حوارات وتحقيقات

تسليب الاراضي.. يحوّل بغداد الى أكبر مدينة عشوائية!

سوزان الشمري

بيوت من صفيح وأخرى بهياكل طينية وعشوائيات سكنية متداخلة اشبه «بالمتاهة». تلك الصورة المحدثة لمعالم التمدن في بغداد. فالكارثة العمرانية التي تواجهها العاصمة سببها بحسب جهات مختصة عملية تسليب «الاراضي» التي تمارسها جهات متسلطة، وأخرى تساندها قوة «العشيرة» لتتسع فجوتها ملتهمة المناطق الراقية ممن لا تبعد الا بضعة أمتار عن مركز الإدارة المحلية لحكومة بغداد ، بعدما تفشت تلك الظاهرة داخل المناطق الشعبية او الفقيرة لتتحول بغداد من عاصمة الحضارة الى أكبر مدينة عشوائية في العالم.
*لجنة الخدمات والاعمار النيابية، أقرت باتساع رقعة العشوائيات في مركز العاصمة، عازية السبب الى ضعف تطبيق القانون وسطوة الجهات المتنفذة.  وقالت عضو اللجنة ، إن لجنتها قدمت طلبا الى رئيس لجنة الخدمات لاستضافة امينة بغداد ذكرى علوش ،على خلفية اتساع ظاهرة العشوائيات في بغداد مشيرة الى أن مجاميع متنفذة في الحكومة تمارس التجاوز على عدد من الاراضي التابعة ملكيتها للحكومة ،وتقطيعها ،وبيعها الى المواطنين بأسعار محددة. الجبوري انتقدت امانة بغداد لعجزها عن رفع تلك التجاوزات، منوهة الى ضعف تطبيق القوانين والقرارات غير المدروسة من مجلس الوزراء والتي تتسبب في تجاوز المجاميع والاحزاب على الاراضي المميزة في بغداد والمحافظات. وأضافت، مئات المساحات حتى المصنفة بالراقية سابقا في وسط واطراف بغداد والمحافظات سيطرت عليها جهات متنفذة في الحكومة، وأخرى تجاوز القانون وتحكمها بالقوة العشائرية، والعذر هو بسبب الظروف التي يمر بها العراق لتبرر تجاوزها على الأراضي التجارية والصناعية والزراعية.
*مراقبون انتقدوا تلك الظاهرة التي شوهت منظر العاصمة مقابل تطور عمراني يناطح السحاب لدول إقليمية كانت بالأمس القريب «صحراء قاحلة». اذ يقول الاعلامي احمد الشيخ إن «معظم الأراضي التابعة للدولة، يتمّ الاستيلاء عليها من قبل جهات متنفذة في السلطة ، وهي تتحوّل إلى بيوت موزَّعة بشكلٍ مقرف، ويضيف « هناك أراض مخطّط لها لأن تكون «مشاريع خدمية» تنفع المواطن، لكن تغاضي ذيول المتنفذين في الوزرات يحرم ملايين المواطنين من بناء المستشفيات، والمدارس، وباقي الخدمات عليها!
*فيما يتطرق المهندس المعماري، ياسر البياتي، لسرد واقعة نزاع عشائري حدث في بغداد وتسبب بمقتل خمسة اشخاص ،دار بين قبيلتين عقب خلاف على استحواذ قطعة أرض تتجاوز عدة مترات لتقسيم أموالها فيما بينهم.. لكنّهم أختلفوا، فقتلوا بعضهم. ويقول البياتي حيتان الاستحواذ على الاراضي، يسكنون الآن في مناطق بغداد الراقية في الكرادة، والمنصور، اذ وفرت لهم العشوائيات التي تسببوا في تفاقمها المليارات . والسبب غياب القانون وضعف سياسيات الدولة في توفير السكن لمواطنيها ،وبالتالي عمت الفوضى في بغداد التي اصبحت أكبر مدينة للعشوائيات في العالم.
اراء اصحاب الدور السكنية
*يتحدث المواطن زغير رشيد علي من قاطع الكرخ حي البياع قائلا :انه نتيجة الظرف المعيشي الصعب لعائلتي قمت ببيع جزء من مساحة الدار البالغة 300متر.  وهذا الجزء 100متر لاحد الاشخاص بسعر جيد بعد الاتفاق مع احد اصحاب مكاتب العقارات في تلك المنطقة بدون علم  الامانة والعقارات والطابو بسبب رفضهم  وبموجب كمبيالات وصكوك تعهدنا فيها بعدم الاخلال في عملية البيع بعد محاولات بشتى الوسائل ان يتم فرز العقار لكن لم يتم  كما ان بيع هذا الجزء من الدار يمكن ان يسد حاجيات العائلة مستقبلا بسبب ظروف البلد خاصة واني رجل متقاعد وراتبي لا يلبي متطلبات العائلة فربما نستثمر هذا المبلغ لكي نستفيد منه لمعيشة العائلة , اما عن جمالية البيوت وتغير منظرها فهذا  يخص الدولة  التي يجب عليها توفير السكن للمواطنين والعيش بحياة كريمة محترمة في ظل ارتفاع اسعار البيوت والمواد الانشائية والبطالة، كلها ظروف هيأتها الدولة واوصلتنا الى هذا الحال. وختم قوله بلهجة بغدادية مع انفعال ملحوظ: (ياعمي انت وين تحجي شنو الجمالية وشنو الحي السكني والمحافظة على خارطة البيت, اليوم وفر لي السكن وخليني اعيش وبعدين شتريد الدولة مني ؟هم ما موفرة كلشي الي وبعدين تريد تحاسبني , بيتي انا حر بكل تصرف , خل تضبط امورها وبعدين تجي علينا).
*ويتحدث المواطن طعمة شيحان من قاطع الرصافة حي الشعب ليشير قائلا:انا عاطل عن العمل واسكن الدار التي مساحتها 300متر والتي تعود لوالدي تركها لنا بعد وفاته العام الماضي حيث يسكن شقيقي الاكبر مني معي في نفس الدار ولديه عائلة  كبيرة وعندما حاولنا بيع العقار فان سعره لايمكن ان نحصل بثمنه على دار اخرى نتيجة ارتفاع اسعار العقارات، لذا اتفقنا على استثمار المساحة المتروكة من الدار والبالغة 150مترا لنقيم عليها بناء بيت لعائلتي رغم ارتفاع اسعار المواد الانشائية لكن افضل من شراء البيت نتيجة تكلفة ثمنه في ظل هذه الظروف الحالية الصعبة, اما عن الطابو وفصل البيت عن الاخر فنحن لانحتاج اليه لحين تحسن امور البلاد لانه ( اذا تريد ترجع وتغير العقار،عليك بجلب كيس طحين كبير يحتوي على فلوس حتى يكمل وحنا ما عدنا فلوس), اما عن جمالية البناء السكني (هاي بغداد كلها ازبال واوساخ، خلي المسؤولين بالدولة ينظفوها وبعدين يجون على جمالية الاحياء السكنية).
*وتقول الموطنة بتول  محمد تسكن قاطع الكرخ السيدية «لدي عائلة كبيرة جدا وانا الوريثة لهذه الدار البالغة 400  متر ,ونتيجة لحاجتي الماسة للمال اتفقت مع شقيقتي لبيع جزء من المساحة المتروكة عندي والبالغة200 متر بسعر كبير جدا على ضوء موقع المنطقة بموجب كمبيالات وصكوك لان الطابو وعقارات الدولة والامانة يرفضون ذلك لكن في بعض الاحيان يمكن ان يسمحوا بالمداورة من خلال اعطاء مبلغ كبير جدا لنقل العقار لكن نحن لانقبل لان المشتري هي شقيقتي، ولا يمكن ان تنكل بي، ننتظر لحين صدور قرار بتجزئة  مساحات البيوت وبيعها , اما بشان جمالية المنطقة وتاثيرها في عشوائية البناء فان الظروف تحكم، لو كانت الدولة قد وفرت السكن المناسب للمواطن وباسعار رخيصة لما كان هناك داع لان يقوم ببيع مساحة بيته المتروكة نتيجة ظروف ازمة السكن وغلاء اسعار العقارات، فالجمالية اختفت في وقتها واليوم كيفية ان اعيش واسكن في وطن يرحم اهله، الجمالية في البناء تبدأ من تنظيف بغداد من الاوساخ حتى ننتظم بذلك ونكون غيرعشوائيين.
الخاتمة
كل دول العالم احتفلت بعواصمها,وبنظافتها وبجمالية احيائها، لكن تبقى العاصمة بغداد للاسف هي رهينة الاقدار من احداث ارهابية مختلفة شملت بنيتها التحتية،  واليوم تبرز ظاهرة عشوائيات البيوت السكنية بعد اختزال مساحات واسعة من حديقة الدار ليبنى عليها بيت اخر لتنتهي واجهة الدار وتختفي ملامح هذه الاحياء السكنية ببغداد،  بجماليتها وتصميمها المعماري والحضري بحجة الظروف المعيشية, وازمة السكن والبطالة.لكنه بالمقابل توجد الاف القطع والاراضي السكنية في مناطق بغداد يمكن ان تنهي ازمة السكن وتقضي على البطالة من خلال هذه المشاريع السكنية الكبرى وبالتالي تنخفض اسعار البيوت السكنية وقطع الاراضي وكذلك الايجارات وتؤمن القدرة الشرائية للمواطن لشراء البيوت وغيرها. ,كما ان حل المشكلة يرتبط جزء كبير منه بالدولة ومدى قدرتها على رسم سياسة اسكانية واضحة وستراتيجية من خلال توفير الالاف من المنازل واطئة الكلفة بما يؤمن العيش الكريم للمواطن من جهة ويحول دون حصول تجاوزات على القوانين المرعية من جهة اخرى,  وبعد ذلك يمكن للدولة ومؤسساتها ان تطبق القوانين الخاصة التي تحافظ على جمالية الاحياء السكنية  ورونق العاصمة بغداد وتمنع التجاوزات من خلال فرض الغرامات على المتجاوزين وتفعيل دور القانون على المواطنين لكي تعود بغداد تنافس عواصم دول العالم بجمالية تصاميم احيائها السكنية مثل الكرادة والسيدية والمنصور وشارع فلسطين والمسبح وحي التشريع والعدل والحارثية والمستنصرية وحي الجامعة والطالبية وغيرها.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان