في تركيز الموارد المادية والبشرية في يد الهيئة العليا، وتتحول هذه الموارد إلى أداة توجيه وضبط من أعلى إلى أسفل، نظراً إلى أن الكادر الحزبي الذي يعمل طوعاً ويقيم على أساس الكفاءة والانجاز يتحول إلى موظف بأجر (كادر متفرغ). ولا يوجد فصل بين الموظف والحزبي (كما هو حاصل في حزب العمال البريطاني مثلاً). وينطبق هذا الحال على كل الأحزاب التي انتقلت إلى النمط البيروقراطي، سواء كانت زعامتها كاريزمية (دينية)، أو تقليدية (العشائر) أو نخبوية حديثة (الأحزاب  العلمانية).

من هنا فإن عمليات صنع السياسة واتخاذ القرار تبقى محصورة بيد النخبة العليا، بصرف النظر عن طبيعتها، مما يقلص الطابع الديمقراطي الداخلي رغم اتساعه الملحوظ في الحزب الشيوعي. كما يجعل تداول السلطة (أي تغيير القيادة في النمط البيروقراطي – وبدرجة أقل مما في النمط الكاريزمي) بطيئاً ومقيّداً بإرادة النخبة المقررة، وتحديداً المكتب السياسي، وبدرجة أكبر، السكرتير العام. ويبقى الأمر متوقفاً على مدى حصافة السكرتير العام، وميله للتشاور في حل قضايا تداول السلطة بأسلوب ديمقراطي أو بغير ذلك. ويلاحظ عموماً أن الأحزاب الحديثة والتقليدية تميل إلى الاحتفاظ بقياداتها كدلالة على الاستقرار والتماسك والرسوخ، وهو ميل اجتماعي عام يسم المجتمع العراقي (ولربما مجتمعات المنطقة)، الذي يفتقر إلى ديناميات التغيير المميزة للمجتمعات الصناعية المتقدمة. من هنا فإن استمرار زعامات محددة لمدة زمنية محددة يعكس هذا الميل قدر ما يعكس الرغائب الفردية للقادة. 

 

ثانياً: سوسيولوجيا الحزب: البيئة الاجتماعية

انطلق الحزب الشيوعي في التوجهات التنظيمية والتعبوية من أيديولوجيته الماركسية – اللينينية، التي تركز على توعية وتنظيم وتعبئة العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين، وهؤلاء الأخيرون يتحدّرون من الطبقات الوسطى بفئاتها الدنيا والمتوسطة، ممن يعتمدون على المعرفة أو الملكية أو مزيجهما، شرط أن يكونوا منحازين للخيارات الاشتراكية. هذا الإطار النظري المجرد اكتسب في التطبيق طابعاً متغيراً بتغير بنية المجتمع. وكان الحزب بفعل علمانيته حزباً عابراً للطوائف والمذاهب والأديان، كما كان بفعل منطلقاته الأممية، حزباً عابراً للقوميات. لذا توجه لكسب العرب والأكراد والتركمان والاشوريين، وتوجه لكسب المسلمين والمسيحيين واليهود والصابئة. وهو الحزب العراقي الوحيد “عملياً” العابر للطوائف والأديان والإثنيات. من هنا ميله الشديد لتوطيد الهوية العراقية، إلى جانب اهتمامه بتقرير مصير الأكراد، والحقوق الثقافية للأقليات على قدر اهتمامه بالوحدة العربية أيضاً. وهذا يدل على جاذبية الحزب للقواعد الشعبية الفقيرة وللأقليات الخائفة من التهميش.

وقد تعزز هذا الميل بطرح الحزب للمسألة الاجتماعية، مثل حقوق العمال، الأرض للفلاحين، تحرر المرأة، التي هي حقوق طبقية تتجاوز الانتماءات المذهبية والدينية والقومية. خلال عقود 1940 – 1970، بادر الحزب إلى تأسيس حركة نقابية عمالية (رغم تدنّي عدد العمال الصناعيين) وحركة جمعيات فلاحية، وحركة طلابية، وحركة نسوية واسعة. واعتمد في ذلك على التحولات المجتمعية التي شهدت نمو الصناعة خلال عقود الخمسينيات والستينيات، ونمو الطبقة العاملة، وانهيار الصناعات اليدوية والحرفية التي تحول أبناؤها إلى اليسار، ونمو مؤسسات التعليم، وبالتالي اتساع حجم الطلاب من أبناء الطبقات الفقيرة، علاوة على خروج المرأة إلى العمل، مما أعطاها ثقلاً اجتماعياً متزايداً.

لكن الفترة من نهاية السبعينات حتى نهاية القرن العشرين شهدت تحولات ومنعطفات قلّصت القواعد الاجتماعية للحزب: فمثلاً، إن الإصلاحات الزراعية في الريف واستمرار الهجرة الريفية إلى المدن، قلّصت قواعد الحزب الفلاحية وجردته من قوته التعبوية الداعية إلى توزيع الأراضي على فقراء الريف. كما أن الطبقة العاملة الصناعية رغم توسعها النسبي، نمت في حاضنة قطاع الدولة الذي خضع نقابياً وتنظيمياً لسلطة حزب البعث، مما جرد الحزب الشيوعي من قوته النقابية. فضلاً عن ذلك، إن الضربات المتلاحقة التي تعرض لها الحزب خلال عام 1963 و 1970 ثم عام 1978 حتى عام 2003 على يد أجهزة الأمن البعثية أضعفت قدراته على التعبئة والتنظيم، ففقد القدرة على حشد الجماهير ناهيك عن توسيع القواعد الطلابية. ولعل الفورة النفطية التي شهدتها البلاد (ابتداءً من عام 1973)، أدّت إلى نمو هائل في الطبقات الوسطى (نحو 54 في المئة من سكان المدن من تسعينيات القرن الماضي) المعتمدة على الراتب أو المعتمدة على الملكية، لكن هذه القوى الاجتماعية انجذبت إلى حزب البعث الحاكم بدوافع شتى، أيديولوجية ومصلحية.

هذا التغير المجتمعي (نمو المدن، اتساع الطبقات الوسطى)، والتغير السياسي (صعود نظام الحزب الواحد)، والتغير الاقتصادي (الفورة النفطية) وتزايد الجبروت الاقتصادي للدولة، أعطى مفعوله في الحدّ من نمو الحزب الشيوعي. كما أن الضربات الأمنية قلّصت جهاز الحزب ما يقارب 70 ألف عضو عام 1978 إلى نحو 10 آلاف عضو بعد عام من ذلك. لكن التحول الأكبر في مصائر الحزب هو انهيار المعسكر الاشتراكي أواخر الثمانينيات وسقوط الاتحاد السوفياتي عام 1990، الذي قوّض جاذبية الفكر الاشتراكي عالمياً، وبالطبع عراقياً، مثلما كان انتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا عام 1945 عاملاً قوياً في تقوية الحركات الشيوعية في العالم. ولم يُبدِ الحزب أية مرونة في التوجه إلى الفئات الواسعة للطبقات الوسطى المتسعة أبداً، وبقي إلى حد كبير حبيس أساليبه القديمة في التوجه فقط إلى طبقات وفئات اجتماعية فقدت فاعليتها المركزية (العمال) أو فقدت أغلبيتها السكانية (الفلاحون)، أو أنها باتت تنظّم نفسها مباشرة (الأقليات: التركمان، الآشوريون، الكلدان، الصابئة) كما بقي حبيس رؤاه الأيديولوجية الساكنة.

وازداد الوضع صعوبة نتيجة عوامل أخرى. فالهجرة الهائلة من الريف إلى المدينة وسّعت صفوف العمال بفئات ريفية الذهنية، ميّالة بحكم ثقافتها وقيمها التقليدية إلى التنظيم الطبيعي: القبيلة وشبكات التضامن القبلي المنقولة إلى المدن، ورجل الدين الشعبي (السيد) ومؤسسة الإحسانية: الحسينيات. ولما كان الحزب محروماً من النقابات (فترة الحظر البعثي) ومقطوعاً عن العمل العلني (فترة الحرب العراقية – الإيرانية وفترة الحصار 1980 – 2003) فإن الفراغ الذي تركه سرعان ما ملأته الدولة البعثية بادئ الأمر، ثم ملأته شبكات التضامن القبلية والدينية خلال فترة الحصار (1991 – 2003) التي تميزت بانهيار جزئي للدولة البعثية وانهيار خدماتها. وهكذا حين بدأت الطبقات الوسطى بالإنهيار في فترة الحصار (وتحديداً بعد عام 1995)، لم يكن الحزب موجوداً في الساحة ليعبئها ويجتذبها. إن دخول شبكات التضامن القبلية والدينية في المجال الاجتماعي الذي كان يشغله الحزب الشيوعي سابقاً تعزز أكثر بصعود الإسلام السياسي الشيعي، وترسّخ مكانه الإسلام السياسي بموارده المادية والرمزية الهائلة بعد سقوط نظام البعث في إثر الاحتلال الأميركي للعراق.

 

ثالثاً: سوسيولوجيا القيادات والقواعد

إن سوسيولوجيا تحولات البنية الاجتماعية السياسية تجد انعكاسها في تحولات مقاربة في استقرار أو تقلب قيادة الحزب الشيوعي العراقي والبنية الاجتماعية لكوادره الأساسية. ويلاحظ عموماً أن فترة 1967 – 1985 شهدت رغم الانشقاقات الكبيرة وبعض التكتلات، استقراراً نسبياً في بنية القيادة. قبل ذلك كانت الانشقاقات الحزبية ومطاردات أجهزة الأمن والتصفيات الجسدية (إعدامات، قتل تحت التعذيب) قد أدّت إلى تبديلات سريعة في بنية القيادة إلى درجة منعت أي استقرار وأي تراكم للخبرة السياسية والتنظيمية. في حين أن فترة 1967 – 1985 كانت فترة جمود في بنية القيادة دون حصول تبديلات تذكر. وكان هذا الجمود مصدر تعطيل لصعود جيل جديد من القادة. لكن انهيار الجبهة مع البعث (1978 – 1979)، ونشوب الحرب العراقية الإيرانية، هزّت الحزب وخلقت تياراً جارفاً لاستبدال معظم “الحرس القديم”. خلال المؤتمر الرابع 1985 والمؤتمر الخامس 1993 وبحلول المؤتمر السادس 1997، كان الحرس القديم قد خرج بمعظمه، ليس من دون اتخاذ بعضه مواقف عدائية تجاه القيادة الجديدة. فالقياديون المستبعدون تباعاً عارضوا اتجاه الحزب المعادي لنظام البعث خلال فترة الحرب العراقية – الإيرانية (1980-1988)، وخلال فترة الحصار (1991-2003)، داعين بصورة موارِبة إلى التعاون مع حكم البعث تحت مقولات “الدفاع عن الوطن” و”معاداة الامبريالية”، أو معترضين على تقارب الحزب مع القوى الليبرالية العراقية باعتبارها “قوى امبريالية”. وتبلور هذا الاتجاه في كتلة “دفاعية” لا تزال تعمل بأسماءٍ شتّى.

ويلاحظ أن اللجنة المركزية الجديدة في المؤتمر السادس (1997) تألفت من 21 عضواً، انتخبت سبعة منهم للمكتب السياسي. أما قوام مندوبي المؤتمر فيعكس هو الآخر التحولات الاجتماعية المُشار إليها. فكان 40 في المائة من المندوبين عرباً، أما الأكراد فكانوا 55 في المائة والجماعات القومية الأخرى 5 في المائة. وهذا الصعود الكبير للأكراد يرجع إلى التصفيات التي شملت الجزء العربي من تنظيمات الحزب بدرجة أكبر من جزئه الكردي، ومن بين المندوبين كان هناك 12.5 في المائة من “الحرس القديم”. وأن أكثر من 52 في المائة من القادة الجدد لم يدخلوا المدارس الحزبية السوفياتية، وكانوا ذوي نزعة عملية، مرنة، مقابل نزعات التصلب الدوغمائي للحرس القديم. وكان 32 في المائة من المندوبين عمالاً و32.5 في المائة فلاحين، و42 في المائة من مثقفي الطبقات الوسطى الحضرية، وأن 14 في المائة من هؤلاء الأخيرين هم من أصول اجتماعية من الشرائح العليا للطبقة الوسطى و66 في المائة من المندوبين كانوا من حملة الشهادات الجامعية.

يلاحظ في هذه المعطيات الكمّية لتحليل البنية الاجتماعية لمندوبي المؤتمر أن هناك تشديداً على أن العمال والفلاحين لا يزالون هم الأغلبية في الحزب، وهذا توق واضح للتمسك بفكرة النقاء الطبقي والنقاء الأيديولوجي الموروثة من التقاليد الستالينية. والواقع أن الوزن الديمغرافي في المجتمع العراقي للفئات الاجتماعية المصنّفة على أنها من الطبقة العاملة يقل عن 24 في المائة في آخر إحصاءات رسمية متاحة (التسعينيات).

لكن الجديد في بنية مؤتمر الحزب الشيوعي هو النمو الصحي لتمثيل الفئات الوسطى في المؤتمر 42 في المائة، التي يزيد وزنها النسبي على 54 في المائة من سكان المدن (قبل 2003). أما في المؤتمر السابع والثامن فإن التركيب الاجتماعي للمندوبين يتّسم بالاتجاه نفسه نحو تنامي ثقل الفئات الوسطى والمتعلمين من حملة الشهادات.

لعل هذه السمات السوسيولوجية لبنية الحزب تفسّر جزئياً على الأقل، تنامي شيء من ميول الانفتاح والمرونة في سياسات الحزب عموماً، رغم أن التوجهات “الدوغمائية” القديمة لم تفقد مواقعها قط.

وتتجلى هذه المرونة والانفتاح في المجالات الفكرية والتنظيمية والسياسية. فكرياً، تخلّى الحزب عن الماركسية – اللينينية مستبدلاً إياها بالتراث الماركسي الواسع، وتنظيمياً، وسّع حقوق المنظمات القاعدية والانتخابات الداخلية، وسياسياً، أبدى مرونة كبيرة في التعاطي السياسي والانتخابي سواء مع سلطة الائتلاف المؤقتة التي أنشأتها الولايات المتحدة الأميركية في حزيران/ يونيو 2003، أو مع القوى الوسطية والإسلامية المختلفة. لكن الملاحظ أيضاً، أن تمثيل المرأة في الهيئات القيادية الأساس (اللجنة المركزية والمكتب السياسي، أو المؤتمرات الحزبية) متدنٍ تماماً، حتى بالقياس على أحزاب قومية محافظة نوعاً ما مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني أو الاتحاد الوطني الكردستاني، فهناك امرأة واحدة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الكردستاني وامرأتان في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأم. مقابل ذلك ازداد وزن الفئات العمرية دون الأربعين في قوام المؤتمرات والهيئات القيادية، ولا تتوافر معطيات دقيقة عن النساء وفئات العمر والمنحدرات الطبقية لعموم التنظيم الحزبي، ما يجعل هذه الملاحظات عمومية محصورة بالهيئات القيادية.

 

رابعاً: الحزب والسلطة

عشية الغزو الأميركي – البريطاني للعراق عام 2003 أعلن الحزب عن معارضته للحرب، ودعا القوى الاجتماعية والسياسية العراقية إلى أخذ مسألة التغيير السياسي بأيديها لإزالة دكتاتورية الحزب الواحد وإقامة الديمقراطية. وكان هذا الموقف يعكس حَرَج الحزب من تأييد إزالة النظام على يد الولايات المتحدة، فهو يراها “قوة امبريالية”. وكان هذا الحاجز أيديولوجي ولا يزال قائماً. هناك أيضاً الجوانب السلمية (السلم العالمي) في أيديولوجيا الحزب وتراثه الداعي للسلم العالمي والمعارض للحرب مع إيران والاحتلال وحرب الكويت. لهذا السبب ما كان بوسعه أن يؤيد الحرب حتى لو استفاد من نتائجها. لكن الحزب بقيَ متمسكاً بخطه المعلن: إزالة الدكتاتورية البعثية. وبعد سقوط النظام في نيسان/ أيريل 2003 قيّم الحزب الوضع بأنه ينطوي على جانبين، وقوع البلد تحت الاحتلال من جهة، وزوال الدكتاتورية من جهة أخرى، مما فتح الباب للإقرار بوجوب دخول العملية السياسية رغم وقوع هذه العملية تحت النفوذ الأميركي. وكان هذا التكتيك يرمي إلى تجنب العزلة والسعي لتحقيق الأهداف العملية. بناءً على ذلك، شارك الحزب في مجلس الحكم الذي أنشأته سلطة الائتلاف المؤقتة، وهو الاسم الرسمي لسلطة الاحتلال، كما شارك في أول وثاني وزارة مؤقتة بوزير الثقافة مفيد الجزائري عضو المكتب السياسي للحزب. كان الجزء العربي من الحزب ضعيفاً في الموارد المادية والبشرية، ويعاني كما أشرنا من تبعات قمع مستديم منذ عام 1963، كما يعاني من تبعات سقوط الاتحاد السوفياتي وتدهور مكانة الفكر اليساري. وكان عليه أن يعيد بناء تنظيماته في ظل الفوضى السياسية والأمنية، وصعود الحركات الشعبوية والأصولية الإسلامية، واندلاع حركة العنف المسلح ضد الاحتلال التي اعتبرها الحزب حركة عودة للنظام القديم وحركة إرهاب أصولية (القاعدة). وصاغ الحزب خطه السياسي البراغماتي على أساس المشاركة في عملية بناء الدولة الجديدة في اتجاه ديمقراطي من جانب، والعمل من جانب آخر، على ما أسماه “استعادة السيادة الوطنية”، وهو تعبير سياسي دبلوماسي لمعارضة الاحتلال بوسائل سلمية وسياسية متدرجة. انطلاقاً من هذا شارك الشيوعيون في تجارب بناء حكومات محلية مؤقتة في المحافظات التي بادرت سلطة الائتلاف المؤقتة بزعامة السفير الأميركي بول بريمر إلى إنشاءها خلال عامي 2003-2004 في إطار ما يُعرف بعملية بناء الديمقراطية من أسفل. كما تحرك الحزب لإعادة بناء الحركة النقابية العمالية المفككة، وكانت الكتلة الأكبر من العمال الصناعيين تتركز في قطاع الدولة (القطاع الاشتراكي) المؤلف من نحو 200 وحدة إنتاجية كبرى تضم قرابة 399 ألف عامل. إلاّ أنّ هذا القطاع كان ولا يزال معطلاً، كما أن النقابات سجلت عام 1986 نحو 1.164.000 عضواً، أي ما يساوي 34 في المائة من سكان المدن ونحو 22 في المائة من قوة العمل الوطنية حينها. لكن النقابات سرعان ما حُلّت في عهد البعث بموجب القانون رقم 150 لعام 1987 وألغيَ معها لقب “العامل” في مصانع الدولة، وفقدت الكتلة العمالية بذلك تسويغها القانوني وحاضنتها المؤسساتية التنظيمية، مواجهة فيضاً جماهرياً هائلاً من الفئات المهمّشة والعاطلين الذين زادت نسبتهم على 50 في المئة (بحسب إحصاءات البنك الدولي).

دخل الحزب الشيوعي أول انتخابات تأسيسية وانتخابات محلية في كانون الثاني/ يناير 2005 بقائمة مستقلة باسمه، كما شارك الحزب الشيوعي الكردستاني في قائمة التحالف الكردستاني. وأصيب الحزب بصدمة كبرى في إثر النتائج الهزيلة التي حصل عليها، فمن مجموع 8.266.456 صوتاً نال الحزب 69920 صوتاً في المجلس النيابي (البرلمان) أي ما نسبته 0.83 في المائة، وحصل بموازاة ذلك على 140.890 صوتاً من مجموع 7.900.920 صوتاً في الانتخابات المحلية الموازية، أي ما نسبته 1.78 في المائة.

خلال الحملة الانتخابية وبعدها أبدت الحركات الإسلامية الشيعية عموماً عداءً مستميتاً ضد الحزب الشيوعي وضد كل القوى غير الإسلامية واعتبارها حزباً وقوى علمانية أي ملحدة بالتفسير “الإسلامي” المشوّه للعلمانية. ومال جُلّ المصوتين في المناطق الشيعية إلى توكيد الهوية الشيعية لا الهوية الطبقية للحزب بدعوى وجود “فتوى” ملزمة من المرجع الشيعي الأعلى آية الله العظمى السيد علي السيستاني بالتصويت للقائمة الشيعية، قائمة الائتلاف العراقي الموحد. وعلى الرغم من وجود شكوك حول صحة وجود فتوى (إذ لا يتوافر نص بهذا المعنى)، فإن الجوامع والحسينيات روّجت للفكرة التي قبلتها كتل واسعة من الناخبين، واعتبرتها “واجباً شرعياً” ملزماً.

لكن المقترعين اليساريين الذين التزموا بهذه الفتوى عند الاقتراع للجمعية التأسيسية، لم يلتزموا بها عند الاقتراع للحكومة المحلية، على أساس أن فتوى السيد السيستاني خَلَت من الإلزام الديني بخصوص التصويت لمجالس المحافظات المحلية. الواقع أن الائتلاف الشيعي دخل الانتخابات للجمعية التأسيسية بكتلة واحدة في حين أن أطرافه دخلت بصيغ فردية متعددة في الانتخابات المحلية البلدية، ولم تستطع لهذا السبب أن تستخدم اسم السيستاني لدعم قوائم انتخابية متنافرة، رغم أنها كانت إسلامية – شيعية. هذه الإزدواجية في السلوك الانتخابي لقواعد الحزب الشيوعي في المناطق الشيعية تشير بوضوح إلى وجود ازدواجية في مفهوم الشرعية والانتماء والهوية، المفهوم الديني – الطائفي والمفهوم المدني – الطبقي. وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن التلاعب والتزوير الذي مارسته الزمر المسلحة التابعة لقوى إسلامية، والخروقات، أدّت أيضاً إلى إضعاف هذا التمثيل (جرى إلغاء 100 ألف صوت في الانتخابات الأولى و300 ألف صوت في الثانية). حصل الحزب الشيوعي على ثلاثة مقاعد في البرلمان بجهده الانتخابي المستقل، وحصل على مقعدين إضافيين عبر الجبهة الكردستانية. أما أداء الحزب في الانتخابات المحلية الموازية فكان أفضل بكثير، وقد ضمن له مقاعد في الحكومات المحلية في عدد من المحافظات: الناصرية، البصرة، الحلة، بغداد. إلاّ أنّ الحزب فقد مقعده الوزاري الوحيد في نيسان/ أبريل عام 2005 بمجيء أول رئيس وزراء بعد الانتخابات التأسيسية، إبراهيم الجعفري، المتميز بعدائه الشديد للشيوعية ودوغمائية متصلبة في نظرته السياسية. على الرغم من التلاعب والخروقات كشفت الانتخابات ضعف التيارات المدنية العلمانية في الجانب العربي من العراق، مقابل قوة وطغيان نفوذ الأحزاب القومية – المدنية – العلمانية في الجانب الكردي منه. دفع هذا الوضع الحزب الشيوعي العراقي إلى اعتماد تكتيك التحالفات مع جملة من القوى الوسيطة في إطار القائمة العراقية برئاسة رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي لخوض الانتخابات البرلمانية العامة (الثانية) في كانون الأول/ ديسمبر 2005. فحصلت هذه القائمة على 25 مقعداً فاز الحزب الشيوعي العراقي بمقعدين منها، واسترجع الحزب موقعه في وزارة المالكي (ربيع 2006) بوزارة البحث العلمي التي تبوأها القيادي رائد فهمي. وفي إقليم كردستان (محافظات دهوك، أربيل، السليمانية) يتمتع الحزب بمقعده الوزاري (وزارة النقل والمواصلات)، وثلاثة مقاعد، علاوة على مشاركة الحزب الشيوعي الكردستاني في مجالس المحافظات بمقعدين في أربيل ومقعد واحد في سليمانية، وواحد في دهوك، وإثنين في كركوك. يتخذ الحزب الشيوعي موقفاً مرناً وهادئاً من عملية التغيير السياسي، محاولاً استعادة مواقعه عبر هذه المشاركة رغم ضعف نفوذه الجماهيري والسياسي – المؤسساتي. وإزاء استشراء العنف ونمو الطائفية والفساد، واستبداد الأحزاب الإسلامية عبر الميليشيات بفرض القيم المحافظة، يقف الحزب الشيوعي العراقي موقفاً نقدياً معارضاً آملاً أن يسترجع قواه لبناء حركة مدنية وسطية، تستثمر السخط على العنف السياسي (الميليشيات) والسخط على الصراع الطائفي والنفور المتنامي (منذ عام 2006) من الحركات الإسلامية المحافظة، وتضخّه في اتجاه معاكس. ويأمل الحزب بوصفه الحزب العراقي الوحيد العابر للطوائف والاثنيات أن يستقطب هذا السخط ويستعيد مكانته.

 

خامساً: القضايا المركزية التي يعمل عليها الحزب

يمكن النظر إلى القضايا المركزية التي تحتل مركزاً في الحزب الشيوعي من زاويتين، الزاوية الأولى، هي الأهمية الفكرية التي تحتلها هذه القضايا في الوثائق الرسمية للحزب، وهي التقرير السياسي للمؤتمر الوطني الثامن والبرنامج الذي أقرّه هذا المؤتمر. أما الزاوية الثانية، فهي القضايا العملانية التي يعمل عليها الحزب مباشرة.

يحدد البرنامج الأهداف المرحلية بأنها “تحقيق استقلال البلاد وسيادتها الوطنية وبناء المجتمع الديمقراطي” أما الهدف البعيد فهو “التقدم الاجتماعي والاشتراكية”. أسقط الحزب من برنامجه تعبير الماركسية – اللينية، مستبدلاً إياه بـ”الفكر الماركسي والتراث الاشتراكي” بعامة، معلناً بذلك خروجه من أسر النموذج الروسي المغلق للاشتراكية – في مجال السياسة الاقتصادية – الاجتماعية. يلاحظ أن الحزب لا يزال متمسّكاً بموقفه من الإبقاء على القطاع العام (رأسمالية الدولة) وإعطاء دور مركزي للدولة في الاقتصاد والثقافة، لكنه يوافق، مؤقتاً، على إعطاء مجال معين للقطاع الخاص والاستثمارات الأجنبية للمساهمة في التنمية، إذ توجد إشارة واضحة إلى تعددية أنماط الملكية، إضافة إلى الموقف من الخصخصة، وكيفية التعامل مع الاستثمارات الأجنبية والسياسة النفطية. وعموماً فإن موقف الحزب يتعارض مع توجهات الليبرالية الجديدة التي تريد أن تفرض نمطاً ونموذجاً. إن الموقف من القطاع الخاص وضرورة دعمه والتعامل مع الاستثمارات وفق معايير اقتصادية، وحتى مراجعة مشاريع قطاع الدولة وفق الجدوى الاقتصادية، ليس توجهاً مؤقتاً في نظر قيادة الحزب. وهو يعتبر “القطاع العام… قاعدة رئيسية للاقتصاد الوطني”. وينطلق الحزب في ذلك من اعتقاده بأن اقتصاد السوق يقود إلى “رأسمالية وحشية” (التعبير مستعار من اليسار الفرنسي)، ولا يقود بالضرورة إلى الديمقراطية على قاعدة الفصل بين السلطة الاقتصادية والسلطة السياسية. ولا يرى الحزب أن ملكية الدولة للصناعة والنفط يمكن أن يولّد نزعات تسلطية، أي ضد ديمقراطية، كما لا يرى وجود رابط بنيوي بين هيمنة الدولة على الاقتصاد ونشوء الدكتاتورية. وعلى الرغم من وجود اقتصاديين تقنيين بكثرة في صفوف الحزب، إلاّ أنّ نظريات الدولة الريعية، والعلاقة بين الاستبداد وتأثيرات غياب الفصل بين المجال الاقتصادي والسياسي، غائبة تماماً عن التفكير الحزبي، أو على الأقل أن هذه القضايا لا أثر لها في الوثائق الحزبية.

ويلاحظ أن البرنامج يُعنى بالقطاعات الاقتصادية الجديدة (مثل السياحة)، والتجارة الداخلية والخارجية، عنايته بالصحة والتعليم والمياه والبيئة، والثقافة والإعلام والاتصالات. ويطالب الحزب “الدولة” بـ”إدارة العملية الثقافية” لجهة الإنفاق، وهو مطلب لا يلتفت إلى مشكلات هيمنة الدولة على الثقافة عن طريق التمويل ومخاطر ذلك على عموم استقلالية الوضع الثقافي، نظراً إلى أن النشاط الثقافي هو أكثر الميادين حاجة إلى التخلص من قيود الدولة. ويركز الحزب على إلغاء القرار 156 عام 1986 وإصدار قانون جديد للعمل، والحفاظ على قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959 المعدّل. ويحوي البرنامج فقرات جديدة عن فكر الأحزاب من قبيل “حقوق الطفل”، “البيئة”، و”منظمات المجتمع المدني”، وهي عناوين تعكس الوعي الحقوقي والسياسي بالمظاهر الجديدة في الحياة المعاصرة. ويختم البرنامج بتأكيد حق تقرير المصير للأمة الكردية (يشمل ذلك الانفصال أو الاتحاد الفيدرالي أو الكونفدرالي) وضمان الحقوق القومية والإدارية والثقافية للتركمان، والكلدان – الآشوريين السريان والأرمن، والصابئة والأيزيدية. ولم يعد الحزب الشيوعي ينهي برامجه بقضايا الاشتراكية في العالم، والأممية، فاستبدلها باستعراض العلاقات مع البلدان العربية والإقليمية، وعلاقات العراق على الصعيد الدولي. يركز الحزب في نشاطه العملي على النقابات العمالية، فهو يحرص على تنظيم مسيرة عيد العمال في الأول من أيار، ويكرس جهوداً أخرى لإعادة بناء الحركة النقابية المفككة. ويركز الحزب أيضاً على الاحتفال بذكرى ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 محاولاً إحياء رمزيتها الوطنية، والافتخار برمزيتها الذاتية، فهي العصر الذهبي للحزب الشيوعي، وعنوان لعدد من إنجازاته مثل قانون الأحوال الشخصية والإصلاح الزراعي. حرص الحزب أيضاً على تنظيم مسيرات وتعبئة نسوية في فترة كتابة الدستور بهدف الدفاع عن حقوق المرأة والحفاظ على قانون الأحوال الشخصية من هجمات الإسلاميين المحافظين. ولعل الغائب الأكبر هو النشاط المطلبي (الأسعار، الوقود، … الخ) الذي تحتكره الحركة الصدرية تقريباً.

وعلى الرغم من قلة عدد النواب الشيوعيين في البرلمان فإن الحزب الشيوعي العراقي يؤدي دوراً أساسياً في الدستور والتطبيقات الدستورية، إذ أسند له البرلمان رئاسة لجنة خاصة لدراسة قضية كركوك وإشكالية تطبيق المادة (140) من الدستور الخاصة بها. وترجع هذه الثقة بالحزب الشيوعي إلى أن الحزب يعتمد أيديولوجية أممية تحترم كل القوميات ويدافع عن حقوقها، وعليه، فإن انحيازه للفيدرالية الكردية وحق تقرير المصير للأمة الكردية لا يمنعه عن تأييد الحقوق القومية والثقافية والإدارية للأقليات القومية الأخرى. ويعتبر تكليف الحزب الشيوعي العراقي بهذه المهمة اعترافاً بحياده إزاء القوميات المتصارعة، وإقراراً بامتلاكه الخبرة في فهم المسألة القومية ومشكلاتها. غير أن عمل اللجنة الخاصة بكركوك بقي محدوداً بسبب ضعف البرلمان وقلة خبرته. فالبرلمان لم يخصص ميزانية معينة لهذه اللجنة، فبقيت شبه معطلة. وبوسع الحزب أن يلعب دوره في مجال العلائق بين القوميات بشكل إيجابي، كما يمكن له أن يطوّر دوره لحل مشكلة القطاع العام على قاعدة تطوير منشآته وتحرره من سيطرة الدولة، بإكسابه استقلالية ومسؤولية أكبر. أخيراً، مع عودة انبعاث الهوية العراقية كدريئة دفاعية بوجه التمييز الطائفي تنفتح أمام الحزب فرص جديدة باعتباره أحد أقدم الأحزاب الحاملة للهوية العراقية في الأيديولوجية كما في التنظيم. 

مراجع 

كتب

1- حنا بطاطو، العراق: الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني إلى قيام الجمهورية، ترجمة عفيف الرزاز، ط 1، بيروت: [د.ن.]، 1990.

2- Peter Sluglett, Iraq from Revolution to Dictatorship, London: I.B.Tauris, 2000

3- أوريل دان، العراق في عهد قاسم، ترجمة جرجس فتح الله، طبعة خاصة.

4- نصير الكاظمي، الحزب الشيوعي في العراق والمسألة الزراعية، بيروت: مركز الدراسات الاشتراكية، 1986.

5- عمل جماعي، الإثنية والدولة، بيروت: معهد دراسات العراقية، 2006.

6- فالح عبد الجبار، الدولة والمجتمع المدني والتطور الديمقراطي في العراق، القاهرة: مركز ابن خلدون، 1995.

 

دوريات

1- “الحزب الشيوعي العراقي،” وثائق المؤتمر الوطني السادس 26-29 تموز/يوليو 1997، منشورات طريق الشعب أيار/مايو 1998.

2- مجلة الثقافة الجديدة، أعداد متفرقة.

 

وثائق و مؤتمرات

1- وثائق المؤتمر الوطني الرابع للحزب الشيوعي العراقي، 10-15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985.

2- برنامج الحزب الشيوعي العراقي، “من أجل إنجاز الثورة الوطنية الديمقراطية والانتقال إلى الاشتراكية،” أقرّه المؤتمر الوطني الرابع للحزب، 10-15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1985.

3- النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي، أقّره اجتماع اللجنة المركزية للحزب – أيار/مايو 1988.

4- نحو المؤتمر الخامس، مشروعان للنقاش، “مشروعاً البرنامج والنظام الداخلي والتقرير السياسي،” صدر عن الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب، أيلول/سبتمبر 1991.

مواقع الكترونية

1- المؤتمر السابع للحزب الشيوعي العراقي 25-28 آب/أغسطس 2001، انظر الموقع الالكتروني www.iraqcp.org.

2- وثائق المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي 10-13 أيار/مايو 2007، انظر الموقع الالكتروني.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان