حاورته: سعاد حسين العبودي
* في رأيك أين تكمن جودة القصيدة؟ أهي في اللغة أم في الصور الشعرية وما فيها من الخلق الخيالي؟
– لا يمكن اغفال أي قيمة لكل عنصر من هذه العناصر والتي تعتبر من أهم مقومات القصيدة الجيدة، يقول جوين كوين “إن اللغة الشعرية هي الانزياح عن لغة النثر باعتبار أن لغة النثر لغة الصفر في الكتابة”. لا ضير لو قلنا إن نتاج الوحدة بين الخيال واللغة يؤدي إلى خلق الصورة الشعرية، فوجود الخيال عنصر مهم جدا لهذا التمازج، إذن بالمحصلة النهائية يمكننا القول أن اللُّغة الشعريَّة هي جوهر الإيداع ووسيلة الصياغة الشعريَّة؛ وهي أداة الشاعر الطيعة في بناء الصورة، وتحفيزها البصري والجمالي.
* هل اجد لديك تعريفا للشعر خاصا بك؟
-إنّ الشعر عمل خطير وخطيرٌ جداً، ففي الحالات الاعتيادية من الممارسات البشرية يكون النتاج محصلة ايعازات ( عن طريق الحواس )، أما في الشعر فيكون النتاج مقتصرا على العقل فقط، وخارج المادي لإنتاج إبداع مادي… الشعر هو كائن عضوي مستقل، ردة فعل لملكة التخيّل، وليس ردة فعل لملكة التفكير، ممارسة إستثنائية للعقل البشري، ولا يمكن الخلط بينها وبين الممارسات الاخرى .
* أرى ثمة توأمة بين الهندسة والشعر، إذ أن الشاعر يعتمد على الشكل الهندسي في بناء القصيدة وتوزيع المفردات، ألا تتفق معي في ذلك؟
-نعم، وبكل تأكيد.. وبالنسبة لي هما جناحا التحليق والإبداع والخلق يحملاني إلى عوالم السعادة والبهجة، ولا يمكنني أن أتماثل لصيرورتي دونهما وربما يساعداني على ممارسة التنقّل ما بين الفضاءات وحتى الخطرة منها وبكل استرخاء ومن دون المساس بالخطوط الحمراء. إذن، هما متنفسي وأناقتي، ومن ثم كينونتي كإنسان.
* متى تحلّ القصيدة ضيفة على الشاعر منار القيسي، وكيفية استقباله لها، ومتى يجد نفسه في حضرة القصيدة؟
-لا وقت محدد ولا توجد حالة معينة أو طقس بعينه، القصيدة تأتي بكل هدوء واسترخاء بكل ما فيها من عذوبة ونزق ومشاكسة، ولكني أحسها كمزنة وردية تلقي غدقها على شاسع اخضرار، أما وجودي بحضرتها فهي من يقرر ذلك.
* هل تؤمن بأن الشاعر قادر على تغيير ما حوله من رؤى وأفكار، وأن للشعر القدرة على التغيير؟
-متى ما كان وعي المتلقي بمستوى يرقى لفكر الناص عند ذلك يتحقق التغيير.
* لقد شبَّه الشاعر الفرزدق لحظة ولادة القصيدة بأنها أشد إيلاما من خلع ضرس من أضراسه، فكيف هو الحال مع الشاعر منار القيسي؟
– لا، ليس الأمر كذلك.. وإنما هي حالة من الاسترخاء الشعوري المريح والمريح جداً. أنا أستغرب الوصف الذي يقول هي مخاض صعب ومعاناة و و و… بالعكس هي سحابة سرمدية، تأتي بكل إناءة وبأريحية تامة، تلقي صفاء ماحملت، وتغادر بأناقة.
* ألا تلاحظ في الآونة الأخيرة لجوء الشعراء إلى ترجمة الشعر، وثمة مقولة إيطالية تقول إن ” الترجمة خيانة ” إذ أن لكل لغة سماتها النغمية الصوتية المميزة، ومنطقها النحوي والتركيبي، والترجمة هي إعادة خلق النص، ومن ثم لا يمكن الوصول بالشعر إلى فضائه الأصلي، فماذا تقول في ذلك؟
-نعم، صحيح.. وربما النتاج للنص المترجم يأخذ مسارا لا يرقى في المعنى للنص الأصلي ولا لجمالياته، وعندئذ لا يكون الأمر (خيانة ) فقط بل ربّما يؤدي إلى قتل النص الأصلي.
* أغلب مجتمعاتنا مريضة بالإنفصام، ومن ثم أن المرأة الشاعرة لا يمكنها التعري الشعري عند فعل الكتابة، خوفا مما يصيب مكانتها الاجتماعية والاعتبارية بعكس الرجل الشاعر، فما رأيك بذلك؟
-نعم، صحيح.. ما زال الصراع قائما بين الحضارة والبداوة بجميع أشكالها وضمن كينونة الرجل الشرقي، وهذا ما أشار إليه د.علي الوردي في كتابه (الأخلاق) على الأقل ضمن مجتمعنا العراقي الذي هو جزء لا يتجزأ من الموروث الشرقي عامة.
* الأدب النسوي مرتبط بمعالجة قضايا المرأة والدفاع عن حقوقها من دون أن يكون الكاتب امرأة بالضرورة، فيعرفه البعض على أنه “الأدب المرتبط بحركة نصرة المرأة وحريتها وبصراعها الطويل للمساواة بالرجل”، بينما يعده البعض الآخر “مصطلحا يستشف منه افتراض جوهر محدد لتلك الكتابة بتمايز بينها وبين كتابة الرجل” ألا تعتقد بأن هذا المسمى يقود إلى التصنيف؟ وهل تؤمن بذلك؟
– هذه التسمية مرفوضة جملةً وتفصيلاً ولا أقر بها. الأدب هو الأدب والتمييز والإجادة تعتمد على ما يقدمه الأديب من دون النظر إلى تركيبته الفسيولوجية أو العرقية أو أي تصنيفات أخرى.
* وأنا أتنقل بين مجاميعك الشعرية من أتبغي رجوعي، إن للبحر طباعي، ست النساء، كيف لي، وصولا إلى المجموعة الأخيرة ” من أوراق رجلٍ ” وجدتك تتحول من شعر التفعيلة إلى النثر المكثف، والحق يقال وجدتك مائزا ومكثفا في الانتقالة، هل هو تنوّع في الكتابة؟ أم ذلك تمهيد بأن ينحو الشعر نحو النثر؟
– للنثر الفني نكهة خاصة، ربما لا تتوفر في قصيدة التفعيلة أو القصيدة العروضية، إذ أنها تعتمد كما يقول النفّري ” كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة” وطالما أن الشاعر حاليا أصبح ضمن كم هائل من الدراية المعرفية، وذلك لتطور الأدوات والتقنية المعلوماتية الحديثة، والإيقاع السريع لرتم الحياة صار من المسلّم به أن يدرك تلك الحقيقة.
– بحسب علمي تمت دعوتك إلى المشاركة بمهرجاني ” القصيد الذهبي ” و ” فصول الشعر الأربعة ” في إطار صفاقس عاصمة الثقافة العربية لعام 2016، هل فتحت لك مشاركتك آفاقا ومنافذ جديدة للتعريف بتجربتك الشعرية، وربما للتعاون فيما بينك وبين شعراء تونس لمشاريعٍ قادمة؟
– بالتأكيد وبعد أن عجزت مؤسساتنا الثقافية الرسمية وغير الرسمية عن تحقيق الحد الأدنى من التعريف بالأدب العراقي، والأدباء الحقيقين من غير المتثاقفين، وخلال الفترة المنصرمة ولما بعد عام 2003، بل توجّب على الشاعر أو الفنان تسويق نفسه بالشكل المناسب ودون اللجوء إلى تلك المسميّات الرثة والتي تحتاج إلى إعادة نظر في مساراتها التي أثبتت عدم جديتها، أما من ناحية التعاون فلقد حققت الكثير من النجاحات من خلال الندوات والجلسات الثقافية والفكرية ليس فقط مع شعراء وأدباء تونس وإنما مع شعراء من أقطار الوطن العربي كافة، وشعراء فرنسيين أيضا.
وكان لنا حضور مميز فاعل ضمن البرامج الثقافية في دار الإذاعة التونسية، وأنجزت بعض الدراسات التي نشرت في الصحف المحلية العراقية والتونسية تتضمن إضاءات في بعض المتون الشعرية لأدباء من تونس أيضا، وسيكون هناك مشاركات أخرى لاحقة، وربما قد سبقتني سمات تجربتي الأدبية الى اقطار المغرب العربي والتي لاقت استحسان الذائقة الحصيفة هناك، وهذا ما لمسته.
* ما زال الشاعر والأديب العراقي يعاني من مشكلة الطباعة والنشر والتوزيع، والمشاركة في معارض الكتاب الخارجية، لماذا برأيك يلجأ الشعراء إلى الطباعة خارج البلد؟ أهذا يعود إلى حداثة هذه الدور وقلة خبرتها في التصميم والإخراج والطباعة؟ وما هي سلبيات وإيجابيات دور النشر داخل البلد؟
– إن سلبيات دور النشر هي المشكلة وليس الطباعة، ولكن كان المفروض أن يكون ثمة دور أكثر جدية لوزارة الثقافة في مساعدة الأدباء الحقيقين في سبيل اغناء المكتبة العربية بنتاج حقيقي، وعدم الركون إلى المزاجية والانتقائية التي تخضع للعلاقات الشخصية.
*كلمة أخيرة..
– سأقول إن وزارة الثقافة العراقية غير فاعلة، ولم تستطع تسويق الأديب الحقيقي، مما اضطر لتسويق نفسه وينتشر بجهودٍ ذاتية، وأن يساهم برفع علم بلده في المحافل والنشاطات الخارجية.









