ملف خاص

طالب بالإرشاد عن الشيوعيين وإبادتهم بيان الإبادة رقم (13) الصادر عن سلطة انقلاب شباط الاسود

 (هناك من يقول أن استشهاده كان في صبيحة يوم 9 شباط) في نفس الوقت الذي أصيب فيه الزعيم وصفي طاهر إصابة بليغة وخطرة. ومنذ الساعة الثامنة ليلا بدأت سلطة الانقلاب (مجلس قيادة الثورة)، الاعلان عن جملة من الإجراءات والمراسيم الخاصة بقوام تركيبة السلطة الجديدة وخاصةً السلطة التنفيذية وعلى عدة مستويات، العسكرية والمدنية، الإدارية والتنظيمية وغيرها من الإحالات على التقاعد وإحلال أتباعها  محلهم. منها: تعيين طاهر يحيى رئيسا لأركان الجيش بدلاً من أحمد صالح العبدي و د. عبد العزيز الدوري رئيسا لجامعة بغداد بدلاً من عالم الفيزياء عبد الجبار عبد الله وغيرهم. وفي التاسعة والعشرين دقيقة أذيع البيان (رقم 13) الذي طالب بالإرشاد عن الشيوعيين وإبادتهم. من هنا بدأ عرس الدم ومهرجانه، والذي لم يتوقف لحد الآن، بالرغم من بعض الفترات المؤقتة. ومنذ ذلك البيان، بوجه خاص، أصبحت موجة العنف الدموي [… موجة ثأرية دموية فئوية ذات طابع قومي، جاءت في أعقاب الموجة الأولى (يقصد بها المؤلف الفترة 1959 لغاية شباط 1963 – الناصري) وكنتيجة من نتائجها أو للرد عليها. وبدا تنفيذها بإسقاط نظام عبد الكريم قاسم وإعدامه هو وأنصاره بمجزرة بالغة القسوة والشراسة، انتهت بانتصار القوميين والبعثيين. وقد استهدفت تلك الموجة في بادئ الأمر سحق تيار الحركة الشيوعية وتنظيمها، فنفذت خلالها عمليات واسعة من التصفيات الدموية الرهيبة ضد أتباع وأعضاء وأنصار الحركة الشيوعية في العراق وسقط بسببها المئات من الأبرياء وسادت موجة مرعبة من الإرهاب الفئوي العقائدي…]. وسرعان ما أصبح هذا القانون الرهيب ضمن مكونات الذاكرة العراقية والتي تفرض النكبات اقترانه الأبدي بها. نذكره هنا (البيان رقم 13) للتوثيق باعتباره أداة جرمية تلاحق كل من ساهم في هذه المجزرة: منفذاً أو مخططاً، داعياً أو مؤيداً، مهندساً لها أو متفرجاً عليها برضاه. كما أن مضمونه يدلل على الطبيعة السيكولوجية الاجتماعية لقوى الانقلاب؛ ومدى تخلفهم وماهية غائيتهم؛ دمويتهم وحقدهم الأعمى المتلحف بالثأرية البدوية وقيم الولاءات الدنيا. ندرجه هنا كوثيقة إدانة لكل من ساهم فيه، وهذا نصه: 

بيان رقم 13

نظراً لقيام الشيوعيين عملاء وشركاء عبد الكريم قاسم في تعاونه بمحاولات يائسة لإحداث البلبلة بين صفوف الشعب وعدم الانصياع للأوامر والتعليمات الرسمية. وعليه تقرر تخويل القطعات العسكرية وقوات الشرطة والحرس القومي بإبادة كل من يتصدى للإخلال بالأمن. وإننا ندعو جميع أبناء الشعب المخلصين بالتعاون مع السلطة الوطنية بالإرشاد عن هؤلاء المجرمين والقضاء عليهم. 

 

العقيد رشيد مصلح التكريتي

الحاكم العسكري العام

 

 وقبل الخوض في تحليل موجة الابادة المنفلتة والتي مثل هذا البيان منطلقها الرسمي، يجدر بنا التوقف على محرر البيان، الذي تم نشره بتوقيع الحاكم العسكري العام العقيد رشيد مصلح التكريتي. لكن أناط حازم جواد، في الآونة الأخيرة، اللثام عن شخصية كاتب البيان المشؤوم، حيث يذكر أنه طالب شبيب  عضو القيادة القطرية الذي “… شارك بجميع القرارات التي اتخذت في دار الإذاعة في الصالحية وكان سريع المبادرة، لكنه ارتكب خطأ (اقرأ جريمة- الناصري) واحدا ولم يستمع إلى نصيحتي وظل نادماً عليه لسنين طويلة قادمةً وهو تحرير البيان رقم (13)… وتوصل العسكر إلى تقييم أنه ما دامت هناك مقاومة… فعلى مجلس قيادة الحركة…إصدار إنذار نهائي للشيوعيين بإنهاء المقاومة فوراً… وجدت البيان جاهزاً وهو الذي يحمل رقم (13) ومنشأه الأستاذ طالب شبيب والذي يذكر اسم الشيوعيين صراحة في البيان ، فاقترحت شطبها وإحلال كلمة الفوضويين مكانها…. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة هنا ألا وهو لماذا يقترن اسم العقيد رشيد مصلح/الحاكم العسكري العام في الوقت الذي أصدر البيان هو (المجلس الوطني لقيادة الثورة) ؟  في حين أن محرر البيان هو وزير خارجية الانقلاب طالب شبيب؟؟ من جهة، ومن جهة ثانية إن حازم جواد، أمين سر القطر آنذاك، لم يستنكر ويرفض مضمون البيان بقدر ما انه اراد أن يغير كلمة الشيوعيين بالفوضويين.. بمعنى آخر أنه موافق على ماهيات البيان وتوجههاته الدموية حيث يقول:”… أنا اعترضت على لفظة الشيوعيين، قلت له ضع مكانها الفوضويين، فأصر طالب اصرارا عجيباً وقال : لا. نسميهم بالاسم حتى تفهم الناس. انا اعتبرت أن لا داعي لذلك لأنه سيسبب لنا ضجة في المستقبل ، وكان طالب يتندم دائماً على ذلك….

ومن القراءة الأولية للبيان وتفكيك محتوياته وتسليط الضوء على أبعاده الخفية، يمكن القول أنه:

1 – كان البيان استمراراً للعنف الذي مارسه التيار القومي في الشارع السياسي، وبخاصة منذ ما سبق محاولة اغتيال الزعيم قاسم عام 1959 لمساهمته في تنظيم عمليات الاغتيالات السياسية والمحاولات الانقلابية، حتى للخطاب السياسي الذي سارت عليه صحافته وأدبياته، وخاصة جريدة الاشتراكي (الجريدة السرية لحزب البعث العراقي) التي سبق أن كتبت مقالاً أكدت فيه [أن اليد التي تتعامل مع الشيوعيين ستقطع… ]. كما كان البيان استمراراً لأفكار وممارسات سياسية تقوم على قاعدة العنف وأيديولوجيته، فيما بين السلطة السياسية والمكونات الاجتماعية للمجتمع. وكان من نتاجها ما نحن عليه من تصعيد وانتشار لثقافة عنفية بالغة القسوة لم يشهد العراق مثيلها، وأصبحت إحدى سمات الحكم منذ ذلك التاريخ ولحد الآن؛ 

2 – أصبح [الموت.. نظرية عمل] لدى حكومة الانقلاب وكانت رداً تراجيدياً على نظرية الزعيم قاسم [المأخوذ بالحكمة القديمة – عفا الله عما سلف – ومبتدع الحكمة الجديدة – الرحمة فوق القانون – والتي تبدو أمام المتمسكين بنظرية الموت ساذجة وسخيفة…] ؛ 

3 – للمرة الثانية، في تاريخ العراق المعاصر، تتبنى الدولة في صيغتها الانقلابية رسمياً فكرة التهمة/المحاكمة على أساس الشُبه والوشاية المجردة والحكم عليها بأقسى العقوبات (إعدام الحياة).. أي تقوم التهمة على ركن غير منطقي ولواقعةٍ غير مادية وغير ملموسة. لقد سبق للحكومة الكيلانية الرابعة (12 – 4 – 1941/ 29 – 5- 1941) ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث أن عملت بهذه القاعدة واستمر العمل بها لغاية الحكومة العمرية الأولى (1 – 6 – 1946 / 14 – 11 – 1946). إذ تم إبطالها تمشياً والوضع الدولي الجديد الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. كما أن هذه الفكرة تناقض في الجوهر مما هو مُشرع في الفكر الإسلامي المنطلق من مضمون الآية الكريم { إن بعض الظن إثم } والتي في نفس الوقت تخالف صيغة بيانات الانقلاب المذاعة في ذلك اليوم والمقترنة جميعها بالبسملة. كما أن السياسة القمعية ضد الخصوم والتي اتبعت آنذاك، كانت تخالف القاعدة الإسلامية { لا تزر وازرة وزر أخرى }؛ 

4 – لم يحدد البيان أركان الجريمة ومظاهرها بصورةٍ ملموسة، حتى يعاقب مرتكبها باستلاب الحياة منه، أي دلل البيان على انهيار المقاسات والمعايير القانونية وإبدالها بهلامية القرائن الدالة عليها. وكان أخطر ما في البيان هو منح الشرعية القانونية للقتل الكيفي على أساس الهوية السياسية. وهذه إحدى سمات الديكتاتوريات التسلطية القمعية، عسكرية كانت أم قائمة على نمط الحزب الواحد؛ 

5 – توضح مفردة (الإبادة) عمق نفسية القسوة والثقافة الانقلابية لدى الحكام الجدد وساديتهم، وإصرارهم المسبق على اجتثاث حملة الفكر السياسي، وإن لم يرتكبوا جريمة محددة الأركان. كما تعبر هذه المفردة عن انحطاط القيم الاجتماعية والحضارية والاستهانة بالكينونة الإنسانية وبكل أبعاد روابطها. وهكذا نرى أن [… صدور البيان رقم 13 في 8 شباط / فبراير 1963، على الرغم من التبريرات التي قيلت عن أسباب صدوره يشكل بحد ذاته واحدة من أخطر الأحداث فظاعة، في السلوك الدموي لديكتاتوريات… ] الحزب الواحد.

6 – لقد أفضى البيان إلى نتيجته المنطقية ألا وهي شيوع وانتشار القتل العشوائي ومنحه الصفة القانونية، دون محاسبة ومراقبة منفذي الابادة، والتي طالت الأفراد والجماعات المكونة للمجتمع العراقي دون استثناء، مما وسم، بحق، هذا النظام بالإرهاب والدموي نظراً لكثرة ضحاياه في سلامه لا في حروبه الخارجية. لقد وصل بهم الأمر أن قصفوا بالطائرات الحربية، ولأول مرة في تاريخ العراق الحديث، الأحياء السكنية والمظاهرات السلمية المناهضة لهم، كما حدث عندما شن منذر الونداوي هجوماً بالرشاشات عليهم في الكريمات مقابل الإذاعة، وفي منطقة الزعفرانية السكنية، ودكوا بالمدفعية الأحياء السكنية في الكاظمية وعقد الأكراد؛ 

7 – وكان من نتائج البيان، المعبر عن فكرة الانتقام باعتبارها من منظومة المجتمعات السابقة للمجتمع المدني والمستندة إلى مبدأ القوة، أن أصبحت شهوة الانتقام من المعارضين الحقيقيين أو الوهمين أو المزعومين، لا حدود لها. حتى [أن ذلك البيان، ربما سيبقى أحد الخروقات الشنيعة للقانون وحقوق الإنسان في تاريخ العراق، لأنه أباح على نحو رسمي ممارسة القتل الكيفي بين الناس في كل مكان في العراق… ولعل صدور هذا البيان بحد ذاته يشكل واحداً من أخطرا لأحداث فظاعةً في السلوك الدموي لدكتاتوريات العقيدة الواحدة في التاريخ العراقي… ]، كما يرصدها العضو السابق في القيادة القومية لحزب البعث. ويذكر د. علي كريم سعيد عمّا عملته قوات الانقلاب بالكاظمية بالقول: [كما ارتكبت القوة خطأً كبيراً (مجرد خطأ!؟ – الناصري) عندما أقامت محاكمات صورية وفردية وحكمت بالموت على عدد من المقاومين بينهم أحد الزعماء الشعبيين (سعيد متروك) الذي نفذ فيه الحكم… ] في الكاظمية؛ 

8 – كما عبر البيان عن مدى تدني وعي المفاهيم السياسية والحزبية وذلك عندما استخدمت السلطة العقائدية القوة لأجل استئصال عقيدة فكرية منافسة لها. مما أفرغت توجهاتهم الفكرية من مضامينها الحقيقية وأصبحت شعاراتهم الرئيسية (الوحدة والحرية والاشتراكية) مجرد ة من مقوّماتها الواقعية. هذه الطريقة في التعامل مع الخصوم الفكريين، دللت على عمق ترسخ ثقافة العنف والانقلاب لدى منظري الانقلاب الفكريين. 

9 – أشرك البيان كافة الناس لا في عملية الوشاية فحسب، بل حتى في تنفيذ العقوبة خارج أطر المؤسسات المناط بها تنفيذ العقوبات قانونياً. إذ خول مؤسسات غير رسمية كـ (الحرس القومي) مثل هذه الصلاحيات. كما أن عدم الإرشاد من قبل الناس عن الشيوعيين اعتبر جريمة تستوجب المعاقبة. أي بمعنى آخر أرسى البيان مقومات نظام الوشاية على كافة المستويات الاجتماعية، والذي أصبح في بعض مفترقاته الوسيلة الأسهل لتجنب الخوف من الخوف، والأسرع لشق طريق تسلق السلم الوظيفي والحزبي والحصول على المنافع الخاصة، ناهيك عن انبعاث الثأرية في المسلك الفردي. 

10 – لقد أدى هذا البيان إلى سيادة عالم الخوف والرهبة وتعميم أيديولوجيتهما إلى كافة مسامات الحياة الاجتصادية/ السياسية/الروحية، مما عطل مقومات استمرار الحياة المدنية الاعتيادية، بل بلوغها قاع الخساسة  الإخلاقية والسياسية والفكرية وذلك عندما أوصلت الإنسان إلى حالة القتل بدون كراهية.. عندما تقتل أشخاصاً لا تعرفهم ولا تكرههم ولا تشعر نحوهم بشيء، وهي من سمات الحيوانية بكل أبعادها. وهذا ما يمكن أن نطلق عليه غياب الحس الأخلاقي، رغم أنهم كانوا ذوي قناعات سياسية وحزبية راسخة، لكنها غير أخلاقية بالمعنى الواسع للمفردة؛ 

11 – وضح البيان في الوقت ذاته مدى تخوف الانقلابيين من عمق الاحتجاج والمقاومة المناهضة لهم التي أفزعتهم، حسب أقوالهم، والتي سادت كل أنحاء العراق، كجغرافية وتكوين اجتماعي. لذا حاول الانقلابيون معاقبة هذه الأكثرية المناهضة لهم بأقسى العقوبات، ألا وهي الإبادة. جاء عملهم هذا لأنهم كانوا يعتقدون أن المقاومة ستنهار خلال سويعات بعد حسمها في مركز الحدث/وزارة الدفاع. لقد ترجم هذا الموقف عملياً أنور الحديثي أثناء احتلاله لمعسكر الرشيد صباح يوم الانقلاب، إذ [… نادى على أحد الهاتفين (بحياة الزعيم – الناصري) وطلب منه إعادة هتافه، ولما أعاده أطلق عليه أنور من مسدسه الذي صوبه نحو رأس الجندي، فسقط على الفور ميتاً. وفرغت الساحة من كل المتظاهرين بسبب ما سببته العملية من رعب وذعر…]؛ 

12 – لقد حاول طالب شبيب تبرير صدور هذا البيان، بصورة متناقضة مع حيثيات مذكراته، عندما قال: [لم يصدر البيان المذكور ولا صدر لغرض إباحة الدماء وسفكها، وإنما سعياً لإيقاف القتال وحقن دماء أفراد لا ضرورة لها… وكان بامكاننا إصدار أوامر فورية للمدرعات بتدمير المقاومة وإسكات نيرانها (وهذا ماكان فعلا – الناصري)… ذلك دون غيره كان السبب وراء إصدار بيان رقم 13، الذي آثرنا إذاعته في ساعة متأخرة من الليل، بعد الاعلان عن تشكيل الحكومة ووصول اعترافات الدول بها وبشكل خاص برقية الرئيس عبد الناصر القوية والمشجعة والمباركة… وأستطيع التأكيد أن أحداً من الجنود المنتشرين في بغداد لم يقتل بعد إذاعة البيان الرادع، وسكت الرصاص الذي كان يطلق عشوائياً على الجنود بعد أقل من ساعة…]. (التوكيد منا – الناصري). إن منطق التبرير أعلاه يفنده ما يلي: 

أ – صدر البيان في الساعة التاسعة والعشرين دقيقة مساء الثامن من شباط وليس في ساعة متأخرة من الليل؛ 

ب – لم يصل أي اعتراف بسلطة الانقلاب من أي دولة، لحد اليوم التالي وبعد إعدام الحياة للزعيم قاسم ورفاقه؛ 

ج – تمت إذاعة برقية الرئيس عبد الناصر في الساعة الثانية والدقيقة الخامسة والثلاثين من صباح التاسع من شباط، باعتبارها اعترافاً شكلياً.

د – لقد أصدرت سلطة الانقلاب أوامر إلى المدرعات العسكرية بتدمير المقاومة وإسكات نيرانها حيثما وجدت وبخاصةً في الكاظمية والكفاح. وهذا ما أشار إليه د. علي كريم سعيد محاور طالب شبيب، عندما ذكر كيف صدرت الأوامر بقصف المناطق الشعبية. إذ عندما [تقدم الجيش إلى باب الدروازة ليقترب منهم (المقاومين – الناصري) ويوجه مدافعه وهاوناته إلى معاقلهم. وقد ردَّ فعلاً على إطلاقات الكلاشنكوف بقذائف من مدفعه، مما أدى إلى سقوط قتلى وخسائر أخرى، وذلك أدى إلى اعتراض البعثيين المرافقين على ضرب الأحياء… كان رد الضابط والله نحن عسكريين وننفذ الأوامر بحذافيرها… نحن مبلغون بالرد على الكلاشنكوف بقذائف المدفعية… وفي اليوم التالي توغلت القوات داخل الأحياء الشعبية… ]. ويشير يونس بحري إلى واقعة مشابهة عندما ذكر: [إن اصطدامات وقعت بين الجنود والحرس القومي المدني من جهة والشيوعيين من جهة أخرى في حملة شنت على بعض الجيوب الشيوعية… وقال شاهد عيان أن رصاص بندقية أطلقت من نافذة وردت عليه دبابة تابعة للجيش بإطلاق النار من رشاشاتها… ] (260) ؛ 

ه- كما عوملت المناطق المناهضة لقوى الظلام وكأنها بلد عدو، كما أشارا الاكاديميين بينروز؛ إذ “… اشتهر البعثيون والحرس بإستخدام وسائل وطرق غير معهودة في السجن، كالأسلاك الكهربائية المزودة بكلابات والإجلاس على خوازيق الحديد المدببة ، وقص الأصابع ورميها في أركان السجن المهملة. وفي الأيام الأولى للانقلاب فاض المعتقلون عما هو متوفر من معتقلات على ما شهدنا في تشيلي بعد عشر سنوات بالتمام، ففتحت لهم النوادي الرياضية ودور السينما وقاعات الرياضة وملاعبها وتبدى في هذه الأثناء ، أن المطلوب لا يقل عن الاجتثاث المادي الكامل لا للشيوعية فحسب ، بل للشيوعيين أيضاً. 

وبالفعل ثأر البعثيون بأن حدَّثوا القتل العراقي وصنعوه، وكان المَعْلَمْ الذي لا يخطئ { قطار الموت} الشهير … ثم عن سادية تُرجم إليها، للمرة الأولى معنى (الانقلاب) الذي بشر به ميشيل عفلق…. 

و- لم يتوقف إطلاق النار إلا بعد ثلاثة أيام بعد أن سيطرت قوات الانقلاب على مساحات من حقول الحياة الاجتماعية بكل أبعادها. ومع هذا استمرت المطاردات العسكرية لمناهضي الانقلاب في الأرياف لحين سقوط الحكم

ز – يُكذب شبيب نفسه بنفسه عندما قال: [ورغم أن قاسم بدأ بعد ذلك بتخفيف هجومه ضد القوميين ومنع اعتداء الشيوعيين ضدهم، فإن ذلك لم ينفع أو يفيد في غفران دم هؤلاء ] أي أن نية الإبادة مبيتة وكانت قائمة سواءً قاوموا أو لم يقاوموا الانقلاب. ويُكذب نفسه ثانيةً عندما يقول [… كان إطلاق الرصاص حتى صباح 9 شباط مستمراً بين القوة الكبيرة التي تحاصر وزارة الدفاع والقبو الذي تحصن فيه عبد الكريم قاسم مع بعض ضباطه… ]. أي لم يتوقف إطلاق الرصاص بعد إذاعة البيان كما يقول. 

ح – إن وجود القوائم المسبقة لإبادة الشيوعيين واليساريين، والتي زود بها الحرس القومي وقوات الأمن وشرطة النجدة، كما أوردها البعثيون أنفسهم بما فيم شبيب، تؤكد فكرة الإبادة المسبقة. 

13 – يعيد هذا البيان إلى الذاكرة، الفكرة الرئيسية التي كانت من مسببات تأسيس حزب البعث والتي تضمنتها إحدى وثائقه الحزبية الداخلية السرية، عام 1948، [… والتي تحدد فيها الهدف الأرأس من تكوين الحزب، وهو الوقوف بحزم ضد انتشار أفكار الاشتراكية العلمية (الماركسية) تحديداً ومناهضتها في العالم العربي بعامةً والمشرق منه بخاصةً …]. كما وقد تم الإشارة إلى الماهية الأرأسية لهذه الفكرة في نضال البعث، إذ لم يكف مكتب حزب البعث أبداً عن محاربة الخطر الشيوعي… فهو يطالب السوريين العرب بمحاربة هذا الشكل من الاستعمار الذي يخفي وراءه عناصر وطوائف مملوءة بالكره ضد العروبة، فيجب أن يتحدوا ضد هذا الخطر قبل فوات الأوان، وقبل أن يسمم الحزب الشيوعي الفكر العربي ويهدم الكيان العربي، لأنه يكون الأعاجم قد حققوا ما يتمنونه من أزمنة سحيقة ضد أمتنا…  “. بل والآنكى من ذلك أن “…ميشيل عفلق يقول في أحد كراريسه إن مقاومة الأفكار الهدامة لا تقتصر على مناقشتها ودحضها، بل تملي تصفية المؤمنين بها والداعين إليها، وكان لهذا الكلام تأثيره عليَّ…. 

 وتأكيدا لقول الفكيكي أعلاه تشير أحدى رسائل الدكتوراه الاكاديمية بإشراف المستشرق الفرنسي مكسيم رودنسون، إلى إن هذا الفعل الدموي للبعثيين ومعهم جميع القوى والاحزاب من التيار القومي التي كانت تحيط بهم من مدنيين وعسكريين،”…  تجد جذورها البعيدة في أيديولوجية حزب البعث المعادي أساساً للشيوعية. كما أنها تجد اسبابها القريبة في المعارك العنيفة التي دارت ما بين الشيوعيين والبعثيين منذ عام 1959. إن مسؤولية القيادة القومية وقيادات الحزب في هذا الأمر ، كبيرة. فهي التي عملت ، في نهاية التحليل طيلة فترة زمنية طويلة ، على تعبئة أعضاء البعث وأصدقائه وأجوائه ضد الشيوعية من الناحية الآيديولوجية أو السياسية، وكذلك النفسية أيضاً.

بالإضافى إلى هذا كله ، فإن الموجة العدائية الواسعة والمركزة ، التي أكلقتها أجهزة الإعلام داخل الجمهورية العربية المتحدة وخارجها ( إذاعة، صحافة، وغيرها) ضد حكم ( قاسم العراق) وضد الشيوعيين العراقيين والسوريين على السواء قد ألهبت النفوس وأثارت الانفعالات وهيأت بالتالي أذهان القوميين العرب وأوساطهم ، للقيام بأعنف الأعمال المتطرفة ضد الحزب الشيوعي العراقي … إن ضمانة الرئيس عبد الناصر الذي اعترف منذ الساعات الأولى بالنظام الجديد ونفوذه الواسع بين الجماهير العربية ، كان ذلك بمثابة نجدة ودعامة كبيرتين لحركة البعث الانقلابية في بغداد….    

 وهذا ما عكسته السياسة العملية للسلطة عبر البيان، والذي أكده تصريح […ميشيل عفلق إلى جريدة اللوموند الفرنسية، والذي أُعيد نشره في جريدة الأخبار العراقية بتاريخ 24 أذار 1963، أي بعد الانقلاب بشهر ونصف وقد جاء فيه: (إن الأحزاب الشيوعية ستُمنع وتُقمع بأقصى ما يمكن من الشدة في كل بلد يصل فيه حزب البعث إلى الحكم…)] (التوكيد منا – الناصري)؛

14 – لقد قوبل هذا البيان وترجمته العملية، بارتياح الأوساط الحكومية الغربية (وخاصةً البريطانية والأمريكية) واستحسنته. فعلى سبيل المثال لا الحصر، أشارت البرقية السرية للسفارة البريطانية في 10 شباط 1963 إلى: [3 – أن كل ما يمكن أن نقوله إلى الآن (والذي بالطبع ليس بعيداً جداً لحد الآن) أن النظام الحالي مشغول في مسح: أ – القاسميين؛ ب- الشيوعيين. والى هذا الحد فعلى الأقل فإنها أشياء جيدة بالرغم من أننا نتوقع صعوبات في المستقبل. وأن الناس الوحيدين الذين يمكن أن يستفيدوا في هذه المرحلة من محاولة إسقاطهم ربما سيكون الشيوعيون… ]. كما استحسنته شركات النفط الاجنبية والقوى التقليدية والدينية والمحافظة والبرجوازية الكبيرة في المدن والريف. 

وهكذا تكالبت القوى الداخلية المتضررة من ثورة 14 تموز ومسيرتها والتي تساندها القوى العربية (والناصرية أبرزها) والإقليمية والمراكز الرأسمالية التي جميعها:

عكفت بعد فشل تدخلهم لسحق ثورة 14 تموز وإحتلال العراق، على إستخدام السبل غير المباشرة للوصول إلى ذات الهدف من خلال طريقتين متداخلتين في آن واحد وهما: 

– محاولة احتواء النظام وقطع جذوره بقواه الاجتماعية عن طريق الترغيب المؤجل والتهديد المبطن؛ 

– ومن ثم الإجهاز عليه وعلى قيادته وقواه الاجتماعية وعلى الآمال المرجوة منه. 

وهذا ما تحقق في يوم 8 شباط، عندما ذبحوا الثورة التي لم يتجاوز عمرها سوى (1666) يوماً. لقد كان الانقلابيون أدوات تنفيذ ووكلاء عن الغير. 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان