ملف خاص

الحقيقة تنشر مقابلة صحفية بين الزعيم عبد الكريم قاسم والصحفي الكندي المستر بيتر ورثنكتون

في الساعة الثانية عشرة ظهر يوم الاربعاء 20 ايار سنة 1959 استقبل سيادة الزعيم عبد الكريم قاسم رئيس الوزراء بديوانه الرسمي في وزارة الدفاع الصحفي الكندي المستر ورثنكتون في مقابلة صحفية جرى الحديث خلالها في موضوعات تضمنتها الكراسة:

الصحفي : اشكر سيادتكم خالص الشكر لموافقتكم مقابلتي رغم اشغالكم الكثيرة.

الزعيم : انني مسرور لمقابلتكم خاصة وانك صحفي من بلد بعيد.

الصحفي : ان الغاية من مجيئي الى هنا لاطلع بنفسي على الحقائق لاكما اسمعها من مصادر اخرى وذلك لان العراق مهم بالنسبة الى كندا واريد هنا اتكلم بصراحة متناهية فأرجو المعذرة مقدما اذا كان في اسئلتي شيء من الاكثار.

الزعيم : ان كل اعمالنا مبنية على الصراحة ولما كنت تتوخى في اسئلتك الصراحة فساكون مسرورا لاجابتها.

الصحفي : لقد علمت بأن الصحافة عندكم حرة للغاية وهي تكتب بين فترة واخرى بعض الاخبار عن الولايات المتحدة الامريكية متهمة اياها بتدبير بعض المؤامرات وحوادث اخرى فما رأي سيادتكم بهذا الامر ؟

الزعيم : هل انك مطلع على ما تكتبه الصحف العراقية ؟

الصحفي : انني لم اقرأ النص الاصلي ولكنني قرأت ترجمة تلك المقالات ولاحظت فيها عدة اتهامات حول اشخاص معينين كالذين يعملون في النقطة الرابعة فهل يشعر سيادتكم بصحة هذا الامر؟

الزعيم : اود ان تخبرني عن هل ان الصحف اذا كتبت عن اشخاص معينين فمعنى ذلك انها تتهم الحكومة التي ينتمي اليها اولئك الاشخاص بتدبير المؤامرات ؟

الصحفي :انني اشعر بوجود مثل هذا الامر فأرجو ان ينورني سيادتكم عن ذلك .

الزعيم : اننا اناس مسالمون وبعين الوقت اصدقاء مع كافة الدول . وان أي دولة ترغب بالصداقة معنا بصورة صادقة فاننا سنستمر في ذلك ونتخذ السبل التي تؤمن ادامة الصداقة مع تلك الدول. ونظرا لكونك صحفيا وتبتغي معلومات عن العراق سواء بصورة شخصية او لصحيفتك فانني اود ان استعرض معك الحالة التي كانت سائدة في العراق في العهد السابق وفي الوقت الحاضر لكي تقدر الفرق بنفسك :-

ان الحكومة الامريكية كانت ذات علاقة قوية مع الحكومة السابقة وكانت وضعية البلد ومازالت متردية حتى الان فلو خرجت خارج بغداد وتغلغلت في الاوساط الشعبية لشاهدت حالة الفقر والفاقة والاهمال متفشية بينهم وهم على مستوى منخفض من الثقافة والحالة الصحية وما ذلك الا بسبب الاستغلال الفظيع الذي كان يقوم به بعض الافراد لمصلحتهم الخاصة وعدم اعارة المصلحة العامة أي اهمية تذكر. علاوة على ذلك فقد سخروا القوات المسلحة وقوات الامن والشرطة لتحطيم معنويات الشعب بكامله وكبت حرياته . ان بلدنا غني جدا وثرواته وافرة ومع ذلك فإن الشعب فقير جدا رغم الفترة الطويلة التي حكمت فيها البلاد الحكومة السابقة وبمساعدة حلفائها الغربيين فكان يجب ان يكون العراق بالنسبة الى تلك الاوضاع ونظرا لثروته الوافرة ، نموذجا وبلدا عصريا وعلى مستوى عال من الثقافة والمعيشة والحالة الاجتماعية ، ولكن الحكومات المتعاقبة انذاك لم تكن لها سيادة مطلقة في تصرفاتها وان سياستها لم تكن مبنية على الرأي الشعبي الصحيح أي انها لم تأخذ راي الشعب في سياستها ولم تتفق مع اراء ابناء الشعب في تصرفاتها . كما ان الحكومة لم تكن مخلصة له من الوجهة الصحيحة ولذلك فقد اشتركت في عدة اتفاقيات اعتبرها الشعب ضد مصلحته فتولد لديه كره دفين ضد الحكومة القائمة انذاك وضد الدولة التي ساندتها في سياستها .اما في الوقت الحاضر وبعد ان زالت الحكومة السابقة وتحرر الشعب وعمت الحرية كافة مرافقه والتي لمستها انت بنفسك في حرية الصحافة والتعبير ، اصبحت السيادة المطلقة لابناء الشعب ، والحكومة محايدة دون أي تأثير خارجي . بعد كل هذا لم يبق أي مبرر لاسباب العداء او حمل الفكرة العدائية من قبل ابناء الشعب تجاه أي بلد معين خاصة اذا اثبت انه صديق صادق  معنا لاننا نتعامل مع كل بلد على حد سواء . اعتقد ان هذه النبذة المختصرة كافية لايضاح بعض الامور والافكار التي تجول بخاطركم .

الصحفي : – ان كندا بلد محايد يهمها ان تعرف فيما اذا كانت الولايات المتحدة الامريكية او أي دولة من الدول الغربية تقوم بنشاط معاد ضد الجمهورية العراقية فهل هناك أي نشاط من هذا القبيل تجاهكم ؟

الزعيم :- لقد تعودنا نحن ان نكافح النشاطات المعادية مهما كانت وفي وقت حدوثها . ومثلما اخبرتك في بادئ الامر انه قد يجوز ان يتصرف بعض الاشخاص فردية وعندها يعتقد الشعب بأنهم مدفوعون بدوافع معينة من قبل دولة معينة، واننا تهمنا هذه التصرفات وسنبقى اصدقاء مع تلك الدول وندعمها ، وليس لدينا اية نيات عدوانية تجاهها .

الصحفي :- هذا صحيح وان مثل هذه الامور لا تحتاج الى مناقشة ولكن قد يكون الاشخاص الذين يقومون بمثل تلك الاعمال لا يمثلون راي دولتهم ، غير ان ابناء الشعب يعزوها الى  تلك الدول في حين انها تصرفات فردية .

الزعيم :- قد تحدث بين فترة واخرى تصرفات من قبل اشخاص معنيين مدفوعين بدوافع فردية صبيانية من تلقاء انفسهم ولذلك وفي مثل هذه الحالات لا يمكننا ان نحمل تلك الاعمال محملا عدائيا خاصة واننا بنيات حسنة معهم. ومع ذلك فاننا حذرون دوما ونتمكن من ان نحبط أي محاولة قد تقوم بها أي جهة من الجهات تهدد سلامة البلد . وفي نفس الوقت فاننا حريصون على دوام علاقاتنا الطيبة مع العالم وسوف ننصرف بالدرجة الاولى الى بناء بلدنا من الداخل وتحقيق مشاريعنا ورفع مستوى ابناء شعبنا الثقافي والصحي والمعاشي مستفيدين من ثروة البلاد وخيراتها الوافرة .

الصحفي : – ان لدى الغرب نوعا من سوء القصد والفهم تجاه سياسة الجمهورية العراقية فماذا يتصور سيادتكم على الدول الغربية ان تعمله لازالة سوء الفهم ؟

الزعيم : – من ناحيتنا خاصة بعد ان حصلنا على استقلالنا كاملا فليس عندنا أي نوع من سوء التفاهم مع أي دولة وان البلد بعد ان تحرر واستقل حلت الصداقة محل سوء الفهم .

الصحفي : – انني في الحقيقة مطمئن الى رغبة الحكومة العراقية في ادامة صداقتها مع كافة الدول ولكني اشعر وبصورة خاصة بان الولايات المتحدة الامريكية وانكلترا تعتقدان بأن ثقة العراق بهما ضعيفة ولذلك فإنني ابغي معرفة العوامل التي تجعل هذه الثقة قوية؟

الزعيم : – ان هذا الامر بسيط جدا فمتى ما شعر الشعب العراقي بصداقة تلك الدول فإن ثقته ستزداد بها خاصة وان الصداقة لاتبنى مع الحكومات ولكن تبنى مع الشعوب . فكل دولة اذا كسبت مودة الشعب المقابل كسبت ثقته وصداقته. هذه هي النقطة الاساسية وان بناء الصداقة مع اشخاص قلائل معنى ذلك انها تزول بزوال اولئك الافراد .

الصحفي : –  اعتقد ان هذا ما حدث للنظام السابق؟

الزعيم : – هذا ما حدث فعلا لنظام الحكم السابق حيث ان صداقة الدول معهم كانت مبنية على كسب اولئك الافراد. ان كسب صداقة الشعوب طرقها كثيرة فمثلا عندما يكون البلد في موقف حرج واحتضنته دول معينة صديقة باذاعاتها وصحفها التي تدافع عنه في مثل هذه المواقف فانها بتصرفها ستكسب ذلك الشعب وتجعله يشعر بانها بجانبه. ومع ذلك فاننا في الوقت الحاضر بلد صديق ولا نضمر الا النيات الحسنة حيالهم.

الصحفي :- انني اعتقد بأن الدول الغربية ترغب بان تكون صديقة للعراق ؟

الزعيم :- ليس هناك شك في ذلك خاصة واننا ليست لدينا اية نيات عدوانية تجاههم بل اننا بنيات حسنة. 

الصحفي :- اذن كل ما يحتاجه الغرب هو زيادة الصبر لكي يكسب صداقة الشعب العراقي؟

الزعيم : – ليس هناك شك من اننا سائرون على الحق وبالطريق الذي يؤمن مصالح شعبنا بالدرجة الاولى واننا نتعامل مع جميع الدول على اساس المنافع المتبادلة، وان أي دولة تسير على هذا الاساس، فان صداقتنا ستكون في موقف حسن اما في السابق فان علاقة الحكومة لم تكن مبنية مع بعض الدول على اساس المنافع المتبادلة بل كانت ثروات البلاد منهوبة حتى وصلت حالة البؤس والشقاء بين ابناء الشعب الى ماهي عليه الان وقد شاهدتها انت بنفسك.

الصحفي :- اعتقد بأن الغرب بدأ يدرك هذا الشيء؟

الزعيم : – امر اخر يجعل الدول تكسب صداقة الشعوب، وهو ان تجعل تلك الدولة شعبها يشعر بانه سيد في بلده وليس هناك من يتدخل في اموره وحريته .

الصحفي :- هل معنى ذلك ان على الدول الغربية ان تصدر الاوامر الخاصة بذلك ؟

الزعيم :-  لاحاجة  لذلك وكلما في الامر ان تجعل الشعب يشعر بان ليس هناك من يتدخل في امور حريته وعندها ينتهي كل شيء.

الصحفي :- في الحقيقة ان لدى الولايات المتحدة الامريكية في العراق تضخما في سوء الفهم لحقيقة الحالة في العراق، فهل يفكر سيادتكم بزيارة الولايات المتحدة لكي يطلع المسؤولين والراي العام الامريكي على وجهة نظركم وحقيقة الاوضاع في العراق؟ وسيكون لذلك اهمية بالغة .

الزعيم :- ان سوء الفهم هو من جانبهم وليس من جانبنا واننا نعمل لتركيز كياننا في داخل بلدنا ونحن لم نذهب الى بلدهم للقيام بامور معينة من شأنها ان تخلق سوء التفاهم بيننا والذي لا ادري عن أي شيء حصل ؟.

الصحفي :- انني شخصيا اعتقد بأن سوء الفهم من جانبهم ولذا فانني ارى ان تدعو جماعة من المسؤولين هناك لزيارة العراق او ان يزورهم سيادتكم لغرض التفاهم وايضاح بعض الامور التي اسيء فهمها وتصحيح افكارهم لازالة سوء الخلاف ؟

الزعيم :- اعتقد ان مجيئك الى هنا هيأ لك فرصة لكي تطلع على اننا بنيات حسنة وليس لدينا أي نيات عدوانية تجاه احد، وان شعبنا شعب وديع مسالم واننا كذلك في دور البناء لتعويض  ما فاتنا في السابق، ولنجعل من هذا البلد بلدا عصريا متحررا تعم عوامل المدنية كل بيت فيه، وعند ذاك فان الشعب بحد ذاته هو الذي سيعمل على ازالة كل اسباب الخلاف وسوء التفاهم بيننا وبين أي دولة كانت . اما قضية الزيارة او عدمها فيجب ان تبنى على الواقع وليس على الدعاية وان تنفيذها او عدمه لا يعتبر شيئا مهما جدا.

الصحفي :- هل يعتقد سيادتكم  ان قيام بعض الدول المحايدة ككندا مثلا بانشاء علاقات دبلوماسية مع العراق من شأنه ان يساعد على تحسين الاوضاع بين البلدين من جهة وبين العراق والدول الغربية من جهة اخرى ؟

الزعيم :- ان الجمهورية العراقية بحد ذاتها دولة محايدة ومسالمة وتود ان تقوم بينها وبين الدول الاخرى علاقات دبلوماسية من شانها ان تقوي العلاقة والصلات بينها وبين العالم الخارجي . وان تلك العلاقات تتوقف على طبيعة الخير او الشر لدى الهيئات الممثلة التي تعمل في بلدنا.

الصحفي :- ان كل الكنديين يحملون نيات حسنة دوما.

الزعيم :- لدي شخصيا اصدقاء ومعارف في كندا على الرغم من انني لم اذهب هناك وبصورة عامة فانهم اناس طيبون وعلاقتي كانت حسنة بهم وان الفرد في تصرفه قد يمثل القطر الذي ينتمي اليه احيانا . لقد التقيت بأولئك الاصدقاء خلال وجودي في انكلترا عندما كنت في دورة الاقدمين وبعد انتهاء الدورة استمرت علاقتي بهم بالمراسلات .

 الصحفي :- هل يعرف سيادتكم اسماءهم؟

الزعيم :- انهم اصدقاء وسوف تعرف اسماءهم فيما بعد .

الصحفي :- هناك خبر اعتقد انه يهم العالم اجمع يخص تشكيل وزارتكم القادمة وهل انها ستشكل كما يقال من الوزراء الشيوعيين ام المستقلين ومتى يتم ذلك ؟

الزعيم :- ان المهم في الامر مصلحة البلد وليس الاشخاص الذين سيقومون بتسلم مسؤوليات الحكم خاصة ونحن في فترة انتقال نهدف فيها الى مصلحة الشعب . اني شخصيا مع مجموع الشعب وانني فرد منهم اتعاون مع كافة الاتجاهات والميول اذا كانت تخدم مصلحة البلد .

الصحفي :- لقد قرأت في كثير من الصحف عندكم ايضاحات حول ضرورة اشراك الشيوعيين في الحكم وعلى الرغم من ان صحة هذه الاشياء او عدمها لا يهمني انا شخصيا كما لا يهمني تشكيلكم للوزارة القادمة على اساس حزبي او مستقل ولكني اود ان اعرف هل ان سيادتكم يشعر بأن هناك نوعا من الضغط لتنفيذ هذه المطاليب ؟ 

الزعيم :- انني شخصيا لا انظر الى الاشخاص على اعتبارهم من فئة او حزب ولكنني انظر اليهم من ناحية الخدمة الصادقة ودرجة اخلاصهم وارجو ان تعتقد بان جميع العناصر والفئات من مختلف الميول والاتجاهات هم في الوقت الحالي كتلة واحدة لايفرقهم مفرق مندفعون باخلاص لخدمة الجمهورية العراقية وصيانة مكاسب الثورة وانني شخصيا مندمج معهم لخدمة المصلحة العامة والسير بالبلاد نحو الوجهة الصحيحة ونحو المستقبل الافضل .

الصحفي :- هل يسمح سيادتكم بان يلمح لي عن موعد تشكيل الوزارة الجديدة ؟

الزعيم :- قد يكون التشكيل قريبا.

الصحفي :- انني كصحفي يهمني ان اعرف الموعد لاقرب تاريخ ممكن؟

الزعيم :- ولكنني كرئيس وزراء، ساعمل بالتروي وعدم التسرع في مثل هذه الامور وان الهدوء والحكمة في اختيار الاشخاص المسؤولين عامل اساسي يدخل في تقدير الموقف لمصلحة هذا البلد وهو الذي سيحدد الوقت التقريبي لتشكيل الوزارة القادمة .

الصحفي :- ان الحكمة اهم من السرعة في مثل هذه الامور؟

الزعيم :- ليس هناك شك في ذلك ومع هذا فان التشكيل سيكون قريبا .

الصحفي :- ان الولايات المتحدة الامريكية وبقية الدول الغربية لا تحمل فكرة سيئة عن العراق ولكنها تعتقد بان ذلك لا يتعلق بالعراق وحده اذا ما استطاع الشيوعيون السيطرة على العراق فان الشيوعية سوف تتسرب منه الى الدول المجاورة الاخرى فهل هناك ما يؤيد مثل هذا الاعتقاد ؟

الزعيم :- ماذا تقصد بتعبير الشيوعية تدخل البلد؟

الصحفي :- في الحقيقة هناك تخوف من دخول الشيوعية للعراق ولا يقصد من ذلك الشيوعيون الذين يعملون لمصلحة العراق ولكن القصد منها الشيوعية الدولية التي ان دخلت العراق فإنها ستنفذ منه الى الدول المجاورة الاخرى .

الزعيم :- ان الاشخاص الموجودين داخل العراق هم من ابناء الشعب ومن الناس المخلصين للجمهورية العراقية ويعملون لمصلحتها . كما اننا اناس ليس لدينا أي نيات عدوانية تجاه الدول المجاورة الاخرى ولا ادري لماذا تؤخذ مثل هذه التقولات على العراق وبأنه يفكر بالعدوان على غيره بل العكس فاننا اناس نعمل لمصلحة بلدنا ومن الناحية الثانية فاننا محايدون فهل هم يقصدون ان دولا اخرى تتدخل في شؤوننا؟

الصحفي :- بالحقيقة ان هذا مجرد مخاوف من ان الشيوعية اذا دخلت العراق تسربت الى الدول المجاورة الاخرى وقد تصل الى شمال افريقيا كما صرح بذلك مدير الاستخبارات الامريكية؟

الزعيم :- لقد اخبرتك في اول الحديث عن طريق الشعوب واقول ثانية بأن الصداقة لا تبنى على مثل هذه التصريحات والتصورات وان على الاخرين ان يظهروا نياتهم الحسنة تجاهنا .انني اؤكد لك باننا دولة مسلمة ومحايدة وصديقة مع الدول الشيوعية ولكن اؤكد لك ايضا بأن ليس هناك أي دولة تتمكن من ان تتدخل في شؤوننا وان السيادة المطلقة لابناء الشعب واهل البلد. ولذا فانني ارجو ان ترفع تلك الدول من مخيلتها مثل هذه التصورات التي توحي بأن لدينا نيات عدوانية ازاء الاخرين وان هذه التصورات بحد ذاتها هي تهجم علينا .

الصحفي :- هل ان هذا يعني ان سيادتكم لا يتخوف من ان روسيا تحاول ان تسيطر على العراق؟

الزعيم :- ليس هناك شك من ان روسيا دولة صديقة . وانني شخصيا سأبني صداقتي معها على اساس المنافع المتبادلة بين الشعبين وان السيادة المطلقة للعراق، ولا يمكن لروسيا ان تتدخل في اموره وسنعمل دوما على تنمية صداقتنا اكثر فاكثر .

الصحفي :- هل يشعر سيادتكم ان روسيا تساعد العراق في استقرار وضعه الداخلي وحل مشاكله اكثر من الدول الغربية؟

الزعيم :- ان العراق مثلما اخبرتك بلد محايد، والصداقة الحقيقة لروسيا تجاهه بتأييدها المطلق العاجل للجمهورية العراقية واننا اصدقاء معهم كما اننا اصدقاء مع بقية دول العالم التي ترغب في صداقتنا بصورة صادقة وحقيقية .

الصحفي :- هل  ذلك محاولة منكم لقطع العلاقات القديمة او اضعافها مع الدول الغربية ؟ 

الزعيم : – بالعكس ان صداقتنا  تزداد وتقوى بمقدار ما تبدي تلك الدول من النيات الحسنة تجاهنا .

الصحفي :- يسود العالم الان نوع من التوتر بسبب موقف الجمهورية العربية  المتحدة تجاه العراق  وان سيادتكم قد ابدى الحكمة فوق حكمة  البشر ازاء التهجمات عليكم من قبلهم وعدم الرد عليها فماذا تعتقدون الاسباب الداعية لقيام عبد الناصر بمثل هذه التهجمات وهل عنده خطط واطماع تجاه العراق؟

الزعيم :- طالما اننا اصدقاء مع جيراننا واخوة مع الدول العربية فلانضمر لهم الا المودة فليس لدينا اية نية مبيتة تجاههم او غير حسنة . ولذلك فانني شخصيا لا استطيع تقدير النيات التي يحملونها كما لا استطيع معرفة اسباب تهجماتهم.

الصحفي :- انني كذلك لا ادري اسباب ذلك.

الزعيم :- على كل حال ان الجماعات الذين يهاجمون العراق بصرف النظر عن حكوماتهم اذا رجعوا الى الحق وحاسبوا ضمائرهم سيعلمون بانهم على باطل واننا على حق ونحن الان نعمل على بناء كيان بلدنا ولا نفكر بالعدوان . اما التهجمات التي حصلت علينا  فاننا  قد عالجناها على اساس الواقع ولم نضمر بعد حلها أي عداء تجاه الاخرين.

الصحفي :- هل يعتقد سيادتكم اذا توقفت الجمهورية العربية المتحدة عن تهجماتها  نحوكم وقامت بإخلاص تغيير موقفها عنكم فهل توافقون على الاجتماع بها لتسوية سوء التفاهم والخلافات بينكم ؟

الزعيم :- اننا في الوقت الحالي لا نحمل أي نية عدائية لسبب الاساءة والتهجمات والاعتداءات التي حصلت علينا من قبل بعض الجهات بل العكس فاننا نحمل نية طيبة ازاء الدول المجاورة والدول العربية . واذا اوقفوا هم من جانبهم تهجماتهم تجاهنا فان موقفنا سوف لن يتغير ونياتنا الحسنة ستبقى كما هي .خاصة واننا اخوان مع الدول العربية ولا يمكن ان نتخلى عنهم . اما قضية الاجتماع او عدمه فهذا امر ليس ذي شان ويتوقف على الظروف والفرص الملائمة التي ستسمح بترك البلد.

الصحفي :- لقد علمت ان سيادتكم يعمل ما يقارب الـ ( 20 ) ساعة في اليوم فهل هناك لدى سيادتكم وقت للفراغ وكيف تقضونه؟

الزعيم :- ان الشيء الذي سمعته قد يكون صحيحا وانني اعمل بهذا المقدار من الوقت . ومن جملة عملي مثلا هذه المقابلة معك .ان العمل يتوقف على الامور المهمة التي تجري معالجتها وقد تستغرق وقتا طويلا او وقتا قصيرا ولكن الذي يهمنا هو النتائج التي نحصل عليها . اما الراحة فليست ذات بال وان النتائج الطيبة دوما تشجع على الاستمرار والاندفاع في العمل .

الصحفي :- هل يتمنى سيادتكم ان يبقى كالسابق جنديا يخدم البلد في حقل الجيش عوضا عن هذه المسؤوليات الملقاة على عاتقكم في الادارة ؟

الزعيم :- انني ما زلت في خدمة الجيش  . وهذه الواجبات المتعلقة بالمسؤولية واجبات اضافية ذلك لان الجيش قد اندمج في خدمة الشعب واصبحت الواجبات واحدة.

الصحفي :- لقد اصبحت واجباتكم في الوقت الحاضر اوسع واصعب مما كانت عليه في السابق وذلك بسبب العمل المشترك؟

الزعيم :- بالعكس لقد تعبنا كثيرا عندما كنا نشتغل قبل الثورة بالسر والخفاء وكانت عناصر الظلم تقاوم عملنا ولذلك نحن حذرون ونتوخى الحكمة والتقدير الصحيح وعدم العداء ونتوخى مصلحة البلد في تصرفاتنا فهل ترى ان ذلك كان اسهل من عملنا في الوقت الحاضر ؟ٍ

الصحفي :- اعتقد ان تلك الواجبات علاوة على عملكم مع القطعات والعمل السري  لمصلحة الوطن بغية التخلص من نظام الحكم السابق قد ضاعفت مجهودكم كثيرا ؟

الزعيم :- اضيف الى ذلك المقاومة العنيفة والمراقبة الشديدة التي كان يفرضها من كانت بأيديهم السلطة في ذلك الوقت .

الصحفي :- هل يستطيع سيادتكم ان يخبرني في حال غيابكم من الذي ينوب عنكم في العمل؟

الزعيم :- لقد ثبتنا هذا الشخص فهل تريد ان تعرف اسمه؟

الصحفي :-  نعم

الزعيم :- سوف تعرفه عندما لا اكون موجودا.

الصحفي :- ماهي اهداف حكومتكم لخدمة البلد؟

الزعيم :- اننا الان في مرحلة بناء سائرون نحو الحكم الديمقراطي الصحيح وفي كل يوم نتقدم خطوة جديدة تقربنا نحو ذلك ونحو استكمال ذلك الحكم . ان البلد كما شاهدته يحتاج الى تثقيف شامل ورفع مستواه الصحي والمعاشي والاجتماعي لكي نجعل كل فرد من افراده معتمدا على نفسه اعتمادا كليا كما اننا نسعى الى تقوية جيشنا لكي يصبح من القوة بحيث يستطيع الدفاع عن الجمهورية العراقية وصيانتها من كل اعتداء، وان هذه القوة سوف لم تستخدم للعدوان على الاخرين . ومن ناحية اخرى فاننا نعمل على نبذ القوانين القديمة الجائرة التي قيدت ابناء البلد لنضع محلها قوانين جديدة تؤمن بالمساواة والعدل وحماية حقوق ابناء الشعب والتعاون مع بعضهم البعض من جهة ومع المسؤولين في الجمهورية من جهة اخرى بغية خلق المجتمع الافضل . بالمناسبة كم يوما مضى على وجودك في بغداد ؟

الصحفي :-  عشرة ايام، ولقد زرتها قبلا بعد الثورة مباشرة وحضرت الى وزارة الدفاع .

الزعيم :- صحيح اني اذكرك عندما جئت الى هنا مع مجموعة من الصحفيين .

الصحفي :- ان ذاكرة سيادتكم ممتازة جدا.

الزعيم :- هل تلاحظ خلال تلك المدة بان شيئا من التغيير قد حصل علينا او اننا غيرنا توجهنا، حسب ما سمعت قبل مجيئك الى هنا في هذه المرة وهل ان الاخبار الاخرى التي سمعتها عن الحالة في العراق صحيحة ايضا ؟

الصحفي :- في الحقيقة انني لاحظت اختلافا بين ما تقوله الاخبار عنكم في الخارج وما انتم عليه  ليس منذ الان بل من زيارتي الاولى بعد الثورة في العراق واستنادا الى هذه الحقائق لو كنت انا عراقيا لعملت بكل اخلاص للجمهورية العراقية وقمت بعين الامور التي يقوم بها أي فرد من افرادها .

الزعيم :- شكرا على هذا الشعور ولقد كنت هنا بعد الثورة مباشرة ولابد انك تذكر اجتماعاتي مع الصحفيين في ذلك الوقت فهل ترى ان هناك تغييرا في سياستينا وافكارنا في الوقت الحاضر عن ما قلناه سابقا ؟

الصحفي :- على ما اذكر ان اراء سيادتكم لم تتبدل وانكم متمسكون بالاهداف التي من اجلها قامت الثورة وان الاوضاع مستقرة استقرارا جيدا والامن مستتب وليس هناك من هو معلق على اعمدة الكهرباء بعد ان قتله الشعب كما يدعون.

الزعيم :- اننا انفسنا لم نر مثل هذا المنظر فكيف هم شاهدوه؟

الصحفي :- هل يتصور سيادتكم ان الصحف الامريكية تكتب اكثر من غيرها امورا تختلف عن الواقع ؟

الزعيم :- انني لا استطيع ان اقول الصحف الامريكية او غيرها انما اقول بصورة عامة وانت ادرى بذلك لكونك في الخارج .

الصحفي :- ان كثيرا من الصحف كما اعلم تنشر بعض الاخبار المثيرة والقصص غير الحقيقية ارضاء للقراء.

الزعيم :- اننا نهتم بالحقائق التي هي خير دعاية لنا واننا بلد نسعى لتركيز كياننا في الداخل لنجعل من هذا البلد وشعبه جمهورية جديرة باحترام شعوب العالم وليس لدينا نيات سيئة ازاء دول العالم الاخرى . ان النور والكهرباء سيعم كافة مناطق العراق من الشمال الى الجنوب ومشاريعنا الاخرى سوف تتحسن وسنعمل على تنمية الثروة الوطنية ونحسن حالة السكن بتهيئة الدور الحديثة للمحتاجين من ابناء الشعب وسنسعى لرفع المستوى الثقافي ببناء المدارس لكي نجعل كل فرد من ابناء الشعب يشعر بانه صديق لكافة شعوب العالم وانه يحمل نيات حسنة تجاههم وسنكون بعين الوقت حذرين دوما ومتهيئين للدفاع عن انفسنا في أي وقت .

الصحفي :- لقد كان كل الوزراء الذين قابلتهم هنا في بغداد طيبين ويعملون بجد لخدمة الجمهورية .

الزعيم :- ان اسباب ذلك ترجع الى كونك صحفيا زائرا وهم يشعرون بانك صديق لهم ويرجع ذلك الى طبيعة ابناء الشعب العراقي الذين يتصفون بالهدوء والوداعة كما انني اعتقد بأن رجال الصحافة هم رسل خير وهمزة وصل بين دول العالم خاصة الصديقة منها .

الصحفي :- ان هذا الشيء مفرح حقا .

الزعيم :- كم ستبقى هنا من الوقت؟

الصحفي :- اسبوعا تقريبا لانه علي ان ارجع الى كندا، وسأعرض هناك الصورة الحقيقة الطيبة عن العراق .

الزعيم :- ليس هناك شك من انك صحفي طيب وصديق واني لا ابالغ بهذا الشيء، ولا أشك، لي القابلية ان اميز بين الطيب والخبيث، ولكن ارجو منك شيئا واحدا هو ان تكون بجانبنا اذا كنا على حق .

الصحفي:-  ليس هناك شك في ذلك واني اتمنى ان تسنح لي الفرص لازوركم  ثانية هنا في بغداد.

الزعيم :- على الرحب والسعة وستشاهد ان شاء الله عند مجيئك ثانية العمارات الشاهقة والمشاريع الواسعة والانجازات العظيمة في كافة انحاء العراق .

الصحفي :- يشرفني كثيرا ان احصل على تصوير لسيادتكم مذيلا بتوقيعكم لكي اعرضه في الصحف الكندية عند عودتي.

الزعيم :- سأهدي لك تصويرا بعد انتهاء المقابلة .

الصحفي :- اني اعتقد شخصيا بأنه من الخسارة ان لايزور سيادتكم الولايات المتحدة الامريكية لكي تعرضوا وجهة نظركم على الشعب الامريكي وستكون هذه الزيارة ايضا عاملا قويا لتحسين العلاقات بينكم .

الزعيم : – ان ذلك يتوقف على الظروف الملائمة والاحوال التي تستوجب البقاء في البلد ولفترة معينة من الزمن .

الصحفي :- لقد برهن سيادتكم على كونه شخصا صبورا طويل الاناة لمقابلتي الطويلة في هذا اليوم .

الزعيم :- لقد تعودت ان اكون صبورا دوما ومن صبر ظفر.

الصحفي :- انني  مسرور جدا لمقابلتكم واشكرك شكرا عميقا عليها، ليس كصحفي بل كمواطن كندي وذلك لصرفكم جزءا كبيرا من وقتكم الثمين معي في هذه المقابلة .

الزعيم :- انني مسرور بهذه المقابلة وآمل منك عندما تعود الى كندا ان تجعل ابناء الشعب الكندي يشعرون بانك قابلت اصدقاء لهم في العراق وعاملوك معاملة حسنة .

الصحفي :- ساكون جديا وصريحا في اخبار ابناء الشعب الكندي بتفاصيل زيارتي العراق بصورة عامة ومقابلتي لسيادتكم بصورة خاصة .

ونظر للطلب الذي عرضه الصحفي على سيادة الزعيم باقتناء صورة شخصية فقد اهدى سيادته تصويرا كتب عليه العبارات الاتية :-

هديتي الى كل صحفي يدافع عن حرية الشعوب واستقلالها ويعمل باخلاص لخير العالم ومكافحة العدوان .

فتقبلها الصحفي شاكرا لسيادته هذه الهدية الثمينة كما اهدى سيادته اليه مجموعة من المنشورات باللغتين العربية والانكليزية ومعها شعار الجمهورية العراقية الملون ،فطلب منه الصحفي ان يوقع على الشعار تذكارا لهذه المقابلة فلم يوافق على ذلك وقال للصحفي: بان هذا الشعار هو ليس ملك لي وانما ملك الجمهورية العراقية ولذا يؤسفني عدم امكاني التوقيع عليه وقد اهديت لك صورتي واعتقد انها تعوض عن ذلك خاصة وانها ملكي الخاص.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان