حوارات وتحقيقات

حوار مع مدير قسم العلاقات والاعلام في دائرة السينما والمسرح الفنان والإعلامي طه رشيد: لمعالجة قضية الفساد علينا تقديم الادلة الدامغة عن طريق القنوات الرسمية

*لنتجاوز المألوف في الحوارات ونتحدث عن مغادرتك العراق، ومالذي تتذكره عن تلك الفترة والظروف التي صاحبتها؟
ـ في شهر آذار 1978 تم اعدام اكثر من ثلاثين مواطنا من منتسبي الجيش (معظمهم جنود مكلفون ومنهم اللاعب الدولي الشهيد بشار رشيد). اشتدت حملة النظام السابق ضد الحركة الديمقراطية واليسارية والدينية وفي مقدمتهم الحزب الشيوعي العراقي ، وحزب الدعوة  ، وبما انني كنت شيوعيا فإن  خطر الاعتقال يحيط بي لذا قررت السفر بمفردي في 4 آب 78 ، وتركت زوجتي وطفلتي التي لم تكمل بعد شهرها السادس في بغداد ليلتحقا بي في نهاية العام . وكانت وجهتي الجزائر. كنت آنذاك موظفا في الثقافة الفلاحية ومنحت اجازة رسمية لقضائها خارج العراق مما سهل سفري. بقيت اسبوعا في فرنسا وآخر في اسبانيا، ثم وصلت الى الجزائر في نهاية الشهر الثامن 1978.
* كيف واجهت الحياة هناك؟
ـ حصلت على عقد عمل في مدينة «سعيدة»، إحدى مدن الغرب الجزائري، والتي تسمى باب الصحراء، كمدرس في ثانوية « ابو عمامة». وعملت بحماس في فضح نظام صدام الفاشي ، كما ساهمت بتنظيم أماسي الاربعاء الثقافية في الثانوية، وكان يحضرها بالاضافة للطلبة المهتمين خيرة مثقفي المدينة . وتحدثت في احدى الاماسي عن واقع الثقافة العراقية في ظل نظام صدام وكيف هاجر المئات من المبدعين والمثقفين خوفا من بطش النظام ، لم تمض ايام حتى تم الاعتداء علي في وضح النهار من قبل ثلاثة اشخاص ، يقودهم مدرس عراقي يعمل معي في نفس المدينة ، كان لهذا الحدث أثر كبير في زيادة حماسي ، وبدأت اكتب بين الفينة والاخرى ، في الصحف الجزائرية، ضد النظام السابق .
*وماذا كانت ردود افعال السلطات الجزائرية؟
ـ ألغي عقد عملي عام 1984، وغادرت الجزائر متوجها الى فرنسا التي اصبحت بلدي الثاني بحق .. فيها رزقت بابنتين وصبي وفيها اتسعت حدقة عيني لارى الاشياء ليس كما كنت اراها، فيها تعلمت معنى الجمال ومعنى الانسان ومعنى التكافل الاجتماعي ومعنى الدفاع عن حقوق الانسان ، وتكسر بداخلي حاجز الخوف وامتلكت المقدرة لان اقول للمسيء اسأت . في بداية وصولي لفرنسا عشت في مدينة «بواتيه» حيث تعلمت اللغة الفرنسية في جامعتها لمدة ثلاث سنوات ثم انتقلت الى باريس لتوفر فرص العمل فيها ولمحاولة اكمال دراستي العليا والتي لم تكتمل لهذا اليوم.
*وهل وجدت فرصة عمل تستطيع من خلالها اعالة عائلتك في بلد تدخله للمرة الاولى؟
ـ عملت اياما في البناء واياما في توزيع الصحف .. ولكني عملت فترة طويلة في بيع الزهور ليلا في مطاعم الحي اللاتيني فتعرفت على اسرار هذا الحي، ازقته ، وباراته ، ومكتباته ، ومطاعمه المختلفة في الذوق والشكل والاصل, يوناني, هندي, برتغالي, اسباني, جزائري, مغربي, ايطالي, وبطبيعة الحال  فرنسي ، في الصيف يتحول الحي الى جنة من الناس والالوان والجمال لاجناس مختلفة . العمل في بيع الزهور فتح لي ابوابا مشرعة لإقامة علاقات مع اجناس مختلفة. الفرنسيون طيبون ويحبون اضفاء البهجة واسعاد الآخر ومن هنا كان حرصهم على اهداء الزهور للصديقة او الاخت او الام . وما زلت احتفظ ببقايا علاقات تعود الى ايام الورد في منتصف الثمانينيات. ثلاث سنوات وانا اعمل في الصيف ببيع الزهور، وفي الشتاء اواصل دراستي لللغة الفرنسية في جامعة بواتيه، حيث تستقر عائلتي، وبواتيه, بالمناسبة, توقف عندها العرب المسلمون حين قرروا غزو اوروبا, و «بواتيه» مدينة طلابية هادئة تقع على بعد 300 كم من باريس في الجنوب الغربي.
*هل تكفي ثلاث سنوات لدراسة اللغة الفرنسية ؟
ـ بالتأكيد لا، ولكن عملي في الشارع وسط الناس ساعدني كثيرا باتقان لغة الحوار، بمعنى انني لا اتردد بخوض نقاش مع أي كان رغم محدودية مفرداتي . وحصلت على دبلوم لغة يؤهلني لدخول الجامعة.
*وهل دخلت الجامعة؟
ـ انتقلت نهائيا مع عائلتي الى باريس وسجلت في جامعة باريس لإكمال دراستي العليا وللاسف انقطعت بعد عام واحد نتيجة ضغط الظروف الاقتصادية وازدياد عدد الاطفال حيث اصبحوا (4) , وفي تلك الحالة كنت مجبرا على ان اجد عملا رسميا . لم يكن امامي سوى العمل كسائق تاكسي وهو عمل يؤمن مدخول جيد ولا يحتاج الى رأسمال.
*وهل كان العمل كسائق تاكسي سهلا في شوارع باريس؟
ـ اصعب امتحانين خضتهما في حياتي هو امتحان البكالوريا، والثاني هول الحصول على شهادة سياقة تاكسي في باريس لانه يتطلب المرور بدورة خاصة تستمر لمدة عام ، وعليك ان تحفظ عن ظهر قلب اسماء شوارع وفنادق ومطاعم ومستشفيات عن ظهر قلب وهي اسماء صماء لا معنى لها بالنسبة للعراقي ، كانت المهمة صعبة الا انني وفقت وبقيت اكثر من عقدين اعمل فيهما سائق تاكسي حتى اصبحت مختار طرف خاصة بالنسبة للعراقيين  القاطنين في باريس وضواحيها. .
* يقال انك اسميتها بغداد تاكسي؟
ـ نعم كانت مزحة على طريقة بغداد كوفي ، الا ان الزبائن استحسنوا الكارت الذي كنت اوزعه لهم اذ كتبت عليه : بغداد تاكسي هادئ مثل الفرات وسريع مثل دجلة ( ودجلة باللاتيني TIGRE  تعني النمر في الفرنسية) وهكذا يكتمل المعنى بهذه التورية
 *واين الهم الثقافي من كل هذا؟
ـ في سيارتي التاكسي، كنت اجد المتنبي وسعدي يوسف وبيتر بروك والجواهري .. وكل صحف المعارضة آنذاك . اما خارج التاكسي فكنت قد انتخبت في  منتصف التسعينيات سكرتيرا للمنتدى العراقي في باريس وكان نشاطنا في اغلبه ثقافيا وقد قدمت في تلك السنوات مجموعة كبيرة من الشعراء والفنانين  في اماس عراقية : البياتي ، الصكار، جواد الاسدي، قاسم الساعدي، فاضل العزاوي، شاكر العيبي …الخ
* وماذا عن السينما و المسرح ؟
ـ بالنسبة للمسرح فقد اكتفيت بالمشاهدات.
* وما هو آخر عمل مسرحي شاهدته؟
ـ شاهدت في باريس مع صديقي الكاتب حسين كركوش مسرحية « الخادمات»  وكان عملا جميلا جدا ، كما شاهدت مسرحية الدرس والمغنية الصلعاء لاوجين يونسكو والمسرحيتان تعرضان منذ اكثر من خمسة عقود وشاهدت اعمالا مسرحية اخرى كتبت عنها في الصحافة هنا . اما بالنسبة للسينما ففي عام1989 حالفني الحظ ان اجسد دورا ثانويا في فيلم فرنسي وثائقي ـ درامي « كلام الرهائن»  وهو من اخراج الفنان باتريك فولسن . ومن مساهماتي اللاحقة كانت : مساعد مخرج في الفلم الوثائقي « ميلاد اليورو» اخراج ليث عبد الأمير وانتاج القناة الفضائية الاقتصادية في الشارقة عام 2002 . وساهمت ببطولة فلم روائي فرنسي قصير» حروف وشخصيات» من إخراج إبتسام دحوعام 2009 ، واخرجت فلما وثائقيا قصيرا عن مهرجان « اللومانيته» الفرنسي وهو من تصوير الفنان الموهوب قتيبة الجنابي عام 2010 ، واشتركت في نفس العام بدبلجة إحدى الشخصيات الثانوية لفيلم انجليزي « الطريق الايرلندي» ، إخراج المخرج البريطاني الشهير كين لوش ، من اللغة الانجليزية الى اللغة الفرنسية .
* ما الذي دعاك للعودة الى العراق؟
ـ صديقي العزيز علاء ،هل تعرف ان الغربة هي حلم وانتظار وتفسخ! والاجدر ان تسألني لم تأخرت كل هذا الوقت لأعود الان ! اقول لك بصراحة وبعيدا عن الشعاراتية ، بالنسبة لي العودة الى العراق هي أشبه بالارتقاء بالروح ، شيء له علاقة بالمشاعر التي لا استطيع ان اصفها واشبهها مثل التيار الكهربائي لا نراه لكننا نحسه !
*أفهم انك سعيد في وطنك، واتيحت لك الفرصة للانغماس في الوسط الثقافي؟
ـ جدا، وكأنني لم اترك العراق اكثر من ثلاثة عقود ، علاقات وشيجة وجميلة مع العديد من الفنانين والادباء وانا فخور بهم .
* طوال فترة اكثر من 30 سنة غربة، وفي دول أوربية وانت اليوم تكتب باللهجة العامية، الم تؤثر عليك أجواء اوروبا والغربة وخاصة وانت كاتب واعلامي ومسرحي وشاعر؟
ـ بدأت بكتابة القصيدة باللغة العراقية (العامية) في فترة متأخرة جدا.
*لماذا تسميها لغة عراقية؟
ـ لانني لا احبذ تسميتها بالعامية او بالشعبية واعتقدها تسمية خاطئة لسبب بسيط جدا وهو ان الذي يفرق بين العراقي وباقي الجنسيات العربية هو ( لسانه ) فقط وليس ملبسه او عاداته او مأكله .. وهي اهم بكثير من الفصحى بالنسبة للمواطن العادي وحتى المثقف اذ إننا نحلم بها، وبها نغضب وبها نحب ، لم احلم في حياتي بلغة فصيحة بل دائما باللهجة( اللغة ) العراقية ومرات قليلة احلم بلغتي الثانية الفرنسية . وبالنسبة لي اللغة هي اداة للتواصل وهذه الاداة يمكن ان تتاثر بالمحيط . في باريس وفي احايين كثيرة اقرأ لرامبو او اراجون بلغتهم الاصلية واستمع بعد ذلك لفيروز ثم اكتب مقطعا بلغتي المحببة العراقية.,
*نعود للواقع الثقافي والفني فقد استطعت بفترة قياسية ان تتبوأ مركزا اعلاميا مهما داخل الوسط الفني؟
ـ قبل الحديث عن الوظيفة، فقد اتتني الفرصة لان اساهم كممثل في ثلاث مسلسلات تلفزيونية وهي « الماز»اخراج محمد كمر و «خارطة الطريق» اخراج الفنان السوري غسان عبدالله و «بنفسج الورد» اخراج الفنان جلال كامل.. ثم نقلت الى دائرة السينما والمسرح في وزارة الثقافة وكلفت بمهمة مدير مكتب العلاقات والاعلام في الدائرة منذ مطلع عام 2014..
* يعني في فترة احتلال الموصل؟
ـ نعم في فترة احتلال الموصل، وهذا ما دفعنا لاقتراح اقامة ندوات اعلامية في المسرح الوطني تتناول اعلام داعش وكيفية مواجهته وركزنا على الاعمال المسرحية التي تتناول موضوعة الارهاب، حيث تبلورت الفكرة التي طرحها مدير المسارح الفنان غانم حميد باقامة مهرجان مسرحي عراقي ضد الارهاب وبتعاون الجميع نجحنا في هذا المسعى وتم عقد مهرجان ثان بنفس المسمى العام الماضي.
* ما هو جوهر همك في اعلام المسرح؟
ـ همي اعادة الروح والقناعة الى المتلقي العراقي باهمية مشاهدة المسرح كما كنا في مطلع سبعينيات القرن الماضي . ولكن اليد الواحدة لا تصفق، وهذا يحتاج الى تضافر جهود كل الوزارات المعنية وخاصة التربية والتعليم العالي ووزارة الثقافة. واضافة المسرح كدرس مهم في الدراسة المتوسطة والثانوية وتفعيل النشاط المدرسي بشكل صحيح. وكان لنا مشاريع عديدة منها اصدار مجلات وصحف خاصة بالمسرح الا ان التقشف والترهل في كل مفاصل الدولة حال دون ذلك.
*واين الترهل في السينما والمسرح؟
ـ عدد الموظفين في دائرة السينما والمسرح بين ثابتين على الملاك ومنسبين للدائرة تجاوز الالف موظف! ونحن لا نحتاج الى سوى اقل من ربع هذا العدد! وانتم تعرفون ان الترهل موجود في كل مفاصل الدولة. والحل يحتاج الى تفعيل الدورة الاقتصادية بكل جوانبها واعادة بناء الدولة على اسس صحيحة بعيدة عن المحاصصة والولاءات الطائفية والاثنية والعشائرية. ونحن اليوم نستورد كل شيء تقريبا ومن الطبيعي ان نستورد مسلسلات مدبلجة او عربية مثل ما نستورد المسامير والخضراوات واللوازم المنزلية، فالعجز الانتاجي اصاب الدراما العراقية مثل ما اصاب بقية القطاعات.
* وكيف توازن بين توجهاتك واداء وظيفتك؟!
ـ ليس لدي مشكلة في هذا الامر فكل المديرين العامين الذين تعاملت معهم يعرفون بتوجهي الفكري وبانحيازي للفقراء والمعدمين والوقوف دون هوادة ضد الارهاب والتطرف الفكري ولن احيد عن هذا الموقف. وبالمناسبة المركز الوظيفي الذي احتله لا يعني بالنسبة لي اكثر من  تأدية خدمة للثقافة ولوطني، واذا حصل اي تعارض  لا اتورع عن ترك الوظيفة وقد فعلتها لمدة شهرين منتصف 2015،لاسباب ابسط من التي ذكرتها، ثم عدت لنفس الموقع بموافقة السيد وزير الثقافة. وللامانة اقول انه لم اتعرض الى ضغوط او ازعاج من اي طرف في الدائرة بخصوص توجهاتي الفكرية.
* كيف تنظر للغط الحاصل في الوسط الفني من اقاويل وشائعات عن وجود فساد في هذا الوسط؟
ـ دائرة السينما والمسرح هي جزء من الدولة العراقية التي اتعبها الفساد باعتراف ارفع المسؤولين. ولمعالجة قضية الفساد لا نحتاج الى « الفيس بوك» او الصراخ في الفضائيات ، بل علينا تقديم الادلة الدامغة عن طريق القنوات الرسمية المعروفة للجميع، لكي لا نقع او نحسب على خانة التشهير والتسقيط! والكل يعرف ان ابواب مكاتب المفتش العام مفتوحة للجميع، وهم يصغون للصغيرة والكبيرة وياخذونها على محمل الجد.
* وماذا عن المؤتمر الصحفي الذي عقدته دائرة السينما والمسرح مؤخرا، وانت الذي قمت بتنظيمه، بعد الزوبعة الاعلامية عن الفساد في المسرح الوطني؟
ـ هذا جزء من عملي الوظيفي والمهني اذ طلب مني المدير العام تنظيم مثل هكذا مؤتمر لتوضيح امور ما تناقلته بعض وكالات الانباء عن شبهات الفساد في عرض الفيلم الايراني « محمد رسول الله» لمدة 44 يوما في المسرح الوطني. واديت واجبي بمساعدة كل اعضاء القسم على احسن وجه. صحيح انني اشرفت شخصيا على عقد المؤتمر .
*استضافك اﻻتحاد العام للادباء والكتاب فرع ديالى، باعتبارك أحد رواد المسرح البعقوبي ، هل تحدثنا عن هذا التكريم وهذه الاستضافة ؟
– تحدثت عن موضوعة « الاعلام المسرحي». واستعرضت بشكل مختصر تاريخ الاعلام ووسائله القديمة والحديثة واغراضه المتعددة . واقترحت إضافة الاعلام المسرحي لبقية التصنيفات الإعلامية كالاعلام الحربي والسياسي والصناعي والرياضي.. لان الاعلام المسرحي يتيح تسويق المسرح وبناء علاقة وثيقة مع الجمهور الذي عزف في العقود الاخيرة عن الثقافة بشكل عام والمسرح بشكل خاص. وبقي المسرح الجاد خصوصا، يدور في حلقة ضيقة تعني المهتمين والمختصين بهذا الفن. وتطرقت الى واقع المسرح العراقي وتداعيات الوضع اﻻمني واﻻقتصادي ورؤى المسؤولين المتخلفة تجاه الثقافة والفنون. واكدت على ضرورة إدخال المسرح كمادة في المنهاج التعليمي بكل مراحل الدراسة، وتفعيل النشاط المدرسي في كل مدارس العراق، لأنه الرافد والمعين للمواهب الخلاقة التي يمكن أن ترفد المسرح بدماء جديدة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان