فنون

اليساري الذي يُقاتل بسلاح السينما كين لوتش .. في فيلمه (أنا دانيال بليك)

لن تتفاجأ من موضوعات فيلم كين لوتش، المنحاز دوما لقضايا الفقراء وقضايا التحرر، ومناصرته للقضية الفلسطينية. وهو الداعي  في افتتاح الدورة الثانية لمهرجان السينما الفلسطينية الى مقاطعة إسرائيل قائلا: “بغياب فاعلية المجتمع الدولي الذي لايمارس أية سلطة ولايبحث عن إعادة الحقوق للشعب الفلسطيني، نحن كمدنيين، نفعل مابوسعنا لأجل ذلك”.
في فيلمه “انا دانيال بليك”، يتجه لوتش الى موضوعة الضمان الاجتماعي البريطاني، فاضحا هشاشته والبيروقراطية المقرفة التي تسوده، طارحا الموضوع من خلال شخصيتين رئيسيتين هما عامل النجارة دانيال بليك “ديف جونز” الذي يخبره الأطباء ان هناك مشكلة في قلبه لا تسمح له بالعودة الى العمل، والشابة  كاتي “هايليسكوايرز” التي وصلت توا من لندن الى نيوكاسل مع طفليها، باحثة عن الدعم
أيضا.
فيلم كين لوتش هذا يجعلك في قلب الحدث فورا وبدون مقدمات، فالمشكلة ذاتها التي يطرحها الفيلم نراها يوميا من دون الاهتمام بها، ربما بسبب نظمنا الاجتماعية التي نعرف أنها متهرئة أصلا، او لأننا نعرف تماما عجز الافراد عن حل مثل هذه المشكلة، إلا بجهد ونظام اجتماعي تتكفله الدول لرعاية مواطنيها.
لكن السينما بسحرها الكبير، تجعلك تنظم للتعاطف مع ابطال مثل هكذا مشكلة سواء في الفيلم او خارجه.
الامر الذي يثير التساؤل المهم وهو أحد مهام الفيلم “هل يمكن أن يهان الانسان وتهان آدميته الى هذا الحد” وكذلك، ماذا يحدث لو ان إنسانا ما رجلا كان او امرأة فقد أي مصدر دخل له في دول غير الدول التي تتباهى دائما بأنها صاحبة افضل نظام رعاية اجتماعية اذا كان الحال في هذه هكذا؟.
دانيال بليك، لا يجيد غير مهنة النجارة، التي منع منها بتقرير طبي، هو لا يعرف حتى كيف  يستخدم الانترنت، ولا يعرف كيف يملأ استمارة المعلومات التي يتوجب عليه تقديمها لدائرة الرعاية الاجتماعية، التي تكرر عليه احدى موظفاتها أسئلة مقيتة، تسبب له نفورا كبيرا، وتطلب منه ان يبحث عن عمل جديد حتى يتمكن من الحصول على المعونة الاجتماعية في حال رفض تشغيله، كاتي هي الأخرى تعيش حالة يأس، إذ تسكن مع طفليها بمنزل بدون كهرباء او وسائل تدفئة، التعارف بينهما يدفعهما الى مساعدة البعض، في مشهد صادم، يذهب الاثنان الى بنك الطعام، وهو مركز يقدم بعض الطعام والمستلزمات للمحتاجين، يدخل الاثنان الى المركز، احدى الموظفات تتعاطف مع كاتي وتبدأ في تعبئة الطعام المعلب لها ولأطفالها، لتقوم الأخيرة بحركة مفاجئة وصادمة، بأن تفتح علبة البازاليا وتلتهمها من شدة الجوع، إذ لم تأكل منذ أيام وتقدم ما تحصل عليه لأطفالها فقط، لتضطر بعد فترة الى سرقة احد المتاجر فيلقى القبض عليها، لكن الحارس يسامحها، مع وعد بالمساعدة، حين تذهب اليه تكتشف أنه يدير بيتا للدعارة، توافق على الاشتغال كعاهرة أفضل من أن تموت جوعا هي وأطفالها، ويكتشف بيلك ذلك مصادفة، فتتوتر العلاقة بينهما، لكن تعلق أطفالها به، تجعل العلاقة تعود ثانية، وفي مرحلة الحسم والانفراج ولم يبق على بيلك سوى التوقيع لكي يحصل على مرتب الرعاية، تذهب كاتي معه لمساعدته، يدخل الى الحمام، ليصاب بأزمة قلبية يموت على اثرها هذه المرة.
لم يرد كين لوتش ان يجعل تصوير الفيلم معقدا، لأنه أمام قضية معقدة، لذلك تحتاج الى بساطة في كل استخدام لعناصر اللغة السينما، لان الجمهور المستهدف أصلا، يريد أن يرى او أن تطرح قضية ببساطة على الشاشة، كونها معروفة أصلا من قبل العامة، لكنها تحجب او تحاول الجهات الحكومية ان تحجب بعضا منها عن الرأي العام، لذلك فإن مهمة الفيلم الأساسية هي اطلاع الرأي العام البريطاني وكذلك العالمي على البيروقراطية المدمرة في قانون الرعاية الاجتماعية او غيره، يقول وتش “لقد شعرنا أن القصة قوية جدا، لذا علينا أن نكون بسيطين جدا في التصوير، إنها لاتحتاج إلى أي زخارف”، فكانت كاميرا المصور روبي رايان، ومن خلال تصويرها للأحياء العشبية التي تعبر عن المستوى الاقتصادي لساكنيها، تجسيدا لما أراده لوتش من السير على ضمن منهج الواقعية الذي ينتهجه.
قاد لوتش ممثليه الرئيسيين “ديف جونس، وهايليسكوايرز” بحرفية عالية، ضمن خط الواقعية الذي ينتهجه، من خلال استغلاله لموهبة الأول في ابراز ملامحه التي تبدو مرحة على غير العادة التي يفترض ان يكون بها من يمر بمثل حاله، حتى انه متسامح ومحب لجاريه الشابين، بينما أدت هايليسكوايرز، دورها ببراعة مستغلة التعبير القوي لوجهها ولعينيها الواسعتين، وربما كان المشهد الأكثر تأثيرا في الجمهور، هو مشهد فتحها لعلبة البازاليا والتهامها، وحالة القيء التي انتابتها نتيجة
لذلك.
أخيرا يبقى كين لوتش مدافعا ومقاتلا سينمائيا فذا، سلاحه السينما وعتاده المنهج الواقعي الذي يستند اليه.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان