حوارات وتحقيقات

يثري النفوس، ويختصر الازمنة، ويفلسف الحياة، ويؤثث الذاكرةر المتحف البغدادي معين عطاشى التبغدد

علاء الماجد

بئر الذاكرة البغدادية اليانعة بالحياة، ومعين عطاشى التبغدد، رئة يتنشق منها المرتحلون في اليوم البغدادي هواء نقيا مترعا باغاني الفواخت والبلابل والزرازيرعلى شرف بغداد العتيقة واغاني المعيبر مابين خاصرة المعنى الكرخ وخاصرة المبنى الرصافة ، سلة من عناقيد الحب الذي تفنى المدن ولا يفنى . هو مكان في كل مكان، وهو كل مكان في مكان . يثري النفوس، ويختصر الازمنة، ويفلسف الحياة، ويؤثث الذاكرة باجمل المعاني واسمى القيم وأجل المثل . منزاح الى النفس ومنزاحة اليه النفس، يهفو الى القلوب وتهفو القلوب اليه، وعلى نغم خفيض وعلى وسادة في فيئه تتنسم النفوس وسنا عاشقا اليفا عذبا وتنام على حلم ابيض .
ذلك هو المتحف البغدادي.
بين الرصافة والجسر
يتوسط المتحف ساحة الرصافي وجسر الشهداء من جهة الرصافة في عاصمة حكايا الف ليلة وليلة .. يحكي هذا المكان قصصا مترعة بالحب ، بغدادية الروح والهوى ، الدخول اليه ، دخولا الى بغداد الازقة الضيقة ، والمهن والحرف الشعبية ، والعادات والتقاليد الاصيلة ، هذا المكان الوحيد الذي يعيدك الى ايام زمان ، ايام البساطة والمحبة والالفة  . الدخول اليه عبر بوابة التراث والفلكلور يفضي بك الى ازقة حالمة ، نائمة ، واسواق بغدادية فيها زفة العرس والعاب الصبيان والمقهى (الجايخانة) والحلاق والنقاش وجراخ السكاكين، وفتاح الفال واللمبجي وبائعة الباقلاء والأوتجي والنداف والمطهرجي والقصاب والبزاز والرواف وصانع العباءة ومطاعم (الباجة) و(التكة والكباب) الاكلات المحببة لدى البغداديين . وبعض الصناعات الحرفية التي يمارسها الناس .
المكان لايحب الصمت
هنا كل شيء جميل ويستحق المشاهدة ، الكتب والمنشورات والعملات النقدية القديمة واللوحات التي ابتدعتها انامل فنانين رواد ، مع أسماء وصور من تولى مناصب إدارية في امانة العاصمة ، أنها صور تشعرك بالزهو والفخر ، كان فيها العراقي يعمل من أجل أن تستمر الحياة وهو مطمئن على تراثه وقيمه الاجتماعية التي توارثتها الاجيال . في زاوية ما تشاهد المقهى البغدادي (الجايخانة) حيث الجالسون يشربون الشاي او يلعبون الدومينو ، كانت هي محطة الاستراحة لدى البغداديين وقضاء وقت الفراغ ، هي المكان الذي يأمه المثقفون لقراءة الصحف والمجلات والحديث عن اخبار الساعة ، الكل يتحرك ويتكلم ، هكذا تتحسس موسيقى المكان وكأنك امام شريط سينمي ، قرب المقهى (الكببجي) وهو يقوم بشواء (التكة والكباب) على المنقلة ليعده للزبائن ويده تحمل ( المهفة) لتزيد من توهج واحمرار الفحم . الاعياد عند البغداديين لها طقوس خاصة حيث يزدحم المتحف بالعوائل العراقية ، الكل فرحون ، الاطفال بملابسهم الجديدة الزاهية يمارسون الالعاب ويطلقون البالونات .
في عام 1968 شرعت امانة بغداد بتأسيس المتحف البغدادي الفولكلوري الشعبي ، حيث تم تكليف فريق عمل لنحت عدد من التماثيل موزعة على 45 مشهدا « يمثلون اصحاب المهن والحرف البغداديين « وبعد انجاز كافة الأعمال المتعلقة بالتماثيل والديكورات والاكسسوارات ، افتتح المتحف بتاريخ 1/1/1970 واصبح هذا المتحف على مدى السنين يحظى باهتمامات الكثير من الشرائح الأجتماعية من الناس على مختلف مستوياتهم الثقافية والأجتماعية وبدأ يستقبل الزوار من أعمار مختلفة ومن اهتمامات متنوعة كما غدا مزارا لكل الشخصيات السياسية المهمة التي تحل في بغداد والوفود الرسمية والشعبية. وافتتح المتحف على ضفاف نهر دجلة قرب المدرسة المستنصرية وهو يترجم المعالم الحياتية لسكان بغداد الأوائل . تعد بناية المتحف البغدادي من المباني القديمة ، حيث يعود تاريخ انشائها إلى العهد العثماني عام 1869 واستخدمت في بداية الامر كمطبعة لولاية بغداد ايام حكم الوالي مدحت باشا . المتحف البغدادي يوثق فترة زمنية من تاريخ بغداد وهوينقل تفاصيل دقيقة عن حياة البغداديين ويلقي الضوء على التراث ونمط الحياة التقليدية لبغداد القديمة ويستعيد بساطة الحياة وتماسكها وثرائها الاجتماعي . بعد اكتمال المتحف وتخصيص الأماكن الخاصة بالمشاهد التراثية كالقصة خون، وزكريا ، والمولد النبوي الشريف، والجالغي البغدادي، والملا والصبيان، وغيرها من المشاهد الأخرى ، كان الصمت يخيم على المكان فارتأى الفنان الراحل فخري الزبيدي إضافة المسامع الصوتية والتمثيلية لهذه المشاهد بالاستعانة ببعض التسجيلات الصوتية وبالتعاون مع السيد ناجي صالح قاسم وهو أحد المهندسين الإذاعيين . وفي عام 1972 قام المتحف بإحياء الجالغي البغدادي والمقام العراقي بالاتفاق مع عدد من المطربين المعروفين أمثال يوسف عمر، وعبد الرحمن خضر، ومجيد العاني، وحمزة السعداوي، وآخرين . وتضم إذاعة المتحف بين مقتنياتها نوادر المسامع الصوتية والأغاني التراثية التي تعكس جانبا من ذلك الإرث الفولكلوري والتراثي البغدادي العريق .
فلكلور وتراث شعبي
الفن التشكيلي حاضر وبقوة في اروقة المتحف من خلال مشاهد واقعية تجسد الشكل والحركة والالوان أبدعها فنانون عراقيون صنعوا تماثيل الشخصيات بلغة ذات صلة بالموروث الشعبي والتراث البغدادي. وقد عمدت أمانة بغداد على انشاء المتحف البغدادي ليوثق فترة زمنية من تأريخ العاصمة وينقل للأجيال الحاضرة واللاحقة تفاصيل دقيقة من تاريخ اجدادهم ، كيف كانوا يعيشون ؟ وماذا كانوا يمتهنون ويعملون ؟ وكيف كانت العوائل البغدادية تمارس طقوسها الحياتية وتقاليدها الشعبية ؟ وماذا كانت تستخدم تلك العوائل من وسائل ومواد منزلية ؟ يضم المتحف مجموعة من اللوحات الفنية لعدد من الفنانين العراقيين الرواد امثال المرحوم حافظ الدروبي والمرحوم فرج عبو وفنانين اخرين من اجيال لاحقة امثال الفنان سعد الطائي وماهود أحمد وصلاح جياد ونعمان هادي ومحمد مهرالدين وطالب العلاق وفريد اسعد وميسر القاضي وابراهيم الكمالي وشاكر الشاوي وجودت حسيب ووليد شيت وكنعان هادي وعقيل الالوسي وعلاء الشبلي ومحيي خليفة . وبرغم تعرض المتحف إلى اضرار كبيرة اغلقت أبوابه بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. غير انه اعيد ترميمه وافتتاحه رسميا في الثامن من اب عام 2008 .
الولادة
* ترجع فكرة انشاء المتحف الى امين بغداد الاسبق السيد مدحت الحاج سري بعد ان عاد من زيارته لإحدى الدول المجاورة للعراق وفي رأسه فكرة صمم على تنفيذها وهي تأسيس متحف شعبي في بغداد. وفي عام 1985 جرت على المتحف عملية تطوير كبرى لكافة ارجائه ، تعلقت بالأعمال الأنشائية والصيانة وأنشاء الزقاق البغدادي الذي ضم 39 مشهداً جديداً انتشرت فيما بينها مائة وسبع شخصيات لم تكن موجودة سابقاً  .
وفي عام 1989 استحدث مرفق جديد في المتحف اكسبه هوية شعبية أكبر بعد ان شيد داخله السوق البغدادي والمطعم البغدادي إضافة إلى تهيئة قاعة مناسبات لاقامة الحفلات الغنائية والموسيقية والمقام العراقي . يضم المتحف 385 تمثالا توزعت على 77 مشهدا يضاف إلى ذلك كافة المواد والمستلزمات والحاجيات والأكسسوارات التي يحتاجها المشهد . واحتوى المتحف أيضا مكتبة ضمت خزاناتها وثائق ومراجع ومصادر عن مدينة بغداد بلغ عددها 4830 كتابا احتوت على الحكايات والعادات والتقاليد التي اشتهر بها البغداديون.
توثيق
* المصور قاسم كريم قاسم تحدث عن ذكريات وايام مضى عليها اكثر من ربع قرن حيث يقول : كانت لدي هواية في التصوير الفوتوغرافي منذ الصغر حيث تعلمت التصوير على يد اخي الكبيرعام 1968م وكان عمري حوالي 12 سنة حيث اشترى لي كاميرا حقيقية صغيرة بدأت بالتقاط الصور لكافة المناظر الطبيعية والاشخاص حتى تمكنت من التصوير بشكل جيد واحترفت المهنة بكل اصولها وقواعدها . كنت في اول ايامي مصوراً جوالا في اروقة المتحف لغاية لقائي بالاستاذ المرحوم فخري الزبيدي الذي اخذ بيدي ليخصص لي مكانا ازاول به مهنتي والاستفادة من معداتي ومهاراتي في تصوير الزيارات والمهرجانات الرسمية التي كانت تقام في المتحف وكان للاستاذ المرحوم فخري الزبيدي الدور الاساسي في تفعيل كافة المشاهد الحياتية والمهن البغدادية المهمة ليتم تجسيدها بشكل تماثيل مصنوعة من مادة الجبس الابيض ، المادة الاقل تكلفة انذاك والاكثر تقبلا لدى الزائر وشاركه في هذا العمل الرائع المرحوم سعدون الهلالي وعبد الحسين محروس مدير متحف التأريخ الطبيعي التابع لجامعة بغداد إضافة الى حسين الجبوري وكذلك الاستاذ الفنان التشكيلي علاء الشبلي الذي كان مدير المتحف للاعوام السابقة لغاية تغيير النظام السابق وانه لا يزال يعمل حاليا كموظف عقد مستشاراً فنيأ في المتحف للمساندة والاشراف على اعمال النحاتين في المتحف . خلال عملي هنا التقيت العديد من الادباء والمثقفين العراقيين والعرب منهم الاستاذ علي الوردي ، مجيد العاني ،جلال الحنفي، يوسف عمر، كاظم الساهر، سعدون جابر، حميد منصور،صلاح عبد الغفور، المرحوم خليل الرفاعي ، المرحوم راسم الجميلي، بهجت الجبوري، محمد شكري جميل ، لميعة توفيق والعديد من الفنانات العربيات والاجنبيات مثل الفنانة الايرانية كوكوش والفنانة فردوس عبد الحميد والفنان سيد خليفة . في المتحف فرقة بغدادية متكاملة من عازفين ومطربي مقام ومربعات عراقيين يتناوبون فيما بينهم لاقامة المهرجانات الغنائية ايام العطل الرسمية والجمع وبحضور شخصيات ادبية وسياسية في البلد طلبا للراحة ولسماع الغناء البغدادي الاصيل على قاعة المقام العراقي فكان لدينا الفنان ابو عبد البغدادي ،محمد العاشق، عرب كنو ، عبد الرحمن توفيق وغيرهم .
إن التعاون بين ادارة المتحف ونقابة الفنانين قد حققت انجازا مهما في تطويرالكثيرمن الأعمال الفنية ، ومع وجود عدد من الورش المهمة في مجالات النحت والرسم والنجارة والخياطة والكهرباء ، يكون المتحف قد حقق قفزة نوعية في التجديد والتطور، خاصة ان هناك فنانين شباب يقومون بهذه المهمة بنجاح كبير في توثيق المشاهد الحياتية اليومية للبغداديين . من الضروري ان تكون هناك مبادرة لتوسيع المتحف او نقله الى بناية جديدة واسعة تستطيع ان تستوعب كل الفعاليات الشعبية والتراثية البغدادية ويكون بمستوى المتاحف العالمية المتخصصة في هذا الجانب ، حتى يصبح معلم سياحي مهم في العاصمة الحبيبة بغداد ، اضافة لكونه معلم تراثي فلكلوري .
وهنالك فرقة للتراث البغدادي القديم ، مجموعة من الفنانين الشعبيين يؤدون المقام والمربعات والغناء الأصيل ، حيث يقام حفل غنائي كل يوم جمعة مع حفلات بالمناسبات الأخرى ، وتحضر بعض الوفود العربية والاجنبية القادمة للعراق والتي تزور المتحف للاطلاع على تراثنا البغدادي الجميل ، للتعرف على الموروث الاجتماعي والثقافي البغدادي، كون هذا المتحف يشكل ملتقى ثقافياً وفكرياً للفنانين والأدباء العراقيين، وإقامة مهرجانات ثقافية وتراثية فيه . هنالك خبراء ومترجمون ومرشدون يرافقون هذه الوفود.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان