فن الفوتوغراف في العراق
دخلت آلة التصوير الى العراق عام 1895 أي قبل الحملة البريطانية على العراق ويقال إن المصور عبد الكريم ابراهيم يوسف تبوني وهو مسيحي كلداني من اهالي البصرة كان قد سافر الى بومباي بالهند للدراسة، وهو من اوائل الذين مارسوا فن التصوير في العراق, في البصرة, وبعد عودته الى العراق جلب معه استوديو للتصوير الفوتوغرافي.
ومع دخول القوات الانجليزية المحتلة الى بغداد انتقل اليها، وافتتح ستوديو للتصوير الى جانب المصور )عبوش( الذي كان قد جاء من لبنان للعمل مع تاجر تصوير يهودي يدعى )حزقيل( وافتتحا ستوديو في معسكر الهنيدي (معسكر الرشيد) , ثم افتتحا محلين آخرين عند رأس جسر الاحرار … الاول باسم عبوش وشريكه والثاني مصور ميسوبوتيميا (وادي الرافدين) , ومعظم عملهما اقتصر على تصوير الجنود الهنود من السيخ والكركا وجنود وضباط الجيش البريطاني.
ثم اشتهر المصور (بويزنجر) الذي كان يعمل بالجيش البريطاني والذي صور الجنرال (لجمن) الذي اغتاله الشيخ ضاري . ويمكن ان نقول إن هذا الفن انتشر وازدهر مع بداية الاحتلال البريطاني للعراق , وكذلك البعثات الآثارية، فقد استعملوا آلة التصوير لتوثيق الآثار خاصة التي يصعب حملها ونقلها . وفي دراسة أنثروبولوجية للبروفسور (هنري فيلد) عن وادي الرافدين التقط صورا كثيرة لسكان العراق في انحاء القطر …ساعده فيها المصور(شوكت) ابن اخت المصور (عبد الكريم) الذي اوردنا ذكره أعلاه . وقد سجل البروفيسور هنري شكره للمصور شوكت في مقدمة كتابه مما يدل على براعة المصور العراقي رغم حداثة دخول هذا الفن في العراق . كما ان للبعثات التبشيرية التي كانت تأتي لزيارة الاماكن المقدسة والمعالم الدينية والمدنية الدور الفاعل في ادخال هذا الفن وانتشاره في العراق.
ونظرا لكون من امتهنوا التصوير كانوا من الرجال، فقد كانت هناك ردود أفعال كثيرة في المجتمع العراقي الملتزم بالدين وتسوده تقاليد اجتماعية , حيث كانت معظم العوائل ترى في التقاط الصورة أو كما يسمونه(الرسم) عيبا كبيرا . حتى جاءت مصورة أرمنية الاصل من ايران الى بغداد تدعى (ليليان) اختصت بتصوير العوائل والعائلة الملكية.
ويذكر الكاتب أمين الريحاني في كتابه ملوك العرب – اضطرار الملك فيصل الاول لتصوير زوجته بسبب الحاجة الماسة للعلاج في سويسرا … أن جاء المصور الى القصر الملكي وقام بتصويرها صورة واحدة فقط , ثم أتلف الفيلم السالب . هذه الحادثة تعكس جانبا من نظرة المجتمع لفن التصوير آنذاك كنتيجة افرازات اجتماعية ودينية بينما التصوير لم يكن منهيا عنه ، بل ان النهي كان عما هو مسرف ويحول بين العبد وربه ويسيء الى الاسلام .
أين المصور الشمسي ؟!
رغم انتشار استوديوهات التصوير والتي تعتمد على الاجهزة والتقنيات الحديثة في التقاط الصور وطبعها ، مع ذلك فقد بقي قلة منهم لايعدون على أصابع اليد . ان أغلب المصورين الشمسيين هم من الارمن النازحين بعد الحرب العالمية الثانية الى العراق . والغالبية منهم استقروا في بغداد والموصل. وكانوا يعملون بتصليح الساعات والاجهزة الدقيقة والتصوير الفوتوغرافي .
ويعتقد ان أول مصور كان يدعى (طاطران) وهو أول من عمل بالتصوير الشمسي … وزاول عمله عند مدخل الاعدادية المركزية في الموصل. إن دخول التكنولوجيا الحديثة الى مهنة التصوير أدى الى عزوف الناس عن أخذ صورة شمسية . واغلب الناس تحب التقاط الصور حتى الشخصية منها لاغراض المعاملات، فكانوا يريدونها بالملون . وهكذا شيئا فشيئا انحسرت مهنة المصور الشمسي ان لم نقل انتهت وماتت , نحتاج أن نصنع لفنان التصوير الشمسي تمثالا ونضعه في المتحف البغدادي باعتباره ارثا حضاريا كان له الدور الاساسي في حفظ تاريخ العراق من الضياع.
أسماء في الذاكرة
التصوير الفوتوغرافي هو فن قبل ان يكون مهنة مثل باقي الفنون وله مبدعوه ورواده الاوائل منهم :
المصور الاهلي في الحيدرخانة الذي أرشف لنا تاريخ بغداد بصورة . وستوديو بابل لصاحبه المرحوم جان ,وستوديو قرطبة – في شارع النضال منذ الخمسينيات للمصور الصحفي امري سليم , والفنان المصور حازم باك والمصور آكوب خال المصور الفنان مراد الداغستاني . كوفاديس ماكريان ,سامي النصراوي,احمد القباني,جاسم الزبيدي, فؤاد شاكر والمرحوم المصور الصحفي رشاد غازي وآخرون غيرهم.
فن التصوير حاليا
انتعش هذا الفن من جديد بعد دخول الاجهزة والكاميرات ومستلزمات الطبع اضافة الى تزايد الاقبال على شراء الكاميرات وخاصة الرقمية (الديجتل) . لكننا نرى غياب الحس واللمسة الفنية , فالمصور هو قناص وصياد اللقطة الفنية التي يقتنصها من الزاوية الفنية التي يراها مناسبة لاخذها . ورغم اننا نقرأ أو نشاهد بين الحين والآخر معرضا للصور الفوتوغرافية الا انه ليس بالمستوى المطلوب . نريد من المصور الفنان أن يقوم برصد وتوثيق كل مفردات حياتنا.
وهكذا تنتهي رحلتنا مع فن التصوير بعد مرور 116 عاما على وجوده بيننا، لم يترك لنا سوى هذا الزمن الذي تخثر في صور فوتوغرافية جميلة.









