من هذه التجارب تجربة عولت عليها بريطانيا في تكريس احتلالها للدول وهي تجنيد ابناء تلك الدول لغرض تأمين متطلبات الاستعمار البريطاني ومساعدة قواته على تنفيذ متطلباتها وزرع الشقاق والفرقة بين سكان تلك الدول، وللمال دور كبير في هذا المجال ،اضافة الى ذلك فقد استفادت بريطانيا من احتلالها للدول الاخرى ان استخدمت ابناء تلك الدول للمشاركة في الحروب البريطانية مع الجيش الانكليزي، وكان اكثر هذه الدول التي تحملت العبء الاكبر هي الهند التي تعد من اكبر المستعمرات البريطانية ،عندما احتلت بريطانيا العراق وكان من ضمن تنظيماتها العسكرية قطعات من الهنود ولعدم كفاية هذه القطعات وقلة خبرتها في دول جديدة مثل العراق وعادات اهله وتنوعه القومي والاثني عمدت في العراق كما في المناطق الاخرى الى اسلوب تجنيد ابناء المناطق المحتلة، ولم يشذ الانكليز عن قاعدتهم في استغلال ابناء البلاد التي احتلوها لغرض تثبيت استعمارهم فيها . لقد نكبت شعوب عديدة من جراء استخدام ابنائها في قمع تطلعاتها التحررية واستخدام هؤلاء كاداة لضمان المصالح والاطماع الاستعمارية .وفي الهند مثلا وخلال الفترة الطويلة من استعمارها من قبل الانكليز تم استغلال عناصر من السكان الاصليين بغية اخضاع عموم الهند للسيطرة الانكليزية وكعادتهم في انتقاء من يستطيع تأدية المهمة على وجه افضل من الاقليات واصحاب الوطنية الضعيفة او من الوافدين الى البلد، وقد تم انتقاء (السيخ) مثلا لكي يشكلوا نواة القوة الضاربة في الهند حيث جرى استغلالهم وبقية العناصر الاثنية في حملات داخلية وخارجية . كما وان تاريخ الاستعمار الانكليزي في الشرق يظهر استخدام الاقليات بشكل عام كقوات ( ليفي).
كلمة ( ليفي) الانكليزية تعني :(تَجْنِيد , تَطْوِيع , تَكْلِيف , جبَايَة , ضَرِيبَة , مَجْبىً ).
حين وطأت اقدام المحتلين الانكليز البصرة في جنوب العراق سنة 1915 بهدف احتلال ما كان يعرف انذاك ببلاد ما بين النهرين ( العراق ) فان الانكليز طبقوا قاعدتهم المجربة المشار اليها اعلاه في تجنيد عناصر عراقية للعمل كمجندين لخدمة التاج البريطاني .
بدأت عملية تشكيل الجيش الليفي في العراق من قبل ضابط بريطاني عامل في القوة البريطانية في الهند ( J.I.EDUE) وبدأ بتطويع مجموعة في منطقة المنتفك بتجنيد 40 من ابناء العشائر العربية القاطنة حول الناصرية على نهر الفرات بهدف تشغيلهم لمصلحة قسم الاستخبارات الانكليزية .
القوة المؤلفة من 40 شخصا التي جندها الميجر (ج .أ.أيدي) في سنة 1915 كانت النواة الاولى للقوة الفعالة والمؤثرة التي استعان بها الانكليز في اخضاع العراق ابان فترة الاحتلال 1915-1920 والانتداب 1920-1932 .
هذة القوة الصغيرة نمت وازدادت عدة وعددا مع ازدياد الحاجة لخدماتها حتى بلغ تعدادها في ايار سنة 1922 (6199 مقاتلا ) والتي عرفت ( بقوات الليفي ) او كما اصبح سائغا خلال العشرينيات بـ ( عسكر جورج ) نسبة الى الملك جورج ملك انكلترا .
لقد مرت قوات الليفي منذ بدء الاحتلال سنة 1915 وحتى بداية استقلال العراق 1932 بمراحل متعددة تظهر مدى التغييرات الحاصلة في تشكيل هذة القوات وتنظيماتها الادارية والعسكرية وتركيبها الاثني والعمليات العسكرية التي نفذتها تحت امرة سلطات الاحتلال والانتداب.
ان تاريخ قوات الليفي خلال الفترة المشار اليها تمثل انعكاسات التاريخ السياسي للعراق، اذ بواسطتها يمكن التعرف على ادق التفاصيل الخاصة بموقف الانكليز من الولايات الثلاث البصرة – بغداد – الموصل اضافة الى ما توفره من معرفة لمواقف العرب والاكراد والاشوريين من الاحتلال والتطورات السياسية التي رسمت مسار ومصير مستقبل ابناء العراق بشكل عام .
التركيب القومي لقوات الليفي :
القوة التي شكلت من ابناء العشائر العربية حول الناصرية سميت في البداية ( خيالة المنتفك ) هذة القوة سرعان ما ارتفع عددها من 40 مقاتلا الى 60 حيث سميت باسم جديد وهو ( الكشافة العرب )،كانت مهمة هذة القوة التجسس لمصلحة الجيش البريطاني بالدرجة الاولى . هذه القوة تم التعامل معها بمنتهى المرونة اذ خضع الانكليز لرغبة المجندين بعدم ارتداء الزي الموحد للجيش الانكليزي وسمح لها بارتداء زيها العربي كما نجح الانكليز ولقاء مبلغ من المال بقيام المجند بتجهيز نفسه بسلاحة الخاص وعتاده وفرسه والماوى اللازم له ولحيواناته، هذة القوة شكلت ايضا النواة الاولى لقوة الليفي المعروفة بـ ( وحدة الفرات\ 5) .
في اذار سنة 1916 شكلت قوة اخرى من 60 شخصا اضافيا قام بجمعها الميجر هاملتون الضابط السياسي الانكليزي في الناصرية حيث اطلق عليها اسم ( الحرس السياسي ) اذ انها عملت بمهمة الحراسة للضباط الانكليز اثتاء تجوالهم واستطلاعهم في المنطقة ( ضمن عملية التحضير للزحف على بغداد ) اضافة الى اناطة مهمة الشرطة بها وكان افرادها، قد تقاضوا اجورا مساوية لتلك التي كان يتقاضاها ( الكشافة العرب) .. تم استخدامهم بنفس الشروط .
بما ان هدف قوات الاحتلال كان السيطرة على العراق واحتلال بغداد فقد جرى تحسين قدرات الليفي العددية وتم توسيع قاعدة عملياتها بما يخدم خطة احتلال العراق .
لقد دفعت الحاجة للاهتمام بالمناطق الاستراتيجية الى زيادة عدد قوات الليفي، ففي حزيران 1916 كانت هناك وحدات تعمل في الحراسة النهرية لحراسة خطوط التلغراف بين البصرة والقرنة والعمارة اضافة الى المهمات والواجبات الاخرى في المناطق التي سقطت بيد قوات الاحتلال الانكليزي ،هذه القوات وزعت بين الضباط السياسيين وشكلت النواة الاولى للقوة التي عرفت فيما بعد بـ( وحدة ليفي دجلة /3 ومنطقة القرنة).
في حزيران سنة 1916 ايضا تم دمج قوتى ( الكشافة العرب والحرس السياسي) واعيد تسميتهما ( حرس خيالة الناصرية ) اذ حصل تقدم ملحوظ في عددها حيث ارتفع في هذة الاثناء الى 150 مقاتلا وفي نهاية سنة 1916 بلغ عدد القوات العربية ضمن خيالة الناصرية 250 مقاتلا .
مع مواصلة التقدم الانكليزي في احتلال جنوب العراق باتجاه بغداد فان عدد افراد الليفي بدأ يسجل زيادات ملحوظة فبعد احتلال بغداد في اذار سنة 1917 نجد ان الوحدات المجندة بلغت في نيسان 350 مقاتلا في حين بلغت القوة الجديدة التي قام بتجنيدها المندوب السامي في حزيران من العام ذاته 500 خيال و 400 مشاة .
لقد واجه الانكليز مرة اخرى مشكلة الزي الموحد لقوة عسكرية كبيرة اذ اصر المجندون – بعد احتلال بغداد – على عدم لبس الزي الخاص بالجنود الانكليز رغم انهم كانوا قد اقتنعوا في سنة 1916 بان يلبسوا هذا الزي تحت ملابسهم العربية .
الا ان سلطات الاحتلال استطاعت اجبار القوة على لبس الزي العسكري الرسمي للجيش الانكليزي قبل نهاية عام 1917 .
القوة الضاربة تعمل ضد التطلعات الوطنية :
ظهرت بوادر المقاومة العراقية الوطنية للاحتلال الانكليزي ويمكن ان نلمسها من مسرح العمليات العسكرية والمراكز التي حظيت بالاهتمام العسكري فنجد في 12 نيسان سنة 1918 قيام سلطات الا حتلال بتشكيل قوة ليفي جديدة عرفت بقوة ( ليفي الفرات / 2 ) واطلق عليها اسم ( شبانة الحلة ) هذه القوة كانت تحت قيادة الميجر C.A.BOYLE ومن نشاطات هذة القوة نكتشف قيام حركات مقاومة وطنية ضد الا حتلال الانكليزي في وقت مبكر – بداية سنة 1918 – في منطقة الفرات الاوسط .
ان شبانة الحلة تعتبر اول قوة ليفي عاملة ضمن قوات الاحتلال توجه لخوض المعارك ضد ابناء عشائر الفرات الاوسط اذ امرت بالتوجه الى ناحية المدحتية بهدف تدمير المدن والقرى والقلاع الموجودة في المنطقة وبذات الوقت نهب المحاصيل الزراعية لموسم الحصاد اضافة الى تكليفها بمهمة اعتقال العناصر الوطنية المعارضة للاحتلال الانكليزي .
ازدياد الحاجة الى الليفي :
-وبالرغم من انتهاء الحرب العالمية الاولى وانتصار الانكليز وحلفائهم على دول المحورالا اننا نجد سلطات الاحتلال تسعى وبكل الوسائل لزيادة عدد قوات الليفي وتنظيمها كقوة عسكرية ضاربة مسلحة باحدث الاسلحة ومدربة تدريبا عاليا يتناسب والمهمات التي ادرك الانكليز بانهم سيواجهونها قريبا لا سيما الثورة في الجنوب والشمال – واول ملامح الفصل الجديد في تاريخ قوات الليفي التي جندها الانكليز نلمحها اواخر سنة 1918 حيث استبدل الاسم الممقوت من العهد التركي – الشبانه – الى خيالة المنتفك – وعبر الانكليز من خلال زيادة عدد افراد قوة الليفي هذه الى (5467) مقاتلا عن ابعاد مخططهم ليس لاستعمار العراق فحسب وانما ضمان مصالحهم في المستقبل القريب والبعيد .
-ورغم ان الاسم بدل مرة اخرى الى – ميليشيا – التي اصبح يرأسها الميجر س.ا.بويلي الا ان الاهتمام بتعزيز قدرات القوة والاهتمام بها عكس واوضح دورها في تثبيت الاحتلال البريطاني للعراق .
– ففي يوم 8 تشرين الثاني سنة 1918 كان قد صدر عن دوائر الاحتلال امر يقضي بجعل قوة الليفي – قوة ضاربة بيد سلطات الاحتلال .
كانت سنة 1919 قد شهدت توسع رقعة المعارضة الوطنية في مناطق الفرات الاوسط وبذات الوقت اجبرت ثورة الشيخ محمود الحفيد في السليمانية الانكليز على التكثيف من جهودهم في تحويل قوة الليفي الى قوة قادرة على التعامل مع مراكز الثورة والمعارضة الوطنية بتسليح القوة باحدث الاسلحة الانكليزية – البنادق القصيرة 303 – كان ذلك الامر واحدا من الاجراءات السريعة، كما ان اعلان التطوع العام الذي رافقه استدعاء رؤساء العشائر والشيوخ والوجهاء لتقديم المتطوعين، كان ايضا اجراء مكملا ،ولما كانت الثورة العارمة قد اندلعت شرارتها في عموم العراق معلنة رفض الجميع للاحتلال الانكليزي فان سلطات الاحتلال عالجت الموقف بتقسيم العراق الى مناطق عمليات خصص لها ما يناسبها من قوات الليفي بعد ان جرى تنظيم هذة القوات بموجب قرارات ايلول سنة 1919 فتم توزيع القوة بين مقر قيادتين جديدتين اطلق عليها اسم قيادة :
الاولى (A )
الثانيه (B )
وبموجب هذا التقسييم فان قوات الليفي قسمت الى :
القوة الضاربة وتعدادها 3075مقاتلا وزعت على المراكز الادارية المختلفة وحسب حاجة كل منطقة
الشرطة المحلية :
وتعدادها 1786 مقاتلا الحقت مباشرة بامرة الضباط السياسيين الانكليز في مناطق تواجدهم في العراق .
– وكان قد صدر قرار في 12 اب سنة 1919 تم بموجبه تغيير اسم القوة للمرة الثامنة لتصبح – (قوات الليفي العربية الكردية –).
– حيث نسب لها ثلاثة ضباط بدرجة – نواب المفتش العام – هؤلاء كانوا عمليا يشرفون على المناطق التي قسموا بموجبها العراق الى 3 اقسام رئيسية تكون مسرحا لعمليات قوات – الليفي العربية والكردية – حيث نسب لكل قسم ضابط تفتيش مع هيئة قيادة ومستشار .
في عام 1919 اتخذت مدينة الحلة مقرا رئيسيا لقوات الليفي سنة 1919 ومن ذلك يستدل على كثافة المقاومة العراقية للاحتلال التي كانت منتشرة في الفرات الاوسط عشية ثورة العشرين اذ ان شدة المقاومة اجبرت سلطات الاحتلال على اتخاذ الحلة كمقر عام للقوات الضاربة – قوات الليفي العربية والكردية –
– وحين قام الانكليز بتوزيع قوات الليفي على ثلاثة اقاليم جغرافية فانهم فعلوا ذلك بعد ان رفعوا من درجة التاهيل العسكري للقوة وحسنوا من قدراتها القتالية اذ قاموا بتدريبها وفق العقيدة العسكرية والنهج القتالي المتبع في الجيش البريطاني وسلحوها باحدث ما في الترسانة البريطانية من سلاح .
– وفي اواخر سنة 1919 كانت قوات الليفي في العراق قد تكاملت من حيث العدد والتدريب والسلاح وجرى تنظيم هيكلها الاداري والعسكري وقسمت الى وحدات مؤلفة من 25 و100 مقاتل وموزعة على المناطق الملتهبة في العراق .
– اما الاكراد فقد انحسرت على ما يبدو منطقة عملياتهم العسكرية بالالوية الشمالية من العراق .
– وفيما يخص الاهوار فيبدو انها كانت مصدر ازعاج لسلطات الاحتلال التي سعت دون جدوى لتشكيل قوة ليفي خاصة في منطقة – سوق الشيوخ – غايتها ومهمتها حفظ الامن والاستقرار في مناطق الاهوار ورغم الجهود التي بذلت الا انه لم يتحقق شيء.
– هذا ما كان عليه حال قوات الليفي الانكليزي لغاية سنة 1919 وقبل ثورة العشرين .
شاركت قوات الليفي في قمع ثورة العشرين وتكبدت خسائر كبيرة وقاتلت مع الانكليز ضد المواطنين العراقيين، وظلت قوات الليفي عاملة حتى نهاية الانتداب البريطاني على العراق في عام 1932 ثم صدر قرار بدمجها مع الجيش العراقي ولغاية نهاية الستينيات من القرن الماضي كان لايزال هناك البعض القليل منها في صفوف الجيش والشرطة ..
اقترن اسم الليفي بالاخوة الاثوريين وهم من كانوا يشكلون ثقلا في الجيش الليفي والسبب يعود الى تركيز الانكليز على الاقليات وخاصة الوافدين الذين جاؤوا الى العراق من جنوب شرق تركيا وتم توطينهم في شمال العراق اضافة الى العرب والكرد وغيرهم .








