فنون

كريم العامري وذاكرة الأمكنة والكتابة الرمزية على الجدران

حاوره – كاظم السيد علي

عند زيارتي الى ورشة الفنان كريم العامري، شاهدت أعمالا زيتية كان الفنان قد نفذها بمهارة في ظل الظروف التي تعيشها البلاد ، المسألة الأساسية فيها هي أن جميع الأعمال تعالج موضوعا واحدا ( كلما هو معلق على هذه الجدران هو مقاطع الخراب الأولى التي احترقت فيما بعد ويأكل حريقه كلما حققته على مدى عشرين عاما ، هكذا قال الفنان العامري ويضيف : – ثم بدأت من جديد لاستذكر فيها وأنقب في فنايا سقفها المكون من الجذوع والحصران وثقوب الطين وبقاياي أشيائي ، سأقدمها خطابا صريحا خاليا من كل الشوائب المنقولة عبر البحار إلى وطن يلتحق بأعرق الحضارات ودنسته أقدام دخيلة ) .
إيحاءات فيها مزيج من الكآبة والغربة ، في تلك البيوت الخربة والمعتمة والجدران المهدمة ، بسبب الدمار الذي انتهك الإنسان العراقي، تفاصيل هذه الحالات في موضوعات تشكيلية تحمل ( مضمونا واحدا ) من خلال وحدة الأسلوب والتكنيك، فقد توغل الفنان بحثا عن الإنسان عبر المكان والزمان وما تركه من دلالات ورموز وطقوس وقد جسدها بصدق وعفوية عن واقع مر فحصن تلك ألاماكن المحترقة والجدران المهدمة واستخدمها استخداما جيدا ، لتلك الشخوص المغيبة والتي اختزلها الفنان تماما عن الوجود يريد الفنان أن يقول لنا بأن الإنسان يقف هنا معزولا ، فقد تمت تصفيته تماما على يد الأشرار أعداء الإنسانية والسلام ولكن بقية أشيائه تبرز بوضوح واقعي كالمسبحة .. وسبع اعين .. وسعف النخيل .. وطلاسم المثلثة وغيرها من الكتابات الرمزية، هذا ما أكده الزميل ناجح المعموري في كتابته عن هذا الفنان ” وظف الكثير من العلامات ذات الوظائفيات الشعائرية والسحرية محاولا تحصين بقايا المكان بها والاعتماد عليها في صيانة تاريخها الذي هو تاريخ الإنسان، والبقاء على ما فيها لأنها من تاريخ الإنسان ومخلفاته ومتروكاته الدالة على مرحلة مرتبطة ذهنيا بحياة الفنان ، ولعبت الرموز المقدسة والطقسية دورا كاشفا عن يقظة المحيط المنتج لها واستثمار العديد من مكوناته الرمزية والإشارة ، بحيث كانت الحضارة ومجالاتها البكرية حاضرة من خلال قواطم ورموزات شكلت في البدء لحظة التدوين الصوري للمثلث العاني ” ، .لقد ظهر في اغلبها الجدار المهدم والمحرق ، ورغم كل هذا فالكتابات التي كتبت عليها لم تمح ولم تختزل عكس ساكنيها فكانت البديل له ومازالت في ذاكرة الفنان ، فمن خلالها أعطى لمواضيعه بعدا إنسانيا اكبر ، رغم أنها ظهرت تراجيدية مروعة ومخيفة من جهة وامتلكت تماسكا جميلا في مفرداتها التشكيلية شكلا ومضمونا من جهة أخرى ، أما من حيث القدرة الإبداعية والنضج الفني فقد امتازت أعماله بقدرته التعبيرية وكذلك دقتها اللونية وتصعيد فاعليتها التوصيلية التي تجعلك تتوقف أمامها دون أن تغادرها وذلك لألوانها المتميزة والدافئة بغنائية عالية وبتقنية متمكنة في التعبير بصورة دائمية للاحداث والوقائع الاجتماعية والسياسية والتاريخية ، يحاول أن يمنح هذه الوقائع والاحداث أبعادا إنسانية تحمل في مكنوناتها وضوحا لما يمر به واقعنا اليوم ، والذي يعيشه إنساننا وانشغالاته اليومية والحياتية بشكل أكثر صميمية ومرتبطة معه ارتباطا جدليا في هذه المرحلة العصبية التي يمر بها الوطن الجريح ، فربما سائل يسأل لماذا هذا الاغتراب والمعاناة في تلك الفضاءات الصامتة وتلك البيوت الخربة الخالية والتي تتجسد بعمق في نفس الفنان العامري ؟ يجيب الفنان العامري على السؤال قائلا : في انجاز هذه الأعمال ساهم د0 كاظم المقدادي مساهمة كبيرة في تحقيق هذا الانجاز الفني الذي أنا أسميه ( خلود الخراب ) من حواره مع احدى البرلمانيات أوقد في داخلي شعلة ولد معها ألما أو فرحا وان كنا قد غادرنا الفرح إلى الأبد ، فجاء على لسانه عند محاورته قائلا : ” انتم ما الذي أنجزتموه كي تطالبون برواتب تقارب 35 مليون دينار، هل خرجوا لينتخبوكم موظفين برواتب فاحشة على هذه ألخربة” ؟ . حينها استوقفتني هذه الخرابة لأني نشأت في خرابة في قريتي احد قرى ريف المحاويل، وعشت فيها، هي كانت كل مقياسي ومرسمي، ومعبدي، ومكتبتي، أمارس طقوسي فيها كما أشاء.
 حتى ولد فيها كريم العامري ، الذي مازال يعيش في خرائب هذا الوطن من مكان إلى أخر بإيجارات باهظة ” في هذه الأعمال لقد عمق الفنان العامري رؤيته الفنية ، كما وسع دائرة همومه الإنسانية والإبداعية بلغته المعروفة .. ومكنوناته الرمزية والإشارات والدلالات المرتبطة بالعقائد والطقوس بعيدا عن التقاليد والمباشرة وهذا يدل على مقدرة العامري التكنيكية العالية ووعيه الفني الكبير في خطوطه ومفرداته التشكيلية، وأعطت انطباعا جيدا في مسيرة هذا الفنان وإبداعا رائعا في سجل أعماله ومساهمة جادة في حركة الفن التشكيلي  العراقي المعاصر .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان