دراسات

المؤرخ نسيم قزاز: الفرهود مازال قائما طالما استمر وضع يد السلطات العراقية على أموال اليهود!

حاوره: مازن لطيف

نبدأ من الكتاب الأخير الفرهود الثاني في العراق، حيث تؤرخ فيه لإعلانات نشرت في الصحف العراقية ببيع ممتلكات يهود العراق عام 1951… برايك هل الفرهود مازال مستمرا بحق يهود العراق؟
إن يهود العراق عانوا من ثلاثة فراهيد, الأول هو المذبحة التي حدثت عام 1941 والتي ذهب ضحيتها نحو 180 يهوديا من سكان بغداد وفرهدت  مئات من بيوتهم ومحلاتهم التجارية. ثم كان الفرهود الثاني الذي حدث بعد عقد من الزمن حين جمدت أموالهم وصودرت ممتلكاتهم عام 1951, أما الفرهود الثالث فبدأ مباشرة بعد اندحار الجيوش العربية أمام جيش الدفاع الإسرائيلي في حرب الأيام الستة عام 1967, وبلغ أوجه تحت حكم البعث في السنين 1968-1974 حين لقي حتفهم 48 يهوديا منهم من علق بأعواد المشانق ومنهم من اختطف واختفت آثاره وآخرين قضوا من جراء التعذيب, وفي هذه الحقبة صودرت أموال المتهمين والمحكومين اليهود واستولت الحكومة على أموال الطائفة الموسوية بما في ذلك الملعب الرياضي العصري الذي تبرع بإنشائه المحسن الكبير فرنك عيني وسوق مناحيم دانيال وأملاك يهودية أخرى. وتجدر الإشارة هنا الى أن معظم الذين تمت مصادرة أموالهم كانوا من الطبقية الميسورة التي آثرت البقاء في العراق ولم تنظم إلى الأغلبية الساحقة من بني جلدتهم الذين هاجروا إلى إسرائي في عامي 1950, 1951 بعد أن باشرت الحكومات العراقية منذ عام 1948 باتخاذ إجراءات تعسفية ضد أبناء الطائفة الموسوية المستضعفة. وانا اعتقد أن الفرهود ما زال قائما طالما استمر وضع يد السلطات العراقية على أموال اليهود التي صودرت وجمدت عام 1951 وبعد حرب الأيام الستة.
في الفترة الأخيرة ظهرت عشرات الكتب عن يهود العراق.. ترى لماذا الاهتمام بهذا الموضوع؟وهل أنصف يهود العراق فيما كتب؟
كان  ذكر اليهود العراق إيجابيا بعد الهجرة الجماعية وحتى الإطاحة بحكم البعث عام 2003 في الصحف والمجلات والمؤلفات العراقية منعدما ويميل إلى الصفر, فجميع الأنظمة التي حكمت العراق في تلك المدة, ما عدا فترة حكم عبد الكريم قاسم,  كانت معادية ليهود العراق ومجحفة بحقهم. ولم يتجرأ أحد من الكتّاب والمثقفين آنذاك أن يتطرق للكتابة عنهم مراعياً الإنصاف وقول الحقيقة. وامتنعوا من ذكر خصالهم وأدوارهم في بناء العراق الجديد وألصقوا بهم الكثير من التهم وشوّهوهم. وفي عام 2003, بعد القضاء على سلطة البعث, لم يعد هناك ما يريب اصحاب القلم من الصحفيين والمؤلفين ويحولهم عن الكتابة بصورة حيادية في شتى المواضيع والمجالات بما في ذلك عن يهود العراق, أضف إلى ذلك ظهور الصحف الالكترونية باللغة العربية في  المدن والعواصم الأوروبية المختلفة حيث الصحافة الحرة التي لم تتورع من فتح مصراعيها أمام صحفيين يهوداً وعرباً الذين بادروا بالكتابة عن يهود العراق بصورة منصفة غير منحادين عن الحقيقة, أذكر منهم الدكتور رشيد الخيون والأستاذ خالد القشطيني والحيدري وآخرين غيرهم ومن الأدباء والباحثين البروفيسور كاظم حبيب والشاعر المفلق جبار جمال الدين وإن نسيت فلن أنسى جهود مازن لطيف الكثيفة والجبارة في تأليف ونشر مختلف الكتب عند  تاريخ يهود العراق ومساهمتهم في بناء العراق.  وأقول إن جميع هؤلاء الذين جئت على ذكر أسمائهم اتسمت كتاباتهم بالصدق والإنصاف.
. في الفترة الأخيرة بدأ د. نسيم قزاز بكتابة كتبه باللغة العربية،  واصدر 3 كتب بعد ان كان يكتب باللغة العبرية… ما سبب ذلك؟
لقد حصلت على دراستي الأكاديمية  في الجامعة العبرية في أورشليم-القدس حيث توجّب أن أقدم أطروحاتي في اللغة العبريه, وكان أمرا طبيعيا أن أقوم بنشر أبحاثي بهذه اللغة. ولكن بعد أن تبين لي أن هناك اهتماما في العراق بتاريخ يهود العراق لدى أوساط  عراقية مثقفة قررت أن أباشر بنشر أبحاث عن يهود العراق باللغة العربية. تناولت فيها مواضيع مختلقة خدمة لإنارة وجه الحقيقة وخدمة للتاريخ.
كل من كتب عن يهود العراق اعتبر فترة حكم عبد الكريم قاسم 1958/1963 فترة ذهبية. كيف يفسر لنا د. قزاز اسباب ذلك؟
لعل العهد الذهبي للطائفية اليهودية المتبقية في العراق بعد الهجرة الجماعية كان في عهد الزعيم عبد الكريم قاسم, ففي ذلك العهد, الذي دام 4 سنوات ونصف السنة, تمتع اليهود بكل حقوقهم المدنية والدينية والطائفية ولم يمسّهم ما مسَّ الأديان والطوائف الأخرى من أحداث وفواجع في بغداد والموصل وكركوك وسائر الأنحاء. لقد كانوا بمعزل عن السياسة والأحزاب ففازوا بالسلامة والأمان.
أبطل قاسم جميع القوانين والإجراءات المجحفة بحق اليهود التي كانت سارية ضدهم في العهد الملكي, وأصدر عام 1960 قانونا ألغى بموجبه قانون إسقاط الجنسية عن اليهود العراقيين الذي كان مسلطا على رأس كل من يتأخر عن العودة أو من يحاول ترك العراق. كما ألغى حظر قبول أبناء الطائفة في الكليات والمعاهد العليا, وأُزيلت تماما موانع السفر, وسُمح لمن يرغب منهم بالسفر إلى خارج العراق لأية مدة وبدون تحديد أو كفالة, شأنهم في ذلك كشأن سائر المواطنين. وساهم شباب اليهود في المهرجانات الشعبية مساهمة ملحوظة, ودعي ممثلوهم إلى حضور الاحتفالات الرسمية.
وكان الحادث الوحيد الذي أزعج أبناء الطائفة في تلك الحقبة هو الاستيلاء على المقبرة اليهودية في بغداد, تلك المقبرة التي ضمت رفات اليهود منذ مئات السنين وأصبحت في وسط الأحياء السكنية الجديدة. رغب قاسم في تشييد برج في بغداد على غرار البرج الذي أقامه جمال عبد الناصر في القاهرة, فأتى بالخبراء من المهندسين السوفييت الذين قرروا أن أرض المقبرة الواسعة خير مكان لإقامة ذلك البرج. واستدعى الزعيم الحاخام ساسون خضوري, رئيس الطائفة, في صيف سنة 1961, وأنذره بوجوب إخلاء المقبرة ونقل الرفات إلى المقبرة الجديدة التي مُنحت للطائفة سنة 1945 في ضواحي العاصمة وتم تسويرها, لكن لم تٌستعمل. ولم تفد احتجاجات الطائفة ورئيسها إزاء إصرار عبد الكريم قاسم, فقام اليهود بنقل رفات آبائهم وأجدادهم في الحر اللافح والحزن الشامل ليتسنى تسليم الأرض إلى الحكومة قبل 14 تموز من تلك السنة, هو يوم الاحتفال بمرور ثلاث سنوات على الثورة, ولكن البرج لم يُشيَّد وبقيت أرض المقبرة تنعي أهلها.
ماهي مشاريعك القادمة؟
أنا مستمر في البحث والنشر مادام الباري يمنحني الصحة والنشاط.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان