دراسات

الشاعر المصري سامي أبو بدر: القصيدة مثل الإنسان تنمو وتتطور لكنها خالدة لا تموت

 هناك أدباء عرب لا يدركون أهمية التواصل الإنساني بين الثقافات.. ما رأيك؟
التواصل بين الأمم والشعوب وتبادل الثقافات والحضارات لهو من طموحات أي أديب حقيقي، لأنه يسعى إلى بث روح التعاون، روح الحق والعدل والخير والجمال والحرية والمحبة والسلام، حيث يعتمد على تقريب وجهات النظر بين تلك الدول، بل بين المجتمعات وبين الأفراد كذلك، أنا كفرد من أفراد الشعب المصري قبل أن أكون شاعرًا، لا أخفي عليك أنني مررت بكثير من المحطات عبر الزمن, وكان للكثير من الكتاب والشعراء والكتاب والمناضلين والمثقفين بصماتهم في تلك المحطات معي شخصيا كشاعر وكإنسان.
هل الشاعر حر؟
أنا مؤمن جدًّا بحرية الإنسان، والشاعر حر في اختيار أغراضه وأدواته الشعرية. هناك شعر جيد، وشعر رديء بغض النظر عن الغرض الذي قيل فيه. وهناك مسألة أخرى مهمة للغاية بالنسبة لكثير من الشعراء الذين يشغلهم تطوير نصوصهم ونتاجهم، وهي أن تكون اللغة في المقام الأول أداة كتابة وكشف لمكامن سحرها وجمالها وتلوينها وتحبيبها وإدخالها إلى القلوب، هذه كلها من صلب القضية القومية.
من هو الأديب الحقيقي من وجهة نظرك؟
بالنسبة لي الأدب لا يعترف باللغات، ولا الثقافات، ولا المجتمعات، طالما يحمل بين طياته جينات جيدة ومتميزة تجعله يرقى ويحقق آمال الناس وما يطمحون إلى تحقيقيه، أو بمعنى آخر إن البقاع كلها هي ملك للشاعر أو الأديب أو الفنان، والأديب الحق هو الذي يتعامل مع الهم الإنساني دون تفرقة أو جغرافيا محددة سواء كان في أوروبا أو الشرق الأوسط أو في كولومبيا مثلًا، دعني أكون واضحًا معك إلى أبعد مدى … إن هذه الأرض التي نعيش عليها هي من حق الجميع، فأنا ضد التقسيمات التي يسعى أو يحاول أن يروج لها بعض المنتفعين وأصحاب المصالح.
 التشابه بين الأوساط الثقافية موجود منذ الأزل.. صف لنا ذلك؟
 تتشابه الأوساط الثقافية في كل المجتمعات رغم اختلاف اللغة والتاريخ والتراث، فالأدب يهدف إلى إظهار الهم الإنساني الموجود في العالم الذي نعيشه، ومحاولة كشف الغطاء عن أسلوب الانتقام أو الصراعات الأزلية التي تتفاقم في الشرق الأوسط خاصة، لكن قد يتفاوت هذا التشابه من بلد إلى بلد أو من طائفة إلى طائفة بل من فرد إلى فرد، حسب ميوله وأفكاره وأهدافه ومقصده من تحقيق هذا، نحن نحتاج إلى ثقافات مغايرة، لأننا لم نتقدم كثيرا بل ظللنا نردد شعارات الماضي كالحضارة وما حققه أسلافنا، فماذا حدث؟ تقدمت الأمم من حولنا وظللنا نحن في مكاننا.. للأسف هذا هو واقعنا المرير الذي نعيشه، وأنا كشاعر لدي اعتقاد أن الأدب هو الوجه الآخر الذي أتطلع إليه، فأرى به كل شيء من حولي لكن بعين المحب الذي يريد والذي يبحث والذي يستكشف.
 هل ثمة علاقة بين الشعر والحب؟
الشعر دائمًا ينشد كمال الأشياء، والحب وحده هو الحد الفاصل بين النعيم والجحيم، والشاعر لا يستطيع العيش من دون حب أو عاطفة أو إحساس جميل ومدهش يتحرك به ومن خلاله نحو الأفضل الذي يريد أن يراه في كل شيء حوله. إنني أرى أن عالما بلا حب صحراء قاحلة لا يمكن التكيف معها بالتأكيد.
 ما أهمية مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة لك كشاعر؟
مواقع التواصل الاجتماعي لا شك أنها جعلت من العالم قرية صغيرة، فأصبح الناس يتواصلون ويتصلون دون معاناة في زمن قياسي، فلا حواجز ولا سدود أو عوائق، وهذا جيد بالطبع إذا كانت بابا مفتوحا للتعارف بين المثقفين والأدباء في مختلف بقاع الأرض، ولا ريب أنها حققت رغباتي، واستفدت منها الكثير، فلولاها لما كنا نتحدث الآن أنا وأنت نظرا لصعوبة التواجد فيما بيننا بسبب بُعد المناطق، فأنا أراها فسحة جميلة ومفيدة للكثير من الأمور التي نحتاجها في حياتنا.
 ما الشعر إذن؟
الشعر لغة حياة، وهو هوية الإنسان وحريته حينما يعتريه الواقع المرير والتعب المفرط، نحن لا نختار القصائد ولا امتهان الشعر، القصائد هي من تدلّ علينا، تستصرخ فينا الأفق، والكلمات المتناحرة على الشفاه يغريها النبض بوحا، لذا.. ثمة شيء ما في داخلي يوغر صدري بالشعر فكتبته دون أن أنتبه لمن أكتب، ولا كيف أكتب، أستطيع أن أقول لك إنني أكتب ما أشعر به، فالشعر ليس صناعة فقط أو حبكة بل هو روح وكيان كبير لا تستطيع الكلمات بكل جلالها أن تصفه أو تعرفه. إن القصيدة مثل الإنسان تنمو وتتطور لكنها خالدة لا تموت والشاعر يكتب دون أن ينتظر تأويلات الآخرين، أو كيف يلبسونها أثوابا تشي بمكنون ما بين الحروف، لذا الغموض في الكلمة شيء، والغموض في المعنى شيء آخر.
 قل لي هل تستأذن النص ليحضر؟
قلت من قبل إن القصيدة هي التي تختار مفرداتها ومدخلها، وتأتي دون استئذان وتملأ السطور فوضى وبعدما ينتهي نشيج نبضها، تفيق وهي ترى كيف ملأت صدر البياض بالحكايات، فلكل موقف أو واقعة قصيدة تتحدث عنها، ولكن كيف تأتي الكلمات؟ وكيف تنسج ذاك الخيال وبذاك الغموض الذي أراه واضحا لي وللبعض؟،إن هذا ما لا يمكنني الحديث عنه في تلك المساحة الضيقة، بل أقول لك إن لي لغة تخصّني وحدي ولا تشبه نمط الآخرين.
 هل حب الشعر شرط لكتابته؟
من لا يحب الشعر لا يزاوله، فكل من يكتب ثمة شيء ما في داخله بحاجة إلى رؤية النور فكل يعبر حسب قراءاته، وحسب فهمه ومدى تأثره بمن حوله، بغض النظر إلى تناولنا لهذه المسألة بنظرة نقدية، أو ما دون ذلك، لكن الشعراء بشر فكما يختلفون في الجنس واللون وأشياء أخرى كذا تأتي الأساليب والكلمات، لتصنع تغييرا في المجتمع ونصحح بها مسار من حاد وانحرف عن الطريق، ولكن المهمة الأصعب هي تثقيف وتوعية المتلقي قبل التوجه بالنقد.
 هل ترى أصواتا لا تستحق ما وصلت إليه؟
إننا أمام آفة كبيرة وهي آفة التصفيق لكل من هب ودب دون معرفة ما يقول أو لِمَ يقول، فنحن نصنع نجاح من لا يستحق النجاح ونحن أيضا من نهدم، فكم من شخص يستحق لقب شاعر ولكن لا أحد يهتم به، ربما لأنه لا يستطيع مواكبة النفاق المجتمعي، وفي المقابل ترى أن هناك من يعتلي منابر الافتراء القصائدي فيصفق له كثيرون ليحوّلوه بين ليلة وضحاها إلى شاعر كبير وهو لا يستحق ذلك.
*كاتب وناقد وإعلامي فلسطيني.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان