حوارات وتحقيقات

الرحالة سفين أندرز هدين وصورة الموصل خلال الحرب العالمية الأولى

رحلة سفين هدين الى الموصل
في الموصل التي وصلها في عنفوان الصيف في باكورة حزيران عام 1916، كان اول شيء يقوم به زيارته القنصلية الألمانية في جنوبي المدينة ووصف بنايتها والعلم الألماني الذي يرفرف فوق سطوحها..وكانت القنصلية الألمانية قد أسست في الموصل عام 1905 في اعقاب الاتفاق بين اسطنبول وبرلين على انشاء خط سكك برلين- بغداد وربطه بخط الأناضول في سياق التنافس بين بريطانيا التي كانت تحتل مصر والهند وتسيطر على قناة السويس وتحالفها مع روسيا قبيل الثورة البلشفية من جهة والأمبراطورية العثمانية التي ارادت استرجاع نفوذها في مصر بدعم الألمان من جهة اخرى..ولأن الخط الجديد الذي يعتقد انه احد اسباب اشتعال الحرب العالمية الأولى، يمر في الموصل من بين مدن اخرى وصولا الى البصرة، عمدت الحكومة الألمانية الى تأسيس قنصلية لها في الموصل مما يفسر اختيار موقع السفارة بالقرب من باب البيض في مكان قريب الى المنطقة المزمع مرور قطار بغداد – برلين بها..هذا بالأضافة إلى منح الحكومة العثمانية امتياز استثمار النفط في العراق.. ويواصل سفين هدين جولته في الموصل بوصف قلعة باشطابيا: (ومن الصعوبة بمكان تخيل قلعة تشاد فوق صخرة شديدة الإنحدار ترفرف شاهقة فوق ذلك النهر الملكي [دجلة].. وبتسلقنا الطريق المتعرج اليها واتخاذنا موقعا فوق السور رأينا مشهدا ينافس في جماله اروع المناظر في العالم، وهو مشهد يتكرر في كل خطوة تاخذنا صوب القلعة..ومن أعلى القلعة إرتسمت امامنا آثار عاصمة ملوك العالم القديم نينوى في تلقوينجق والى جانبها تل النبي يونس وهما من اغنى اماكن العالم بما يحتويانه من نوادر ومعادن ثمينة وآثار..ووراء التلال تترامى جبال أرمينيا وطوروس التي تكسوها الثلوج معظم ايام السنة)..ثم يتطلع سفين من قمة باشطابيا الى الأسفل ليرى الموصليات وقد جلسن على ضفة دجلة لغسل ملابسهن ..وفيما يبدو من وصفه ان نشاطهن لم يقتصر على غسل الثياب فحسب: (وعند الشاطيء شاهدنا مئات النساء يغسلن ويعصرن [ينشفن] ويعلقن ثيابهن لتجف تحت حرارة الشمس المحرقة..وعلمت ان تلك النساء يخرجن في الشتاء الى النهر ليغسلن الثياب على الرغم من كون الماء شديد البرودة غير انهن اعتدن احتمال البرد القارص احتمالهن الحر اللاهب في عنفوان الصيف..والحر في الموصل عينه في صيف بغداد، إلا أن شتاء الموصل أبرد منه في بغداد..ذلك أن بغداد تقع على ارتفاع 50 متر عن مستوى سطح البحر بينما تقع الموصل على ارتفاع 250 متر عن هذا المستوى..) ..ويبدو من هذا الوصف ان نساء الموصل كن قد شددن حبالا ربما شددنها حول قضبان من الخشب لتعليق الثياب عليها وانتظارها لتجف تماما قبل العودة الى بيوتهن ..مما يفترض احتمال انشغالهن بالأحاديث المتنوعة وربما بتناول الغداء في ظل باشطابيا قبل العودة الى البيت..ولم تفت سفين المدرب على دقة الملاحظة وروعة الوصف ملاحظة قطعان الجاموس تمخر مثل اكياس عملاقة منفوخة عباب دجلة: (وبالقرب من النساء المنهمكات في غسل ثيابهن ونشرها تردى قطعان الجاموس عائمة في امواج دجلة تنعم بضوء الشمس الغاربة قبل ان تنحدر صوب الجسر لتخرج عند الشاطئ يقطر منها الماء، والى جنوب القلعة وتحتها ينتصب مزار يحيى ابو القاسم بواجهته بديعة الزينة حديثة البناء، وعند مدخله سقف معمد يوفر الظل للزائرين)..تؤيد هذا النص صور ارشيف جرترود بيل التي زارت المكان عام 1909 ونستدل من ذلك ان تجديد الضريح قد تم قبيل عام 1917..وكان سفين قد زار بغداد قبل وصوله الموصل وتعرف على معالمها ومنها قبة اسماها قبة زبيدة وهو خطأ شائع لأن القبة التي رآها في بغداد هي لزمرد خاتون زوجة المستضيء بالله وتشبه بمخروطيتها قبب لاليش في شمالي العراق وتماثل قبة السهروردي في مقبرة الشيخ معروف..اذ يخبرنا ان مزار ابي القاسم: (تعلوه قبة شاقولية مدببة النهاية تشبه قبة قبر زبيدة في بغداد وهي نموذج لقبب اخرى شيدت في المنطقة..وبالقرب من المزار تنتصب قلعة خربة كانت على الارجح جامعا يطلق عليها بدر الدين سلطان لؤلؤ حيث توقفنا لوهلة للنظر الى اسراب السمك وهي تسبح ضد التيار رافعة افواهها المدببة ودافعة اجسامها بزعانفها نائية بنفسها عن صرير الناعور الذي يروي الحقل الضيق الممتد بمحاذاة الشاطئ [الشاروق] ومن حين لآخر يأتي قارب ليرسو تحت الجسر في الجانب الأيمن ويبدو وكأنه جزيرة صغيرة يتوسطه رجلان يتحدث احدهما الى الآخر وكأنهما بيضتان في طبق من الأسبيناخ الأخضر)..ويسترسل سفين هدين في وصفه النهر والأكلاك والمدينة بعفوية وبلغة ادبية رائعة تجمع بين العرض التفصيلي والتنوع التصويري وعلى نحو يدعونا الى معايشة التجربة الحية لمايرى ويحيا وعلى نحو مباشر: (ويستخدم اهل الموصل الأكلاك التي هي عبارة عن الواح خشبية مشدودة الى بعضها بحبال توضع تحتها جلود معيز منفوخة تستخدم لنقل البضائع والناس في دجلة ويقوم الكلاكون بتحميلها وتفريغها..أما الموصل نفسها فتمتد على شكل هلال في الجانب الأيمن من نهر دجلة..وفي الموصل لاتكثر المساحات الخضراء او الأشجار التي تزين الشوارع بجماله كما هو الحال في بغداد المزدانة بالملامح المميزة للمدن الشرقية؛ غير أن بيوت الموصل تختلف عن بيوت بغداد من حيث كونها اقوى واكثر تماسكا فهي ليست مبنية من الطابوق المحروق كبيوت بغداد..وبمقدورها الصمود مئات السنوات، وهي مصممة ومشيدة وفق الطراز العربي..ويمكن ان نجد بيوتا مماثلة لها في بغداد من حيث التصميم لكن بيوت الموصل متقنة في عمارتها..وغالبا ماتقع في زقاق ضيق لم يعنى بتنظيفه يقودنا الى مدخل رخامي ذي بوابة خشبية تتوسطه صقالة من الحديد معلقة بحلقة الى الباب الذي يأخذنا الى مجاز قصير يفضي الى فناء واسع ذي ارضية مربعة مرصوفة بالحجارة في وسطه شجرة توث او برتقال، ومن البيوت مايحتضن في قلبه حوض فيه نافورة مزينة على نحو أخاذ يتدفق منها الماء بما يبعث في النفس شعورا بالراحة والبرودة وبخاصة في ايام الصيف الساخنة..وتحيط بالفناء الأرائك والمقاعد المتاحة للجلوس وحيث تمضي الأسرة ولاسيما النساء والأطفال اوقات الراحة والمحادثة وتناول الطعام..وفي الطابق الأرضي يوجد المطبخ والمخزن والى جانبه قاطع خشبي يفصل غرفة الخدم والأسطبل..ويماثل الطابق الأرضي في البيوت الموصلية، الأيوان في بغداد حيث يستقبل الضيوف اما في الموصل فيصعد الى غرفة الضيوف بدرجات قليلة تقود الى الأيوان الداخلي في صدر البيت، ويؤدي الأيوان الداخلي الى غرف النوم الخاصة بالأسرة ويصعد اليها بدرج جانبي..ولايسمح للغرباء الدخول الى غرف النوم..ويوجد درج يؤدي الى السطوح حيث ينام اعضاء الأسرة في ايام الصيف..ويعمد الموصلي، ان لم يكن لأسباب تتعلق بالدين، فبدافع الخوف من الغيرة والحسد؛ الى حجب بيته واسرته ونسائه عن العالم ولهذا تكون زينة البيت وواجهته مكشوفة على الداخل وليس على الخارج..وهذا لاينطبق على المسلمين في المدينة وحدهم بل على السريان الكاثوليك والكلدان ايضا..ومن الممكن في بيوت النصارى للزائر ان يجلس مع النساء ويتناول المرطبات وهن كالمعتاد غير محجبات ولكني لاحظت وجود اختلاف هائل بينهن وبين قريناتهن الأوربيات فهن على الرغم من الدين المشترك فيما بيننا، خجلات وجلات ولابد من تعودهن على الضيوف والزائرين فترة طويلة لكي يتغلبن على خجلهن..وواجهات الجدران المقابلة لفناء الدار الموصلي غالبا ماتكون مزدانة بالزخارف العربية الزهرية التي تغطي الواجهات الرخامية في الجزء الأسفل من الجدار في جوانبه كلها باستثناء جانبي الدرج الذي يقود الى ايوان صدر البيت.. ويوجد قوس كبير تشغله نافذة السرداب او [الرهرة] التي تلجأ اليها الأسرة الموصلية للقيلولة في ظهيرة الصيف..والرهرة تكون باردة ينعم فيها الموصلي بنوم هانئ مريح..أما الشبابيك فمزودة بقضبان حديدية متداخل احدها بالآخر بحلقات تربط فيما بينها عموديا وافقيا وذلك لمنع السراق او تأخير اختراقهم للبيت او اي من غرفه بهدف السرقة..وتزود النوافذ العالية أحيانا بمشربيات خشبية تشبه نوافذ البيوت في القسطنطينية لغرض فتحها لنفاذ اشعة الشمس الى الغرف..وتحتضن الموصل العديد من هذه البيوت فريدة الطراز اما اصحابها فرهبان كنيسة او تجار اعتمدوا على ثروة ورثوها او اكتسبوها من المتاجرة ببالات القطن او خصافات التمور او المنسوجات الملونة وماإلى ذلك من تبادل للسلع بين الشرق والغرب او نقلها بين الجماعات والأمم الشرقية..ومنها ما توالد في سياقات الأرستقراطية التجارية وانتفع من عملات الذهب المتراكمة والمحملة في صناديق مكنونة تنقلها القوافل الصامتة المحملة ببضائع التجار وقد افلتت من سطو القراصنة ومداهمات قطاع الطرق . ونلاحظ في وصف سفين هدين لعمارة بيوت الموصل والعادات الإجتماعية لسكانها أن الموصل كانت تحتضن طبقة من التجار الأثرياء يشاطرهم ثراءهم رجال الدين من النصارى وإن لهذه الطبقة من التجار تاريخا طويلا من النشاط التجاري الأقليمي والعالمي يمتد لقرون بعيدة في التاريخ وان هذا النشاط وجد انعكاسه في حياة من الترف والرفاهية ترفل فيهما اسر التجار والطبقات الموسرة مما يؤكد وصف ماركو بولو للمدينة باعتبارها مملكة تجارية قائمة بذاتها..كما ان هذا النمط من عمارة بيوت الموصل مازال موجودا في احياء الموصل القديمة كالمياسة والميدان والساعة والمكاوي وباب لكش والسرجخانة وغيرها من الأحياء غير ان اهل الموصل غادروا في معظمهم هذه المنازل القديمة ورهراتها الى بيوت غربية حديثة حلت الحجارة الحلان فيها محل المرمر الموصلي والحدائق الغناء محل النافورة والتوثة في قلب البيت..اما عادات اهل الموصل الإجتماعية فلم تتغير كثيرا اذ مابرح الطابع المحافظ مميزا للعائلة الموصلية..وينعكس في عمارة الجدران العالية والشبابيك الداخلية التي توفر الأمن والإطلالة على الحديقة الداخلية اكثر منها على خارج البيت..فالموصلي المحافظ كالأنكليزي المحافظ يعد بيته قلعته ..ويتطرق سفين هدين الى الحرب وتاثيراتها على التجارة والحياة في الموصل: (والآن تسود الحرب العالم بأسره والتجارة تكاد تكون معطلة بالكامل فالهند لاتجلب شيئا الى البصرة والبصرة لا تقدم شيئا الى الموصل..وطريق الشمال من القفقاس حتى الأناضول معطل هو الآخر، وسكة حديد الأناضول خصصت باكملها للأغراض العسكرية. إلا ان اهل الموصل كانوا يواجهون الحرب بضرب من الهدوء العدمي في انتظار زمن افضل وهي الروح عينها المميزة للمشارقة في مثل هذه الأزمات..وخزينة الموصل العتيقة المذخورة لن تسترد عافيتها إلا بعد انجاز خط بغداد- برلين الذي سيغير كل شيء ويعيد للتجارة حياتها..لكن الحرب دمرت المواصلات وسكك الحديد اقتلعت وعربات القطار نهبت ودمرت وترى الجمال منتشرة بين حلب ورأس العين وكأنها كائنات كليلة منهكة طالتها يد الدهر الكالحة تتصادى اصوات اجراسها في فضاء فارغ..مع ذلك فالبيوت القديمة لأرستقراطية الموصل ستبقى تذكرنا بأشراف روما). نخلص من هذا الوصف الرائع الى ان سفين هدين كان يتفاعل مع المشهد الموصلي بعمق يتضح من خلال اسلوبه الأدبي الذي انضجته تجاربه الآسيوية الفريدة ..ولأن خط حديد بغداد فكرة المانية ولدت من التنافس بين بريطانيا والمانيا من جهة وتركيا وروسيا من جهة ثانية و الهدف منها الأستغناء عن قناة السويس التي سيطر عليها الأنكليز ببناء ميناء على الخليج العربي يكون طرفه الأوربي برلين، عمل لورنس وحلفائه العرب على عرقلة عملية بناء خط سكة حديد بغداد- برلين بطريق اقتلاع السكك في المناطق غير الماهولة واتلاف المنشئات التي شيدها الألمان عبر خط سكة حديد بغداد – برلين كجزء من عمليات الحرب العالمية الأولى..ولأن سفين هدين مواليا حد التطرف لألمانيا فقد ربط بين تعطل التجارة والتخريب الذي حصل لخط سكك حديد بغداد – برلين الذي مولته المانيا ..ولعل من مفارقات التاريخ ان تستولي بريطانيا على قناة السويس التي مولتها فرنسا بالمشاركة مع مصر ثم على خط سكك بغداد – برلين في اعقاب الحرب وتحول الأوراق التركية كلها تقريبا الى الغرب.. ونعود الى صيف الموصل مع سفين هدين لنرى احوال المدينة في قيظ الظهيرة: (ولكن ثمة شعور بالأرتياح ينتاب المرء عندما يغادر الشارع او الزقاق ليدلف في فناء البيت، وكأنك تغادر الصحراء المحرقة الكالحة الى واحة حيث خرير الماء وحيث تمنحنا شجرة التوث واعمدة الأيوان شعورا هانئا بالبرودة..وبين الآونة والأخرى يطرق الباب سقاء حاملا جربة مليئة بماء البئر يرش به ارضية الفناء مما يفضي الى تلاشي الحرارة اكثر فأكثر بحيث تنسى لوهلة حر المدينة الساخنة مثل فرن.. ولكن تبقى الحاجة قائمة الى وجود نافذة فلا شيء يمكن له ان يخترق هذه الفناءات المغلقة في البيوت الموصلية ولا من كائن يمكن له ان ينقل ماترويه شجرة التوث البهيجة من حكايات مثيرة واسرار..وفي الفصول التي تخلو من العواصف التي تهب على البلد فتغدو معها البيوت الآمنة غير آمنة إذ تضرب بكل عنفها وعنفوانها سقوف البيوت مهيلة اياها على الأرض، تصبح خيام العرب في البادية مريحة تبهج القلب لأنها لا تفقد اية نسمة تفدها راقصة عبر الحقول)..تتماثل تجربة سفين هدين في صيف الموصل مع تجربة اهلها ممن يعيش حر الصيف كل عام فالمدينة لاتوفر لخلوها من الأشجار الظل الا في ازقتها الضيقة وقناطرها في احيائها القديمة أو بالقرب من شواطئ دجلة حيث يعمل النهر على تخفيف وطأة الحر وترى الصبيان يسبحون هنا وهناك في مياه دجلة الخضراء، فمنهم من يستحم بالقرب من قلعة باشطابيا وفي المجرى السريع قبالة عين كبريت ومنهم من يسبح قبالة جامع الخضر في الجانب الأيسر للنهر او حدر النهر في منطقة الدندان التي لم تكن على عهد سفين هدين خطرة بما يرمى اليها من بقايا عجلات السيارات وقطع الخرسانة الضخمة التي خلفتها شركات بناء الجسور، او يلجأ الى احدى المقاهي ليشتري الظهيرة بعشر روبيات تماما كما اعتاد الموصليون في السبعينيات والثمانينيات الى امضاء حر الظهيرة في السينمات ولكن باربعين فلسا..ولكن الأكثرية من أهل الموصل يفضلون امضاء الظهيرة في السراديب التي يوفر مرمرها العتيق سريرا باردا يمدون عليه الحصران والبسط الموصلية المعمولة من الصوف الناعم والقطن والمتميزة بنماذجها الزخرفية الحمراء والزرقاء والخضراء والعاجية التي تبعث على الراحة. كما نلاحظ ان البيوت الموصلية القديمة مازالت تتوسط فناءاتها نافورة الى جانبها شجرة توث ويحيط النافورة سياج خشبي يتكئ في احدى زواياه زير ماء تغطيه قطعة قماش من الشاش لمنع الحشرات عنه و يحظنه مشبك من الخشب يلون باللون الأخضر او الأصفر أوالأزرق، يوضع تحته مايعرف في الموصل بالناقوط وهو حاوية فخارية صغيرة تشبه الزير يتجمع فيها الماء المترشح من الزير من فوقه وهذا الماء المترشح او ماء الناقوط هو انقى واعذب وابرد ماء للشاربين.. في تلك السراديب التي يسميها اهل الموصل بالرهرات تمضي الأسرة الظهيرة في قيلولة هانئة يستيقظون بعدها لتناول وجبة خفيفة من الجبن والزيتون أواللبن وخبز الرقاق الذي يفدهم من القرى المجاورة او من جيرانهم من النصارى مع قدح من الشاي السيلاني قبل خروجهم لمباشرة اعمالهم حتى صلاة العشاء في واحد من جوامع المدينة..وتعرف هذه الوجبة العصرية لدى اهل الموصل بالعصرونة “عصغونيي”..ومازالت هذه العادات قائمة غير ان اجهزة التبريد الحديثة عملت على الغاء معظم تلك المظاهر المميزة للحياة الموصلية في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين وصولا الى سبعينياته..ويعلل سفين هدين سبب بناء البيوت الموصلية على هذا النحو قائلا: (ويبدو ان بيوت الموصل وبخاصة قصورها المبنية من المرمر قد شيدت لتستجيب لظروف مناخ الموصل، وهي لاريب نتيجة مئات السنوات من الخبرة في العمارة والزينة المعمارية..فالبيوت في الموصل تتحول في موسم الصيف الى أفران..وحرارة الصيف تتغلغل في صخور الجدران التي تتحول الى مخازن لها حتى تصبح الحرارة جحيما لايطاق، ويبدو ان البيت الموصلي يشاكه البيوت القديمة التي كشفت عنها التنقيبات الحديثة في آشور وبابل..أما بيوت الفقراء فهي أبسط كثيرا من هذه القصور فهي مبنية من اللبن المفخور او من الحجارة غير المهندمة، وتكثر في الأحياء الفقيرة النفايات فضلا عن كونها بيئة مكتظة تتعدد فيها مصادر الفوضى والاعتراك..ولكن حتى في مثل هذه البيئة تحتاج الى الظل وإلى سطح تلوذ الأسرة الفقيرة ببرودته في اثناء الليل..وعندما نتطلع من فوق سطوح البيوت المطلة على المدينة، نشاهد بانوراما واسعة من البيوت الممتدة بما يحاكي مربعات لوحة الشطرنج بستائر متفاوتة الإرتفاع وجدران رمادية متصمتة خالية من النوافذ تتشابه في طراز بنائها وبساطة شكلها وايقاعها الرتيب الذي لاتقطع رتابته غير ابراج الكنائس والقبب والمنائر باحواضها حيث يقف المؤذن داعيا الناس الى الصلاة..إلا ان الزائر الغريب الذي يسعى الى تكوين انطباع مباشرعن حياة المدينة النابضة من خلال نظرة شاملة، يترتب عليه ان يدور ويدور في متاهات ازقتها وزوايا اسواقها وكأنه درويش مولوي منغمس في الدوران بلا كلل او ملل، ويستحسن ان يصطحب هذا الزائر الغريب معه في جولته أحد أعيان الموصل وإلا فسيغمى عليه عشر مرات قبل ان يعثر على قلب المدينة سواء أبدأ الجولة من باب البيض أو من اي مكان أو طرف آخر.. وتشبه شوارع الموصل نظائرها في بغداد في ضيقها وتعرجاتها، ولكن بينما تزين نوافذ البيوت في مدينة الخلفاء الظلات الخشبية تندر مشاهدة مثل تلك الظلات في الموصل..والأرصفة في الأحياء المأهولة بغزارة في الموصل تغطيها الحجارة المتعرجة التي قد تتسبب بموت صاحب المركبة إن هو سقط فوقها إثر انقلاب مركبته ان سمح الزقاق الضيق بمرورها..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان