حوارات وتحقيقات

معامل المياه في بغداد (موت معلب) وموقف السلطات بين الضعف والخوف

 

تحقيق- رامي الصالحي

 

بعد ان «ساق» الموت العراقيين عبر طرق شتى من «تفجيرات وقتل وتعذيب وخطف»، يستقبل العراقيون مجددا موتا بطريقة جديدة ومن دون معرفة القاتل، سم معلب بقارورات جميلة يتسابق المواطنون على شربه من دون معرفة مصدره وما يحويه من امراض. معامل عديدة فتحت في العاصمة بغداد لتعبئة المياه، منها من انزوت بين المنازل في الاحياء السكنية للتملص من الرقابة، وما يحدث هناك بانهم يعبئون سمومهم من دون معرفة وجوده في ايديهم وقنانيهم وحتى جدران معاملهم. في تقصينا وبحثنا في خبايا هذا العالم وما يلبد وراء هذه المصانع، حرجنا بالتحقيق الآتي… 

 أمراض وبقايا «السكائر» في علب مياه الشرب!!

*للموت في العراق اوجه عدة بعضها يأتي من بين اكوام النفايات متسللا مثل ظلال قاتمة على صحة الانسان بامراض لا تحصى عبئت بقناني مياه الشرب، هذا ما رواه لنا محمد سليم صاحب الـ (35) عاما الذي يسكن في منطقة الشعب شمالي بغداد، بعد سؤاله عن رأيه بشأن كثرة معامل تعبئة المياه في العاصمة. المواطن محمد، يشير الى ان «معامل تصنيع مياه الشرب انتشرت بشكل كبير وملفت للانتباه في الاونة الاخيرة بجميع مناطق العاصمة بغداد، ومن الغريب انتشارها بين المنازل السكنية»، مستطردا ان «غياب الرقابة في وزارة الصحة ومتابعة اجهزة التقييس والسيطرة النوعية وراء تفشي هذه الظاهرة التي تعود بنتائج صحية كبيرة على المجتمع». ويلفت، الى ان «غالبية هذه المعامل تستخدم مياه (الاسالة) ولا تمتلك الاجهزة الخاصة بتعقيم المياه»، كاشفا في الوقت نفسه عن «وجود العديد من حالات التسمم طالت عددا من المواطنين في الاونة الاخيرة بالمنطقة، بالاضافة الى انها اصبحت وسيلة لنقل الامراض».

*وفي السياق نفسه، يقول ابراهيم اسلام، صاحب الـ (40) عاما والذي يسكن منطقة الكرادة وسط العاصمة بغداد، إن «اغلب معامل المياه في الاحياء الشعبية عبارة عن محال صغيرة او داخل المنازل من دون اجازة ومن دون رقابة»، مضيفا «وتلاحظ داخل هذه المعامل التي تعبئ اوساخا اضافة الى ان العاملين لا يرتدون كفوفا ولايستخدمون اجهزة حديثة». ويضيف اسلام، أن «بعضهم يدخن اثناء التعبئة مما يتسبب بوقوع رماد السكائر في داخل علب المياه ومعامل تعيد تعبئة قناني المياه التي تجمع من الشوارع مجرد عملية غسل بدائية من دون اي مواد معقمة ولا توجد اي قياسات لنسب الكلور اثناء التصنيع  للمياه». ويبين المواطن، ان «اغلب فرق الرقابة التي تخرج للفحص والتفتيش تكتب تقارير مزورة مقابل اعطائهم مبالغ مادية رشاوى لهم».

 *آراء المواطنين، دفعتنا نحو السير قدما صوب وزارة التخطيط، لطرح هذه المشكلة، والتعرف على دورهم والحالات التي سجلوها، حيث قال المتحدث باسم وزارة التخطيط، عبد الزهره الهنداوي، إن «دور التخطيط يتلخص في توفير فرق جوالة من قسم جهاز التخطيط والسيطرة النوعية يعملون على متابعة جميع المنتجات الغذائية من بينها معامل تعبئة مياه الشرب»، كاشفة في الوقت نفسه عن «ضعف هذه الفرق في محاسبة المعامل التي لا تلتزم بمعايير الجودة المفروضة عليها». الهنداوي يشير حسب حديثه لنا الى أن «ضعف هذه اللجان هو لعدم وجود عناصر شرطة ترافقهم اثناء تفتيش المعامل وحمايتهم في حال حدوث اعتداء عليهم، كما يحدث مع لجان امانة بغداد»، مؤكدا ان «اللجان سجلت العديد من حالات المخالفات بحق هؤلاء المعامل». ويضيف أن «عدم الالتزام بنظافة المعمل وعدم نظافة العمال العاملين فيه، فضلا عن عدم استخدام مواد معقمة ذات مواصفات عالمية ابرز المخالفات التي تسجلها الوزارة شهريا»، لافتا الى ان «الفرق الجوالة تسجل مابين الـ 10 % الى 15 % بحق معامل تعبئة مياه الشرب في العاصمة بغداد، من نسب المخالفات التي ترصدها شهريا».

غلق «المعامل المخالفة».. ومجلس بغداد: دورنا رقابي وليس فعالا

رئيس لجنة الصحة في مجلس محافظة بغداد تقول من جانبها، إن «لجنة المجلس ليس لديها دور فعال بهذا الصدد سوى التنسيق مع وزارة الصحة لمراقبة هذه المنتوجات». لافتة في حديثها لنا الى أن «اللجنة عملت مع الصحة على اغلاق الكثير من المحال المخالفة واعطائهم وقتاً من اجل إعادة ترتيب اوراقهم حسب الضوابط التي وضعتها وزراة الصحة»، مشيرة الى ان «الاغلاق قد يصل اشهرا طوال حسب نوع المخالفة التي تعاني منها هذه المعامل».

 الصحة: الامن الوطني يحمينا!

*الخيوط «المتشابكة» التي زرعها المواطنون، في النفس قادتنا هذه المرة نحو وزارة الصحة، والتي بدورها  رفضت التعليق عن الموضوع بشكل مباشرة ونقلت مسؤولية التصريح لقسم الرقابة في وزارة الصحة، والتي لم تستجب لاتصالاتنا. لكن هذا الامر لم يعق قطار كشف الحقيقة، فتوجهنا بالسؤال الى مدير اعلام الرصافة قاسم عبد الهادي، قائلا إن «ظاهرة انتشار هذه المعامل بات ملاحظا بشكل كبير جدا في الاعوام الاخيرة»، موضحا ان «هناك الكثير من المعامل مخالفة للشروط التي وضعت من قبل وزارة الصحة». ويضيف عبد الهادي، في حديثه ان «اللجان التابعة لمراقبة المنتوجات اغلقت الكثير من المعامل في عموم مناطق بغداد، خصوصا في اطراف العاصمة». ويشير المدير، الى ان «اللجان الرقابية لا تخرج الا برفقة فرقة من الامن الوطني لحمايتها من الضغوطات التي يتعرضون لها»، مؤكدا في ذات الوقت ان «هناك قضايا اغلاق وصلت الى محاكم عليا للبت في امرها واخرى اغلقت فترة قليلة». هذا وتعد معامل تعبئة المياه الصالحة للشرب في جميع انحاء العالم حالة صحية وحضارية لكون أغلب البلدان تعتمد في ايصال المياه عبر مشاريع اسالة الماء على تكرير المياه وذلك للاستفادة من الثروة المائية التي تتاح في بلادهم، عكس ما حدث في العراق من استغلال ضعف الرقابة لتعبئته بسموم من نوع مختلف.

*احد العاملين في وزارة التجارة رفض الكشف عن اسمه، قائلا ان غالبية معامل تعبئة المياه في البلد غير حاصلة على شهادة «الايزو» الخاصة بالمواصفات الصحية العالمية للمياه المعدنية وتحتوي على الكثير من الشوائب، مطالبا الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية ودائرة الجريمة الاقتصادية باغلاق جميع المعامل غير الملتزمة بالشروط الصحية واحالتها الى القضاء باسرع وقت. وتنتشر في الاسواق العراقية حاليا انواع عديدة من المياه المعبأة بمسميات كثيرة، لكنها تفتقر للمواصفات والشروط الصحية، وازدهرت تجارتها لاسيما القناني الكبيرة التي تبلغ سعتها 20 لترا نتيجة عزوف المواطنين عن استخدام مياه الاسالة المجهزة عبر شبكة المياه العامة للشرب، تخوفا من الامراض المنقولة عن طريق الماء لاسيما الكوليرا والتايفوئيد. وكان الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية التابع لوزارة التخطيط، كشف ان اكثر من 40 بالمائة من المياه المعدنية العراقية و10 بالمائة من المستوردة غير صالحة للاستهلاك البشري، فيما اكد ان غالبية معامل انتاج الماء في البلد لا تحتوي على مختبرات لفحصها ولا تلتزم بتحديث اساليب الانتاج.

*من جهته، نبه مواطن يسكن في منطقة بوب الشام شمال شرق بغداد، الى انتشار المعامل المحلية لتعبئة المياه في المنطقة، نتيجة الافتقار الى حملات تفتيشية ورقابية من قبل الجهات المسؤولة لاسيما وزارة الصحة. وبين المواطن ان تلك المعامل تقوم بغسل القناني البلاستيكية بالماء والزاهي، ومن ثم ملئها بالماء العادي المستخرج من الاسالة، بعد ان يضاف اليه كمية من مادة الكلور، وفي حال عدم وجودها يستعاض عنها بمادة القاصر المخصصة لغسل الملابس او مادة الشب المطحون رخيصة الثمن، حيث تضاف كمية نصف كيلوغرام لكل الف لتر ماء وتترك يوما واحدا، ومن ثم يتم ضخها بواسطة فلاتر التنقية في قناني بلاستيكية تدون فيها علامات تجارية حسب الطلب وتروج للبيع عبر المنافذ التقليدية للوكلاء والمحلات. واضاف ان تصنيع القناني البلاستيكية لشرب الماء يكون عن طريق المواد المعادة مسبقا، واغلبها يتم جمعها من قمامات المستشفيات والوحدات العسكرية والكليات.

*من جانبه، قال المستشار الاعلامي في وزارة البلديات جاسم محمد سالم « ان «الفشل الذي قد يظهر احيانا في فحص المياه يكون بسبب التجاوزات الحاصلة على الخطوط والانابيب والشبكات ما يتسبب بتلوثها»، موضحا ان «الوزارة تصدر توجيهات دورية لمديريات الماء في بغداد والمحافظات بعدم ضخ الماء من اي مشروع دون اجراء عمليات التصفية والتعقيم عليه». واشار سالم الى ان «الماء المنتج حاليا والذي يضخ من مشاريع المياه هو معقم بمادة الكلور ومصفى بمادة الشب». ولفت الى وجود مختبر لفحص المياه في كل مشروع مائي ومختبر مركزي في كل مديرية ماء، اضافة الى المختبر المركزي الوطني لفحص المياه التابع للوزارة، فضلا عن قيام فرق ولجان من وزارتي البيئة الصحة بفحص المياه بالاعتماد على المحددات العالمية المعتمدة في فحص المياه وهي وجود 2.5 في فصل الشتاء و3 جزء بالمليون من مادة الكلور في اطراف الشبكة عند الفحص. واكد سالم أن «245 مشروعا مائيا تعمل على تجهيز المياه الصالحة للشرب بطاقة تبلغ نحو سبعة ملايين متر مكعب باليوم، فضلا عن 1850 وحدة مائية مجمعة بطاقات مختلفة تصل الى 240 مترا مكعبا بالساعة تعمل على تجهيز المناطق والقرى البعيدة عن مراكز المدن»، مشيرا الى ان «عمل تلك المشاريع ساعد بشكل كبير على التقليل من نسبة شحة المياه التي حدثت بعد العام 2003».

مياه معدنية «غير صحية» داخل منازل في بغداد 

*كشفت دائرة الرقابة الصحية في وزارة الصحة، امس الثلاثاء،عن وجود معامل لمياه معدنية «غير صحية» داخل منازل وسط بغداد، فيما أكدت غلق تلك المعامل. وقال رئيس شعبة الرقابة الصحية في الوزارة «، أن «شعبة الرقابة الصحية في وزارة الصحة ومديرية الجريمة الاقتصادية نفذت امس حملة لغلق معمل المواد الغذائية والتنظيف ومعامل تصفية المياه غير المرخصة»، مبينا أنه «تمت مداهمة ثلاثة معامل لتعبئة المياه في منازل بمناطق الكرادة والزعفرانية لعدم حصولها على تراخيص بالعمل من قبل وزارة الصحة، مما دفع الجهات المعنية الى إغلاقها». وأضاف أن «أصحاب المعامل تحججوا باستخدامهم أجهزة حديثة لتصفية المياه، إلا أن الجهات الرقابية ثبتت عكس ادعاءاتهم بعد الكشف من خلال جهاز خاص بان المياه المعبئة غير صحية وتحوي الكثير من المعادن لأنها لم تخضع للفلاتر التي تقل نسب المعادن بالمياه».

*فيما أكد مدير وحدة إشراف بغداد في الرقابة الصحية عمار ياسر إن «إجراءات فرق الرقابة الصحية موجودة من خلال غلق وغرامة وحتى إتلاف المواد الغذائية غير الصالحة للاستهلاك البشري»، داعيا أصحاب المحال التجاري الى «ضرورة التأكد من المنتجات التي يقوم بتسويقها أصحاب المعامل بأنها مرخصة ولديهم إجازة صحية بالإنتاج». يذكر أن كميات كبيرة من المواد الغذائية الصلبة والسائلة من معلبات ومشروبات ولحوم والزيوت النباتية والأجبان تدخل إلى العراق، بالإضافة إلى وجود الكثير من المعامل تقوم بانتاج العديد من المواد الغذائية ولا تخضع للرقابة الصحية.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان