رجاء حميد رشيد
في أجواء صيفية لاهبة وأثناء زيارتي لأحد أقاربي في محافظة البصرة استأجرت سيارة تاكسي خالية من ابسط المواصفات لراحة السائق والراكبين, لا يوجد جهاز تبريد في السيارة وحرارة الجو تكاد تتجاوز ال50 درجة مئوية مع رطوبة خانقة,بينما بدت على ملامح السائق الهدوء وأسلوب متميز بالحديث كلها تشير الى انه انسان مثقف, دفعني فضولي الصحفي لسؤاله عن واقع البصرة ومستوى المعيشة فيها ,فكان الجواب صادما اذ اتضح بانه مهندس في مصنع البتروكيمياويات في البصرة ,وقبل ان اصل وجهتي صدمني ايضا بمعلومه مفادها «انا واحد من 3600 موظف تضرروا جراء استقطاع الحوافز والمخصصات ,ويعيشون عند حد الكفاف بسبب توقف المصنع عن العمل.
بقيت تلك المعلومة تجول في راسي فكيف يعيش 3600 عائلة براتب ضئيل جدا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها البلد,توجهت صباحا صوب مصنع البتر وكيمياويات,تفاجأت بمكائن وأنابيب صدئة ترك الزمن آثاره عليها وأحسست بألم لما آل اليه مصنع يعد من أضخم المصانع الحكومية في محافظة البصرة! ,لكن المفاجأة الأكبر هي التي ذكرها رائد ريسان السعد معاون المدير الفني في المصنع والذي أكد ما جاء به سائق التاكسي إذ يؤكد ريسان أن العاملين في المصنع يكابدون مشكلة كبيرة ألا وهي انخفاض الرواتب مما أثر سلبا على حياتهم من دون أي بارقة أمل لإنقاذ هذه الشركة وموظفيها البالغ عددهم 3600 منتسب.
تناقضات حول تجهيز الغاز
رئيس لجنة النفط والغاز مجلس محافظة البصرة علي شداد أكد :السبب الرئيسي في توقف مجمع البتر وكيمياويات هو فشل وزارة الصناعًة في ادارة ملف المصانع للتمويل الذاتي وأهمها البتر وكيمياويات وعدم توفر الغاز الطبيعي بالكمية والضغوط المطلوبة وحسب التصميم الأساسي للمجمع.
الا ان عاصم جهاد المتحدث الرسمي لوزارة النفط
اكد لنا ان وزارة النفط ملتزمة بتجهيز مصانع البتروكيمياويات والأسمدة بالغاز فضلا عن محطات الطاقة الكهربائية. لكنه يشير الى ان مصنع البتر وكيماويات يواجه مشاكل فنية ومالية كبيرة وغير ذلك . وجميع الجهات في البصرة تعرف هذه الحقائق كانت تعتذر لوجود مشاكل فنية وغيرها. وأبدى رئيس لجنة النفط علي شداد أسفه لقول احد مسؤولي الصناعة بأن البتر وكيمياويات عالة على الوزارة. مؤكدا بدوره ان كل المديرين في وزارة الصناعة منذ عام ٢٠٠٣ حتى الآن لم يكونوا بمستوى الطموح لإنقاذ المجمع من الدمار!.
تأييد ومعارضة المشروع الجديد
الناطق الرسمي لوزارة الصناعة عبد الواحد الشمري أوضح :هناك مفاوضات مع شركة شل العالمية لانجاز مشروع بناء مصنع جديد للبتروكيمياويات في البصرة والذي يعده الشمري من المشاريع الإستراتيجية المهمة التي ممكن أن تساهم في نهضة الصناعة في العراق ,مؤكدا ان في حالة إكمال المصنع والمباشرة بالعمل فيه و أكمال المخططات من حيث تخصيص الأراضي وتجهيز الغاز وكذلك الموارد المالية المطلوبة سيوفر عائدات مالية كبيرة للدولة أولا وسيوفر فرص عمل كبيرة جدا لأبناء المحافظة ثانيا.بينما يرجح شداد وجود مؤامرة كبيرة لابقاء المجمع بعيدا عن العمل من اجل ارباح شخصية قد تدفع لاشخاص نافذين اذما تم بناء مجمع جديد حيث لاحظنا أن الوزارة ذهبت باتجاه استثمار معمل جديد ( مشروع نبراس ) مع شركة شل النفطية في ظل الأزمة المالية والمشروع بالحقيقة لا يمكن أن يقام اطلاقا في ظل وجود تراكمات بيروقراطية الوزارة ووكلائها الفاشلين .
كما ان توقف المجمع يجعل من السهل الاعتماد على استيراد المواد التي تحتاجها الوزارات من منتجاته وبالأخص وزارة الزراعة .. ناهيك عن توقف دعم المزارعين والزراعة والمعامل الصناعية الصغيرة التي كانت تحت رعاية هذه المنشاة المهمة … حيث تصل قيمة مايستورد العراق من الحبيبات البلاستيكية من خارج العراق أكثر من 300 مليون دولار سنويا بسبب توقف المعمل عن انتاجهاوالمادة الأساسية لصناعتها هو الغاز الطبيعي فالحكومة رفعت أسعاره وهذا طبيعي أيضا وحتى الأسمدة تعتمد على الغاز الطبيعي وهذا مخجل فالغاز متوفر في بلدك واغلبه يحترق والمصنع يحتاجه في صناعاته ليزود السوق العراقية!.
إهمال واندثار
الا ان الخبير الاقتصادي في جامعة البصرة الدكتور عبد الجبار الحلفي اكد ان لاهمال الموازنات العراقية للتخصيصات اللازمة لوزارة الصناعة واندثار المكائن إضافة إلى إغراق سلعي من الدول المجاورة في مادة البلاستيك اثرا على المصنع .في حين يؤكد الخبير الاقتصادي عبد الجبار الحلفي ان بعض المتنفذين في السلطة أصبحوا وكلاء في كثير من المنتجات التي تغزو الأسواق العراقية مما سبب موت الصناعة العراقية ,يعني إهمال قد يكون متقصدا أحيانا.
المعمل المزمع إنشاؤه لايؤثر على المصنع الحالي لكن المهندس خالد كاظم ناجي مدير مصنع البتر وكيمياويات في البصرة يرفض تلك المزاعم مؤكدا ان المعمل الذي سيتم إنشاؤه لن يؤثر على المصنع الحالي لاختلاف التكنولوجيا والمنتجات وهو مشروع كبير جدا حيث كانت في وقتها ولحد الآن هناك شحة في الغاز لاستخدامه في تجهيز المحطات الكهربائية ولذلك حتى مصنع الأسمدة تم إيقافه في فصل الصيف بسب الكهرباء.
وتم الإعلان عن فرص عقود مشاركة لعدد من الخطوط الإنتاجية منها في الورق ومنها في البترو من ضمنها معامل كلور ومعمل فصل الغازات ومعامل لإنتاج الكارتون وهي معلنة حاليا كفرصة لعقود مشاركة.من جانبه يؤكد الخبير النفطي حمزة الجواهري فيرى ان العيب ليس في الغاز وإنما العيب في المصنع نفسه لان كميات الغاز التي يحتاجها المصنع لا تتجاوز 200 مق مق وهذه الكميات قليلة جدا ومتوفرة عندنا .الان ممكن تشغيل مصنع أو مصنعين بسهولة تامة للبتر وكيمياويات ,المشكلة بالمصنع الذي تدمر بالحروب وجاءت بعد الحروب عمليات النهب لبعض أجزاء المبنى هذا بالتأكيد قد قلل كثيرا من طاقته الإنتاجية حتى بعد اعادة تأهيله ,نحتاج الآن مصانع بترو كيماويات متكاملة.
وأكدالجواهري بان كل المكائن والمعدات الموجودة حاليا في المصنع بشكل عام تحتاج إلى تجديد أو توسعة أو استبدال . العائق الوحيد الآن هو مسالة سعر الغاز المناسب للمستثمر وللوزارة , ويجب أن يكون مشجعا لان العراق إذا لم يعط سعرا مشجعا للمستثمر بالنسبة للغاز فلا نستطيع أن نطور الصناعة البتروكيمياوية ويبقى الغاز يحترق ويهدر .وفي نفس الاطار يؤكد المتحدث باسم وزارة النفط عاصم جهاد وجود مباحثات ومذكرات تفاهم لوزارة النفط مع شركات عالمية لإنشاء مصانع حديثة للبتروكيمياويات ومنها شركة لوك اويل الروسية وتوتال الفرنسية وضمن الخطط المستقبلية فان الوزارة تستطيع تلبية احتياجات هذه المصانع من الغاز.
وأكد الحلفي: أن الغاز المصاحب يسد الحاجة ويزيد , فالعراق يحرق سنويا من 7الى 8 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حسب تقديرات الأوبك ,فمنظمة الأوبك هي التي تقرر القضايا الفنية في ,لذلك ف 8 مليار ,يعني أكثر من 17 مليار دولار العراق يخسر سنويا بسبب هدر الغاز في الحرق فالبصرة تحرق 5,6مليار متر مكعب تحرق في العمليات النفطية المتولدة في المحافظة .وعن أمكانية تأهيل المصنع قال الحلفي «صعبة جدا يفترض من الحكومة العرقية ان تتفق مع شركة أجنبية مثل ما معمول به في دول الخليج مثلا والكويت وقطر الأمارات لتكون مجموعات مشتركة أفضل من خلال راس مال ثابت ووضع خطط واقعية صحيحة لإدارة المصنع ,مثل ما تأهيل المصنع والصناعة لا يوجد عندها اي تخصيصات ونفقات مقارنة بين انتاج الغاز قبل 2003 وبعدها.الوكيل الفني في وزارة الزراعة الدكتور مهدي ضمد القيسي أوضح وفق العقد مابين الوزارة ومعمل الأسمدة وذلك باستلام إنتاجه كاملا قبل 2014 ومع استمرار عملية الاستلام ومنحه سلفا مقدمة ليستطيع تغطية بعض التكاليف و ديمومة عمله ولغاية شهر حزيران 2014 بدأ المعمل بصيانة خطي الإنتاج الأمر الذي أدى إلى توقف عملية تجهيز الأسمدة .وأضاف القيسي طلبنا أن تتم صيانة خط واحد ليستمر الخط الثاني بتزويدنا باحتياجاتنا من السماد ,لكن معمل الأسمدة أكد عدم امكانية عمل صيانة لخط دون الآخر وذلك لتعاقده مع احدى شركات دول الجوار حتى نهاية عام 2014 , وبما أننا ملزمون بتوفير السماد لموسمي الزراعة الشتوي والصيفي للقطاع الزراعي بموجب الخطة الزراعية فلذلك لجأنا الى الاستيراد من قطر إيران.
تلكؤ المفاوضات والأفضلية
للمنتوج المستورد
أوضح الناطق الرسمي لوزارة الزراعة حميد النايف بان الشركة العامة لصناعة الأسمدة لديها خطان إنتاجيان تمت اعادة تأهيلهما من خلال القرض الياباني الذي منح للعراق , ,ولان سماد اليوريا من الأسمدة المهمة خاصة للفلاح في زراعة المنتوجات الزراعية ,عملنا جاهدين لتشغيل الخط الأول .وأشار النايف : لوحظ ان هناك تلكؤا عند التفاوض مع وزارة الصناعة والمعادن وقناعتهم بان المستورد أفضل من المنتوج العراقي بالرغم من نتائج تحليلات المختبر لإنتاجنا من مادة اليوريا أثبتت بان الإنتاج العراقي هو الأفضل من المستورد بكثير من حيث الأمور الفنية والمختبرية .واوضح النايف : اوعزت الامانة العامة لرئاسة الوزراء بتوقف الشركة العامة للأسمدة ولفترة محدودة وذلك لاستخدام الغاز في محطات توليد الكهرباء لحلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة ,واكد الوفد اثتاء زيارته نفط الجنوب وغاز الجنوب بأن موضوع الغاز لايؤثر على محطات الطاقة الكهربائية في حالة التجهيز ,وأن شركة غاز الجنوب تستطيع أن تغطي أنتاج الغاز سواء الأسمدة أو لمحطات الكهرباء الأمر الذي أدى إلى اعادة الإنتاج .وأضاف الشمري : بالرغم من صدور قرارات عليا من الأمانة العامة لرئاسة الوزراء ومجلس الوزراء يجبر كافة وزارات الدولة بالتعامل الفمباشر مع وزارة الصناعة والمعادن في شراء المنتجات الوطنية والمنتوج الوطني لكن لحد هذه اللحظة لم نر أن هذا القرار قد فعل بشكل جيد ,لدينا انتاج حربي ولدينا صناعات مدنية ممكن أن نتعامل مع وزارة الداخلية ووزارة الدفاع ,ومع وزارة الكهرباء ,ومع الكثير من الوزارات ,لدينا الكثير من المشاكل نحتاج إلى قرارات حقيقية تدعم الصناعة وترفدها .
ويؤكد الشمري: بعد قرار دمج شركات وزارة الصناعة وتقليصها إلى 32شركة أصبحت متخصصة في كافة المجالات والقطاعات الإنتاجية ,لدينا انتاج ولكن نحتاج إلى عقود، نحتاج أن تشتري وزارت الدولة من وزارة الصناعة والمعادن، إذا جرى ذلك سوف تعود الصناعة وتفعل وتبدأ بالمساهمة في تحقيق إيرادات كما ستساهم في الدخل القومي الإجمالي للدولة .ويتأسف الشمري لتوقف الكثير من الشركات في الوقت الحاضر لعدم وجود عقود حقيقية وفي نفس الوقت اكتظاظ الأسواق العراقية بمختلف البضائع والسلع من مختلف المناشئ وبأسعار رخيصة . .وأكد الشمري: معظم شركاتنا لديها شهادات الايزو وتخضع للتقييس والسيطرة النوعية وعندما بدأنا بتحرر قسم من الشركات لوحظ أن هناك هجمة بدأت في قسم من مواقع الفيس بوك وقسم من الصحف والوكالات بأن المنتوج المحلي لا يستطيع أن ينافس ولا يستطيع أن يصل إلى أسعار المستورد ,إذا توفر لدينا قرار سنكون قادرين ومصممين على ان ننزل المنتوج المحلي .وعن الاتهامات حول إيقاف مصنع الأسمدة بشكل متعمد لاستيراده من قطر قال: هناك عقود خارجية لوزارة الزراعة ولكن المفاوضات الأخيرة تسير بالاتجاه الصحيح مع وزارة الزراعة , يوجد لدينا ما يقارب 3000 منتسب سواء من كان على الملاك الدائم أو مؤقت 3000 ، نعتبرهم بالنسبة لنا كوزارة صناعة خطا احمر، لابد من توفر رواتبهم ولابد من أن تستمر الشركة في الإنتاج لغرض أن تغطي الرواتب .
بعد كل هذه الاراء التي اختلفت تارة واتفقت تارة اخرى يتضح ان مصانع البتروكيمياويات ستبقى متوقفة في البصرة الى اجل غير معلوم, وحتى يعلم بذلك الأجل سيبقى الشارع يعج بباعة البسطيات البسيطة وسواق التكسي من موظفي تلك المصانع !.





_1617644865.jpg)



