حوارات وتحقيقات

أسواق تبحث عن هويتها الضائعة بخيوط (الغزل) تنار شموع (الدهانة )

لويس العمار

لم يكن سوق الغزل فيما مضى من السنين مكانا يجمع تناقضات الحياة والكائنات الحية,بحيث تجثم الأفعى غير مرعوبة إلى جانب الكلب أو الديكة بصحبة الببغاء رغم المشاكسة غير المؤدبة التي يبديها هذا الطير تجاه من يلاسنه , بل أن سوق الغزل وكما تشير المصادر التاريخية كان مجرد دكاكين مرصوفة إلى بعضها البعض لبيع الصوف والخيوط يضمها الزقاق الذي يحتل مساحة قبل أن يشيد جامع الخلفاء بعد أن استقطعت أجزاء من تلك المساحة لصالح الجامع على حساب السوق فدفعت بدكاكين الغزول إلى ما وراء المكان وربما خارج حدود التاريخ الذي عرف به سوق الغزل . ويعود تاريخ السوق إلى العصر العباسي،وبالتحديد في عهد الخليفة المستنصر بالله ، ورغم اختفاء الغزول الصوفية إلا أنه مازال يحمل اسم “سوق الغزل”. ويتوافد العراقيون إلى السوق في أيام العطلات والجمع، وينتعش بتوافد رواده، وتسمع فيه أصوات الباعة التي تختلط بأصوات الحيوانات التي يبيعونها والموضوعة داخل الأقفاص أو المحوطة بالسياج، والتي تختلف أنواعها ما بين المفترسة والأليفة، وكذلك الأسماك والطيور والزواحف والقطط وغيرها.
سوق لبيع الاصواف والغزول
لقد كان سوق الغزل نقطة الربط والتواصل بينه وبين المتعاطين بتجارة الصوف والغزول بأنواعها..الدكاكين القديمة المبنية بالجص وسقوفها (المعقودة) بالطابوق ظلت ولقرون تصارع الزوال وتثبت جدارتها بتزويد هؤلاء التجار بالغزول وخيوطها المتنوعة فيؤمها الكثيرون من مختلف محافظات العراق ليبتاعوا من هذه الدكاكين ما يحتاجونه من الأصواف والغزول ويبيعوها بدورهم إلى بيوت الحياكة اليدوية للبسط والسجاجيد لتحولها أنامل النسوة اللائي تخصصن بالعمل في هذه المهنة المرهقة والجميلة معا تحولها إلى جانب الألوان التي تمتزج بتخيلات وتشكيلات عفوية لزهور وطيور نابعة من ذهنية فطرية يقابلها عرق ينضح من جبين الصبايا الحائكات برعاية أمهاتهن وجداتهن ليصبح البساط شاهدا على معاناة وحكايات تدور خلال العمل تشبه إلى حد ما حكايات الأساطير التي تروي غزل البنات بغزول الألوان.. ومن يرى أو يعتقد أن سوق الغزل تطور على شكله الحالي فهو واهم بدليل أن الذين حولوا السوق إلى سوق جمعة تجتمع  على ساحته كل المتناقضات قد فقد هويته الأصلية والشعبية باعتباره (سوقا للغزل ) وليس لبيع الحيوانات على اختلافها وأجناسها أو التحف أوغيرها.. لكن ما دام السوق الاصلي قد دفع بعيدا عن واقعه الحقيقي أدار هو الاخر ظهره للذين تنكروا له. فقبعت دكاكينه في ظلمة الزقاق خارج متن الحفاظ على المعالم الشعبية التراثية..
ممارسات بسيطة
مع كل هذا (اليتم) الذي يعيشه السوق فإن هناك شيئا من حركة بسيطة تدب في الزقاق الخلفي لجامع الخلفاء حيث تفترش بعض من (نفايات) قطع الصوف والغزل بممارسة بسيطة لبيعه إلا أنها لم ترتق إلى مستوى وشهرة السوق أيام ذاك الذي كان وحسب مؤشرات المصادر التاريخية بكامل قيافته ببيع الأصواف وكرات الخيوط التي يتم تحويلها كما أسلفنا إلى ما يغري الآخرين إلى اقتناء ما تصنعه وتبدعه اليد البغدادية (النسوية) خاصة من البسط والسجاد. يمتد سوق الغزل القديم ليعانق منفتحا في اخره على منطقة الدهانه التي اشتهرت هي الأخرى بصناعة الشموع وكما يقول الشيخ (أبو الهادي) : إن منطقة الدهانة تعد واحدة من أهم المناطق الشهيرة بهذه الصناعة إلى جانب مخازن الحبوب والصوابين ومساحيق الغسيل . ويضيف: كانت الدكاكين تنتشر هنا وما زالت بقدمها ولكن بلبوس آخر هو لبوس صناعة الشموع . وهي مناطق أحبها البغداديون بدءا من الشورجة سوق بغداد العتيد إلى حيث سوق الغزل والدهانة. إذ لا ينقطع وصل اللقاء بين هذه الأسواق إلا في المهن التي يزاولها أصحاب كل سوق من الأسواق انفة الذكر. وهكذا تمتد خارطة التذكر للشيخ  اذ يقول: (سوق الغزل) يكمل عمل (الدهانة) بخيوط الشمع (الفتائل) وتضمهما الأم الكبيرة (الشورجة) بتنوع بضاعتها وندرة ما موجود فيها . وبين هذه وتلك  والأخرى تنسج بغداد تاريخها الشعبي الصناعي الذي يخرج من تحت عباءة الأصالة في أحلى سيمفونية عراقية تتغنى بمعالم بغداد القديمة ليس كما يقول المثل الشعبي ( بغداد مبنية بتمر فلش واكل خستاوي ) بل بأغنية أكثر إيقاعا وتأثيرا في عمق الوجدان العراقي.
سوق لبيع الحيوانات والطيور
 لم تزحف الأفعى على رصيف سوق الغزل. ولم ينبح كلب على هواه في هذه البقعة من الأرض. ولم تتفتح منافذ بيع أشياء غريبة عجيبة في سوق من قبل كما يخبرنا الشيخ من سكنة هذه المناطق, بل كان سوق الغزل مقتصرا على بيع الخيوط والأصواف (الغزول) وكذلك بضعة دكاكين تبيع حبوب (الدخن)و(القمح)و(الشعير) ولكن بشكل اقل صخبا وضجيجا من شهرة السوق بغزوله . لكنه اصبح الان سوقا يباع فيه مختلف أنواع الطيور وبعض الحيوانات المفترسة والأليفة، حيث يقام السوق في شوارع ضيقة وأزقة قديمة، فيما يتمتع أصحاب المحال الموجودة بالسوق بباع طويل في هذا المجال. أحمد جنبر صاحب أحد المحال، قال: “أعمل مع والدي منذ 19 سنة، حيث توفي والدي وأنا ورثت عنه المحل وهو مصدر رزقي الوحيد، وكان والدي قد ورث عن أبيه هذا المحل وكذلك أجدادي منذ القدم تمركزوا في هذا السوق بما يزيد على مائتي سنة”. فيما قال سكران حسن محمود، أحد أصحاب المحال، إن “الإقبال على السوق يزداد بدافع الرغبة لدى مرتاديه في تربية الحيوانات”. وأضاف أن “السوق بدأ بالانتعاش الاقتصادي بعدما سمحت الدولة للتجار باستيراد الحيوانات من الدول المجاورة خاصة إيران والإمارات العربية المتحدة وغيرهما، بخلاف ما كان خلال حكم صدام  ، حيث كان لا يسمح باستيراد الحيوانات من الخارج”.ويشتكي أصحاب المحال من سوء الخدمات في السوق، فقد طالب رعد حسن محمود، صاحب محل، الحكومة بالاهتمام بالسوق كونه سوقا تاريخيا حيويا يتوارثه الأجيال، وقال: “نطالب المسؤولين بالعاصمة (بغداد) أوالحكومة بالاهتمام بهذا السوق .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان