ملف خاص

في أرأسيات المنجز للثورة الثرية لأرأسيات أهداف الثورة الثرية وما انجز منها: (3-4

     فقد فقدت بوصلة تطورها لأنها لم تستفد مما في تراثها من حكمة المؤسسات المدنية التقليدية، ولا هي سمحت بمساحة كافية للمؤسسات الحديثة التي رافقت نشوئها، والتي اقتضتها مستلزمات التشكل. لذا كانت نزعة العنف المادي والمعنوي قد لازمتها سواءً في المجال الرسمي أو/و اللا رسمي. والذي بدوره انعكس كل ذلك في تعميق الأزمة البنيوية لها المتصتعدة مع الزمن والتي تطورت مع تطور مؤسساتها من جانب، والوعي الاجتماعي في تجلياته من جانب آخر، وبنية الصراع الطبقي الذي شهدته وجملة التناقضات التي تكدست بين ولوج المستقبل وسكونية الاعتماد على الماضي والمصالح الطبقية الأنوية من جهة ثالثة . وتأسيسا على مجمل ما ذكر يمكننا التأكيد على أن ثورة 14 تموز، قد ورثت كما كبيرا من الاشكاليات الاجتصادية والسياسية بل وحتى المؤسساتية، من المرحلة الملكية السابقة. لكنها تصدت لها بجملتها، ضمن سياق تحقيق ذاتها وشرعيتها الاجتماسياسية من خلال الصيرورات والأفكار والغائيات المنصبة على الإنسان كقيمة مطلقة لذاته وبخاصة الانسان المستلب والفقير. هذا التصدي وتلك الحلول، كانت  حسب الممكن والمتاح، ولم تظهر عبثاً بل على وفق الضرورات التاريخية للظاهرة العراقية وقانونيات التطور وأوالياته والاشكاليات الناجمة عن التغيير في بنية النظام السياسي وقواها الطبقية، التي باتت من الصعب تلاشيها، طالما كانت ضمن التاريخ الذي هو عملية الخلق الذاتي للإنسان عبر تطور عمله وانتاجه. وبالتالي فقد كانت الثورة وبرنامجيتها ومنطلق عراقويتها هي التهديد والنافي الطبيعي المتحدي للنزعة التسلطية القومانية، ملكية كانت أو جمهورية، وبالاخص الانتقائية البعثية، وتمذهبها ونظرتها الواحدية للتجانس الاجتماعي المفترض والرؤية العروبية للعراق المتعدد الاثنيات والمكونات. وعليه ومن منطق المنطلق اعلاه، نتوصل كما توصل إليه المستعرب الفرنسي مكسيم رودنسون، من  أن 14 تموز{ الثورة الحقيقة الوحيدة  في العالم العربي}  والاكاديمي حنا بطاطو من{ أن ثورة تموز هي ثورة أصيلة   }. وأقول إنها أعظم حدث في الشرق الأوسط بعد نهاية الحرب الثانية ليس في العراق وحده، بل عموم العالم العربي، وهي بمثابة الثورة الفرنسية، نسبياً، حيث نقلت العراق إلى عصر جديد، حيث انهزمت الاقطاعية وبدأت ملامح الراسمالية الموجه وتعددية الانماط الاقتصادية بما لها وعليها. كما حقق التغيير الجذري في 14 تموز الاستقلال السياسي وطرد طبقة الاقطاعيين والكومبرادور من التأثير الاجتماسياسي، كما طُردت بريطانيا من اهم قلاعها آنذاك في الشرق الأوسط. وكانت  الثورة قد حققت بعضا من الاستقلال الاقتصادي ووضعته في الطريق الرأسمالي الموجه وتحرير العملة من هيمنة منطقة الاسترليني البريطانية، كما انها فتحت الابواب على مصراعيها على القوى الاجتماعية العصرية وبالاساس الطبقة الوسطى بفئاتها المتعددة، التي ارتفعت وتائر نموها الكمي والنوعي وتأثيراتها على مجمل ابعاد الحياة وبالاخص التنويرية. كما أن ما قامت به الثورة من إجراءات اصلاحية قد وضعت العراق على سكة الحداثة، ليس المنجز الذي قامت به فحسب، بل ان العديد من المنجزات التي حققتها الحكومات اللاحقة، جاءت لأنها  تأسست على القاعدة المادية والفكرية التي بنتها ثورة 14 تموز. وتمت تقوية الركائزية المادية والمعنوية للهوية الوطنية وتجسير الهوة الأثنية بين المكونات الاجتماعية الأرأسية وأكدت على المشتركات التعاضدية والتضامنية فيما بينها. كما تعتبر ثورة 14 تموز هي الحكومة الأولى في العراق المعاصر والوحيدة التي بدأت عملياً بالسير على طريق الحل الجذري لمشاكل الهامشيين اجتماعياً في مدن العراق قاطبة وبخاصة الكبرى منها ، وهم من ضحايا العلاقات شبه الاقطاعية بالريف بالاساس اثناء المرحلة الملكية .

الهوامش 

15 – للمزيد راجع: اليعازر بعيري،ضباط الجيش والسياسة ، ص.175، مصدر سابق.

16 – كامل شياع، هل طوت ثورة 14 تموز فصلها الأخير ، الثقافة الجديدة، العدد310، ص, 55، بغداد 2003.

17  – د. فارس كمال نظممي، الأسلمة السياسية، ص. 75، مصدر سابق.

18- د. احمد ناصوري/ النظام السياسي وجدلية الشرعية والمشروعية، مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية، المجلد 24، العدد الثاني، دمشق 2008 . 

19 –  حكمت حكيم، حول مفهوم الشرعية، الحوار المتمدن في 12/7/ 2004. http://www.ahewar.org

20 – لقد استمدت ثورة 14 تموز احد معايير شرعيتها من اهتمامها بالطبقات المسحوقة وذوي الدخول المنخفضة التي زخرت بهم المرحلة الملكية وأورثتها اجتماعيا وسياسيا لحكومة لثورة. تقول الاحصاءات الرسمية أنه: “…في أواخر عام 1956، لم يكن سوى (21%) من السكان يعيشون في مساكن دائمية مزودة بأنابيب للماء الجاري. قد افضى هذا الأمر إلى حدوث انقسام مادي صارخ بين ال (30%) من السكان الذين يشكلون الطبقة العليا الغنية والطبقة الوسطى الميسورة، وال (70%) المتبقية الموجودة في قاع السلم الاجتماعي الاقتصادي التي كانت تعيش في فقر مدقع. وكان التفاوت في أقسى صورة في المناطق الريفية حيث امتلك أقل من (1%) من مالكي الأراضي ( 55%) من الأراضي ، في حين ثلاثة أرباع الفلاحين كانوا يمتلكون أقل من (17%)من الاراضي . وفي الواقع المر فإن الغالبية الساحقة من أسر الفلاحين كانوا لا يملكون أراضٍي أو كانوا كذلك تقريباً… ” د. عديد دويشا، تاريخ العراق، ص. 150، مصدر سابق. كما أنه “… وأكثر من ذلك، ففي العام 1958 كان أكثر من ستة أسباع السكان لا يزالون أميين. وهناك عامل آخر لابد من التشديد عليه، ألا وهو أن الملكية، بتمييزها عدداً أكبر من العراقيين عن الكتلة غير المتعلمة، كانت تمنح هؤلاء منزلة الطبقة الوسطى من دون أن تضمن لهم، على العموم، دخل الطبقة نفسها. وهنا يكمن أحد مصادر الاضطرابات التي كانت من المظاهر المتكررة في المدن والبلدات خلال العقد الأخير من العهد الملكي..” بطاطو، ج. 1، ص. 53، مصدر سبق.

21 – للمزيد راجع مذكرات الاشخاص المحوريين للمرحلة الملكية منهم : فاضل الجمالي؛ خليل كنه؛ عبد الكريم الأزري؛ توفيق السويدي؛ جميل الاورفه لي؛ رستم حيدر؛ ناجي شوكت ؛ جميل المدفعي ؛ أحمد مختار  بابان ؛ علي جودت الايوبي وغيرهم. كذلك عبد الرزاق الحسني في تاريخ الوزارات العراقية.

22 – يتجلى ذلك في انتقال ملكية أرض العشيرة المشتركة إلى ملكية خاصة للشيخ، كذلك عدم شمول العلاقات الزراعية بالقانون المدني العراقي بل خصصت لهم قانون ( دعاوى العشائر) المحابي للشيوخ، كما تم شرحه سابقاً.

23 –  لم يلزم دستور 1925 وتعديلاته 1943، أخذ موافقة السلطة التشريعية حول قانونية المراسيم والقرارات التي تتخذها السلطة التنفيذية، بل اكتفيا بعرضها على المجلس، وهذا ما حدا بالعديد من النواب إلى المطالبة بالتخلي عن فكرة إصدار المراسيم  كليا، نتيجة لتجاوزها حتى على الدستور ذاته. وما جملة المراسيم التي أصدرتها حكومة نوري السعيد الثانية عشرة ( 3/8/54 – 17/12/ 1955) التي حدت من الفعل الديمقراطي الشكلي وهيأت الاجواء لعقد حلف بغداد، إلا أحد الأدلة على الإستخدام التعسفي لحق إصدارها .وبلغ عدد  القوانين والمراسيم التي اصدرتها كل الحكومات الملكية 27، حدت من حرية المواطن على وفق الدستور. أما عدد المرات التي طبقت فيها الاحكام العرفية منذ الاستقلال الشكلي عام 1932 ولغاية 14 تموز فقد بلغت 16 مرة، اي غطت 40% من زمنية المرحلة الملكية. راجع، للمؤلف، الجيش والسلطة، ص. 344 وما بعدها، مصدر سابق.

24  – للمزيد عن تحليل بنية الوزارة الملكية بين العكسر والمدنيين راجع كتابنا الجيش والسلطة، مصدر سابق.

25 – حنا بطاطو، الجزء 3، ص. 116، مصدر سابق.

لقد ترجمت هذه المواضيع الأراسية في جملة من المنجزات. ولهذا { ما من شك بأن هذه الثورة التي كانت حدثاً بارزاً في التاريخ العراقي في القرن العشرين، تشمل بالمنظور الأصغر  كل تناقضات وإمكانات التغيير الديمقراطي والإصلاح الاجتماعي اللذين تطورا إلى حد ما في المجتمع العراقي… وبتعبير آخر، إن التأثير الاجتماعي للثورة كتحريكها للجماهير وتشجيعها للابداع الفني والأدبي قد تم تجاهله إلى حد كبير، كما تم تجاهل الدور الحاسم للثقافة في التغيير السياسي فيما يتعلق بكل من الثورة الاجتماعية والسياسية الديمقراطية… تجاهل أولئك الذين قدموا الدراسات المذكورة أعلاه التركة الايجابية للثورة }.

 اجمالا تختلف ثورة تموز عن المرحلة السابقة لها واللاحقة أيضا، في الكثير من مفاصل آفقها التاريخي، إذ تكمن في كل من:

– ماهياتها  وغائيتها الاجتصادية والسياسية ؛

– القاعدة الاجتماعية المستفيدة ؛

– نزعتها التحررية ؛

–  برنامجيتها وغائياته ؛

– وفي طبيعة الطبقة التي قادتها ؛ 

– واخيرا في الافق التاريخي لها.

لقد تمت ترجمة هذه الصفات في جملة من القرارات السياسية والاقتصادية، انعكست في مضامين برنامجيته العملية الطموحة التي طالت العراق: كجغرافية سياسية ؛ وطبقات اجتماعية ؛ وتكوينات أثنية.

 وكان للمنجز من الأهداف عناوين أساسية لفكرتين أرأسيتين  تحلت بهما سلطة 14 تموز وهما :

– التوزيع النسبي للثروة الوطنية من خلال الاهتمام بذوي الدخول المحدودة والفئات الفقيرة ؛

– الهوية الوطنية العراقية المستندة إلى النظام الجمهوري. 

وكلا الفكرتين تمثلتا وتجسدتا عمليا بحيث أهلتا أغلبية االمجتمع العراقي للاختيار الصحيح ،ووضعته برمته على سكة الحداثة والتطور.. نورد بعضا من منجزاتها بصورة مكثفة  في كل من: 

 – الاستقلال السياسي ؛ 

– سياسة تحرير الاقتصاد العراقي من الهيمنة البريطانية  ؛

– الخروج من الكتلة الاسترلينية ؛

– تحديث الانماط الاقتصادية الملائمة للتطور  والتوجه نحو النظام الرأسمالي الموجه  ؛

– السياسة النفطية والإشراف عليها من خلال : الهيئة العامة لشؤون النفط  

– تشريع قانون رقم 80 ؛

–  تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية  ؛ 

–  اعتماد التصنيع قاعدة للتطور الاقتصادي وشموليته لجغرافية العراق   ؛ 

–  محاربة الاحتكار السياسي لنخبة الحكم  ؛

– محاربة الاحتكار الاقتصادي لعوائل الحكم الملكي وذلك بتوسيع المشاركة في العمليات المنتجة والاستيراد   ؛

– قانون تعديل قانون السلطة التنفيذية ليكون أكثر ملاءمة لصيرورة التطور ؛

– قانون الاصلاح الزراعي وإلغاء قانون دعاوى العشائر  ؛ 

– توحيد القوانين والانظمة العامة للمجتمع العراقي ؛

– التوسع في حقول تقديم الخدمات التعليمية والصحية والخدمية ؛

– محاولات التخفيف من قانون التطور المتفاوت بين المدينة والريف ؛

– التوسع في البناء التحتي من مستشفيات ومستوصفات والسكك الحديدية والطرق والجسور والمطارات والميناء  ؛

 – قانون الأحوال المدنية وتعزيز حقوق المرأة  والطفل  ؛

– سن قانون الجمعيات والاحزاب السياسية ؛

– محاولات إلغاء الطائفية السياسية والانفراد بالحكم من خلال مكون واحد ؛ 

– تشريع قانوني العمل والضمان الاجتماعي لصالح العملية الانتاجية وإحقاق حقوق العمال ؛ 

– السياسة الضريبية المتصاعدة وقانون التركات بغية الحد من التفاوت في الدخول ؛ 

– الثورة التعليمية وتعميمها لتشمل الطبقات الفقيرة والقرى الفلاحية النائية ؛

– التوسع الكمي والنوعي بالتعليم العالي ، وزيادة البعثات الدراسية للخارج وبناء جامعة بغداد ؛

– سياسة الإسكان وشموليتها لذوي الدخل المحدود والطبقات الفقيرة والهامشيين في المدن ؛ 

– التوسع في استحداث مؤسسات خدمية للمواطنين من مستشفيات ومدارس  ؛

– الثورة الثقافية والسياسة التعليمية ونشرها إلى اقصى المناطق النائية ؛

– الإقرار الدستوري للقضية الكردية والحقوق الثقافية للمكونات الأخرى ؛

– حرية ممارسة الطقوس الدينية والاعتراف لغير المسلمين بمناسباتهم ؛

–  الافتقار النسبي للعنف السياسي الذي ترعاه الدولة ؛

– الانطلاق من أولوية العراق دون التخندق فيه ؛ 

–  التضامن العربي ودعم حركات التحرر بخاصة في فلسطين والجزائر وفي الجنوب العربي المحتل؛

– نبذ الاحلاف العسكرية ؛

– تبني سياسة الحياد الايجابي  والانفتاح على دول العالم بغض النظر عن ماهية النظام ؛

–  الانطلاق من مصالح العراق في العلاقات الدولية ؛

– إنجاز مسودتي الدستور الدائم وانتخاب مجلس النواب  .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان