حسين الذكر
حينما اسدلت شمس يوم العاشر من محرم عام 61 هجرية ، ارتسم المشهد الماساوي بعشرات الاجساد المطهرة مضرجة بدمائها متوسدة تراب كربلاء ، بينها سبط الرسول (ص) ، مع عدد كبير من الذرية الطاهرة والاصحاب الاوفياء ، جميعها بلا رؤوس ، بعد ان احتزت واعتلت على الرماح لتقدم هدايا الى ابن زياد وخليفته الاموي . وقد ساد ظن دنيوي خاطئ ، ان الامور حسمت الى الابد ، وفعل السيف فعله واختتمت مسيرة العترة نحو ارض الطفوف بهذه الصورة التراجيدية ،تحت عين الرب وظل السماء . بعد شعائرية بشر بن حذلم الشهرية : ( يا اهل يثرب لا مقام لكم بها .. ) ، اهتز الوجدان الاسلامي في قلب مدينة الرسول المنورة ، بعدما ضجت المدينة ضجيجا لم تعش وتشعر باسى مثله من قبل ، أذ انها لم تحس بالم الفراق وحسرة الفاجعة فحسب انما كانت تعاني ضغط وحجم مسؤولية التاخر عن نصرة ال المصطفى وخذلان العترة والتقاعس عن اداء الواجب ، فكان ذلك ثاني فعل دق أوتاد الاحزان الدائمة ، بعدما كتب واراد الله ان يقام اول عزاء للحسين (ع) في قلب عاصمة الامويين ، بعد حادثة الزريبة ، وخطبة الوديعة سليلة الرسالة السيدة الطاهرة زينب الكبرى (ع) ، الوجدان الاسلامي الخامل النائم تحت دعاية الامويين . لم يكن ولن يخلد في بال القتلة ان الله جل وعلا انزل الذكر وتولى حفظه، والحسين جزء لا يتجزأ من القران تحت قرينة ( تركت فيكم كتاب الله وعترتي ) ، فتوقعوا ان السيوف ستقطع دابر الذكرى ، لم يعلموا ان ارادة الله نافذة وقد اراد له ان يبقى ما بقي الليل والنهار ، فتولى الامام السجاد (ع) دوره الريادي ، لنشر الفاجعة وترسيخها تاريخيا ، بانموذج الدعاء والبكاء ، ليكون مكملا لما تقوم به السيدة زينب (ع) ومعها بقية العترة الناجية من المذبحة التي جاء بها الحسين عليه السلام عن وعي تام ، لتقوم بهمتها الاعلامية الرسالية الجهادية على أفضل وجه .
ثم توالى فضل الله ولم تمر الا بضع سنوات هي اقصر واذل من ان تقارن بعبقرية الدم والتضحية والفداء ،واذا بالفاجعة تمتد لتنتشر بكل اوصال جسد وروح الامة المفجوعة بكل مكانها وزمانها ، ليرتفع شعار ( كل ارض كربلاء وكل يوم عاشوراء) ، ويفلت الزمام من يد السلطة ويثبت السيف فشل سياسته ولغته العمياء ،وتمتد الخيام وتتشح الافاق بالسواد ، عبر فعل سماوي ، كلما ارادوا له ان ينقطع اتسع عموديا وافقيا بعمق وضمير الانسانية جمعاء ، حتى سير واخضع الله كل التقنيات بخدمته ، وها هو العالم المتعولم يغطس حتى اذنيه ، في تقبل ومشاهدة جموع المؤمنين بلوعتها وكانها بنت اليوم والساعة برغم مرور مئات السنين على قتيل ظل دمه الطاهر يتدفق في سبيل الله وباذن الله وباعجازية الله . قبل ايام كنت وصديقي الحاج علي صاحب ، مع الملايين التي كتب الله الها التوفيق بحضور مجالس العزاء العاشورية ، وقد وفقنا بزيارة حسينية ال ياسين في الكاظمية المقدسة يوم الثامن من المحرم ، واستمعنا وشاركنا بمراسم رائعة تضمنت الذكر الحكيم والمحاضرة الدينية القيمة والمراسم الحسينية الاخرى ، التي ابهرتني حقيقة من جمالية المظهر والاخراج وحسن التنظيم والاداء وروحية القائمين عليها والبرنامج التربوي ، الذي كما وصفه الشيخ حسين راضي ال ياسين حفظه الله ( باننا نريدها شعورية لا شعائرية ) ،فبعد اعلانه عن مشروع مليارية الصلاة على محمد وال محمد ، سمعت عن برنامج تبرع بالدم ، وقد ادهشت حقا حينما حال بيننا وبين شرف التبرع ، تزاحم صفوف المتبرعين الذين احتشدوا بالمئات ، في مشهد دموي ما زال يثبت انتصار الدم على السيف وكل انواع الاسلحة الفتاك الاخرى ، التي ستبقى عاجزة خانعة ذليلة امام سر الله المتجلي بعالمية العزاء الحسيني .









