تحقيق/ فهد شاكر المياح
قرابة الساعة العاشرة مساء، ازمعنا على الخلود الى النوم, ولم يخطر ببالي او ببال اي احد من افراد عائلتي, ان ليلتنا هذه ستكون ليلة مؤرقة لنا ولابناء حينا جميعا, ففي صبيحة اليوم الذي وقعت فيه الجريمة, اجتمعنا «اي ابناء الحي» ورحنا ننظف شوارعنا من طمي مياه الامطار, التي اغرقت منازلنا والشوارع لخمسة ايام, وبعد انجازنا لمهمتنا طلب منا منفذ الجريمة المعونة في طهي الطعام «التمن والقيمة» وتوزيعه. وفي ذلك الوقت كان كل شيء يمضي نحو انهاء يومنا بالعمل الحسن, حتى جاءت الساعة العاشرة مساء, اذ ايقظنا صوت ثلاث اطلاقات نارية اعقبها صراخ لامتناه, وحين خرجنا من منازلنا لمعرفة مكان الاطلاقات والصراخ, اكتشفنا ان جارنا الذي تبرع بطهي الطعام وتوزيعه, قد اكرم اصغر ابنائه, بثلاث عيارات نارية.
الشاهد على هذه الجريمة المؤلمة, والذي التقيناه بمنزله في حي «سكينة وكريات» ارتشف من قدح الماء خاصته رشفة, وراح يكمل حديثه , اذ قال « حجي جليل القرة لوسي» : (بعد خروجي من البيت لمعرفة مصدر تلك الرصاصات والصراخ, الفيت ابناء الحي مجتمعين قبالة بيت «ح ب» فدلفت نحوهم, وبادئ ذي بدء خيل الي ان سبب اطلاق تلك العيارات نتيجة عملية سطو, وان جاري قد قتل من تجرأ على دخول داره عنوة. لكن كل ماخطر في خلدي, فنده المشهد الذي ابصرته في باحة منزل جاري, اذ الفيت اصغر ابنائه مضمخا بدمه ومتوسدا تراب حديقة البيت, هول ماشهدناه جميعا, روعنا واربكنا لوهلة زمن, ومضينا على ذلك حتى طلب احد المتواجدين الاتصال بسيارة الاسعاف, وماان وصلت حتى خرج الاب الى الجمع المتجمهر امام باب بيته, وقال « لاتنقلوه ولاتطلبوا سيارة الاسعاف او الشرطة, فأنا من قتله» ويضيف : بعد ذلك حاولنا الاستعلام عن سبب اقدامه على هذا الصنيع, فبين ان السبب الرئيسي هو عدم انصياع ابنه المسجى لأوامره, اذ طلب منه ولأكثر من مرة الا يتأخر خارج المنزل. لكن الابن رفض الاذعان لتلك الاوامر فما كان منه الا ان يشهر سلاحه ويرديه قتيلا).
الم تعتقله الشرطة, واخوانه واعمامه كيف تصرفوا ازاء ما حدث ؟؟.
بعد وصول شرطة النجدة الى مكان الجريمة, تملص الاب من فعلته تحت ذريعة «القاتل المجهول» اما اعمامه واخوانه, فلم يحركوا ساكنا واكتفوا بنصب «جادر» مجلس الفاتحة والاسراع بدفن القتيل, حذرا من الفضيحة العشائرية, المعروفة في هذا الوسط بـ «الفسدة». وبعد الانتهاء من مراسيم الدفن, اطلق الاب نشيجه الى العنان, ولكن دون مواساة من احد, بل على العكس فقد عنفه الحاضرون جميعا, اشد تعنيف.
خلاف بسيط انتهى بـ…؟!!
خرجنا من بيت «حجي جليل» فأصر ان يرافقنا الى المدخل الرئيسي للشارع, وحين ذاك التقى مضيفنا بأحد اصدقائه, وبعد ولهة التعارف, قال الصديق لرفيقنا « جا ماحجيتلهم على سالفة علاوي ابن ام حكيمة»؟ فسارعنا برجائه ان يحدثنا عن حكاية «علاوي» تشدقت شفتا الصديق وقال : (باختصار شديد, قتل زوجته) بعد تلك الاجابة المقتضبة, رجوناه مرة اخرى ان يحدثنا عن تفاصيل ما ذكره لنا, فطلب منا القعود على رصيف الشارع لان حسب قوله «السالفة طويلة» امتثلنا لطلبه, واستطرد بعد ذلك قائلا : ( علي, هو الابن الوحيد لعائلة تتكون من 6اناث وذكر واحد, وكان الابوان يميزانه عن اخواته في المعاملة و «الدلال» فنشأ مدللا لايكترث البتة, بأي شيء, وما ان بلغ حوالي العشرين من عمره زوجه ابوه من ابنة عمه, وبعد اشهر على زواجه علمنا ان زوجته اوشكت على ولادة ابنهما البكر، قطع محدثنا كلامه, وقهقه عاليا, ثم قال «كيف لي ان اكمل كلامي, فالامر محرج جدا» فأجبناه «لاحياء في العلم, فالاعلام بات واحدا من العلوم المدرسة في الكليات والمعاهد, وماتقوله لنا جزء من ذلك العلم» بعد اطمئنانه لكلامنا اردف قائلا : (قبل اسبوعين تقريبا من موعد اجراء عملية الولادة لزوجته, قتلها بثلاث طعنات ورصاصة في الرأس, اذ طلب منها وحسب ماعرفناه من اهل الزوجة, نصيبه كزوج «مضاجعة» لكنها رفضت ذلك بعد تحذيرات من الطبيبة الاختصاصية بشأن الممارسة الجنسية وهي على وشك الولادة. فما كان منه الا ان يكرمها بثلاث طعنات في الصدر ورصاصة في صدغها, وبعد عامين تقريبا سألناه ان كان نادما على فعلته تلك, فقال «ختولي ما انطتني حصتي» .
حسنا..وماذا بعد قتله لزوجته, هل دخل السجن ؟
كلا..ففي مساء اليوم الذي حدثت فيه المأساة, جاء اخوة زوجته واحرقوا منزله, وقبل وصولهم بدقائق لاذ «علاوي» واهله بالفرار, وبعد ذلك انقطعت اخبارهم حتى رجعوا قبل اشهر الى بيتهم, اذ عمدوا الى حل القضية بالعرف العشائري, مقابل دية وصلت الى حوالي 100مليون دينار.
ضرب ابنه..والزمه الفراش بقية عمره
في صباح اليوم التالي الذي اعقب اليوم الذي زرنا فيه «حجي جليل» ورفيقه, عمدنا الى اجراء اتصالات بعدد من الاصدقاء, مبتغين من ذلك معرفة ان كانت هناك حالات مماثلة في اماكن سكناهم, فبين صديق لنا ان عائلة « ابو رائد», شهدت خلافا حادا بين الابن والاب, انتهى بإعاقة مستديمة للابن, فطلبنا منه مرافقتنا الى منزل «ابو رائد» وبعد ساعة ونصفها, طرقنا باب من جئنا لمقابلتهم, لكن الاب وبعد ان اطلعناه على هويتنا, طلب منا المغادرة باسرع وقت, فجوبهت دعوتنا للحديث معهم بالرفض, فمكثنا على مقربة من منزلهم متحينين فرصة خروج الاب والعودة مرة اخرى للحديث معهم, وبعد انتصاف النهار خرج الاب وادار محرك سيارته, فسارعنا بالعودة اليهم وطرقنا الباب مرة اخرى, فاستقبلتنا «ام رائد» واوضحت انها لاتقدر على منحنا رخصة الدخول الى المنزل, وانها ستجيب على اسئلتنا من عتبة الباب, فطلبنا منها ان تحدثنا عن ابنها البكر المعاق, فقالت : (منذ اربعة اعوام اولج زوجي نصل مديته بظهر ابني «رائد» وتحديدا اسفل قفاه, مما ادى الى اصابته بشلل رباعي « شلل الاطراف» والسبب ان ابني رفض الاسلوب العنيف والمضني الذي يتبعه زوجي في البيت, المتمثل بالضرب والشتم والاهانة مستندا في ذلك الاسلوب الى ضخامة بنيته وعلى الخبرة التي اكتسبها من رياضة الملاكمة «اذ كان في السابق ملاكما» وفي مساء احد الايام رجع الى البيت وعلامات الثمالة ظاهرة على محياه, وما ان ولج الى البيت وجه الي صفعة خررت من شدتها الى الارض مغما علي, وحين استفقت فوجئت بإصابة ابني بطعنة في ظهره وهروب الاب, وبعد عام تقريبا رجع زوجي الى البيت, ليجدد ماحسبنا اننا تخلصنا منه الى الابد).
تدمير الذات…والعقد النفسية
بعد ان انهت «ام رائد» سرد حكاية ابنها البكر, سارعنا بالانصراف والعودة الى مقر الجريدة, وما ان اسندنا ظهرنا على مقعد الباص الذي اوصلنا الى جسر منطقة المشتل, سألنا احد الركاب, عن طبيعة عملنا اذ قال الحاج «ابو كاظم» بلغتنا الدارجة «بعد عمك انت من ذولة جماعة التلفزيون» ؟ اجبناه بنعم..فقال :
ارجو ان تساعدوني في ايصال شكوتي الى «المسعولين»
قلنا له..لك ذلك, ولكن هل لنا ان نعرف كنه شكوتك وسببها ؟
فاستطرد قائلا : ( احد ابنائي سبب لاخيه من زوجتي الثانية, مرضا نفسيا, وكان سببا رئيسيا في تدمير شخصيته, حتى بات الشبان ينعتونه بـ «الخنثى» ولاكثر من مرة اقدم على الانتحار, وبعد سلسلة المحاولات تلك, عمدت الى نقله لمستشفى ابن رشد للطب النفسي).
قلنا له..انت اجبتنا عن شكواك, وعزفت عن تبيان سببها, اطلعنا على التفاصيل كلها.
قال : (عمل ابني المريض, ومنذ صغره مع اخيه في محال بيع ادوات السيارات الاحتياطية الذي اشتريته لهم, وكان الاخير لاينفك يعنف شقيقه ويصفعه امام الزبائن, ويوجه له كلمات نابية, وفي احد الايام عمد الى تكبيله بأصفاد بلاستيكية «شناطة» وتثبيته في واجهة المحال الحديدية, دون ان يرأف بحاله, بعد ذلك اقدم ابني على الانتحار حين تناول قنينة دواء «شراب السعال» دفعة واحدة).
حسنا ياحاج, وانت اين كان دورك من هذا كله؟
حاولت ولمرات عديدة, ايقاف مايقدم على فعله ابني البكر, لكنه فرض علي تسلطه وجبروته, بعد الوهن الذي طالني جراء مرض السكري المستشري في جسدي.
العنف الاسري بين (الاسرة والبيئة)
بعد ترجلنا من الباص الذي اوصلنا الى جسر المشتل, اكملنا طريقنا الى منزل الباحثة الاجتماعية «رسل جبار» التي التقيناها بوقت سابق اثناء اجرائنا تحقيقا صحفيا عن المواد المخدرة, وبعد وصولنا الى منزلها طلبنا منها ان تحدثنا عن اسباب وحيثيات العنف الاسري, فقالت : (قبل ان اجيبكم من الناحية العلمية حول العنف الاسري, لنتذكر معا القول المأثور «ان لم تستح فاصنع ماشئت» فالحياء وحده من يقدر على ايقاف هكذا ظواهر, اما من الناحية العلمية, فالعنف الاسري على انواع منه العنف اللفظي المتمثل بالشتم والسباب, والعنف البدني اي العراك والضرب, اما الاخير والاخطر, هو العنف التنفيذي, المتمثل بالقتل. وبعض علماء «السيسلوجي والسيكلوجي» صنفوا العنف الى انواع اخرى منها اللاعقلاني والعقلاني والانفعالي. والعنف هو وسيلة لنقل مايدور بخلد الانسان من النية الى القصد, وما ذكرناه سابقا يتضح لنا ان العنف, هو كل فعل تستخدم فيه القوة لترويع الاخرين لاجل تحقيق اهداف شخصية او غير مشروعة او غير قانونية). وتكمل : (اما المسبب الرئيسي في ظاهرة العنف الاسري «الازلية» فهي التنشئة الاجتماعية, المتمثلة بالاسرة. فالاسرة هي التي تملك زمام تربية الطفل تربية سليمة, وخالية من «النفسيات» المنحرفة. فبعض الابحاث المتخصصة بعلم الاجتماع والنفس, بينت ان الاطفال والمراهقين الذين يتعرضون الى الاساءة والعنف داخل الاسرة, تكون احتمالية «عدوانيتهم» كبيرة جدا, اضف الى ذلك أن للرفقة والصحبة, والمدرسة والثقافة والعادات والتقاليد, دورا مهما في تقنين او زيادة العنف الاسري او المجتمعي).
برأيك كباحثة اجتماعية, ماهي افضل الحلول للحد من هذه الظاهرة؟
حقيقة, الامر منوط بالمجتمع بشكل كامل, ولكن اذكر ان غياب حملات التوعية, وغياب منظمات المجتمع المدني زاد من استفحال العنف وعلى مختلف انواعه, لذلك فأنا اطالب بإقامة الندوات والقاء محاضرات توعوية, بالاخص في مناطق الريف, اضف الى ذلك أن استحداث مناهج جديدة في المدارس والجامعات تعنى بالاخلاق الحميدة وحسن السلوك, سيكون لها الاثر الاكبر في تقليل هذه الظاهرة.
هل القتل والترويع جزء لايتجزأ من شخصية الفرد العراقي؟ هذا السؤال وحفنة اخرى, كنا نعيد طرحها في خلدنا عقب خروجنا من منزل الباحثة الاجتماعية, املين ان نجد اجابة مناسبة, واثناء تأملاتنا ومن باب صدفة الاقدار, اجابتنا امرأة لفعت رأسها بخمار ووارت محياها بنقاب اسود, اذ ماانفكت تصفع صغيرها على قفاه براحة يدها اليمنى, بعد ذلك المشهد وجهنا كتاب شكر للاقدار التي منحتنا هذه الاجابة, التي بحثنا عنها بين ثنايا المجتمع, ولم نجد من مجيب الا العنف وحده. !!!





_1617644865.jpg)



