تحقيق / فهد شاكر المياح
كسا سطح منزله بالقير مرة اخرى, وعمد الى تغطيته بأطوال من البلاستك «النايلون» وتأكد من سلامة «المرازيب» وخلوها من اية عراقيل, ثم هبط الى الطابق الارضي وشيد سدودا صغيرة عند عتبة بوابة المنزل الخارجية والابواب الداخلية الاخرى, ولم يخطر بباله لوهلة زمن, ان هذه التحصينات «المطرية» لن تجدي نفعا امام العدو المتواري في مكبات النفايات والاراضي الدمنة, حتى جادت السماء بأصلها واغرقت بيوت وشوارع بغداد لايام عدة, الامر الذي سهل على «البعوض والذباب» عملية انقضاضهما و هجومهما على عائلة «ابو فراس» والعوائل البغدادية الاخرى.
يقول «ابو فراس الغرباوي» الذي التقيناه عند تخوم «حواسم» مدينة الامين الثانية : (بعد الودق الذي هطل على بغداد وخيم لثلاثة ايام متتالية, غرقت الشوارع والمنازل ولأكثر من اسبوع بالمياه الاسنة, وبعد انحسارها التدريجي عن الشوارع الرئيسية والفرعية, بقينا نحن الساكنين في «العشوائيات» نكابد نتانة تلك المياه وصعوبة خروجنا من منازلنا, بعد تقاعس بلدية الامين الثانية عن سحبها بواسطة «التناكر» الامر الذي ادى الى تحول تلك المستنقعات المائية, الى ملاذات امنة للبعوض والذباب) ويضيف : (قبل تحول شوارعنا الى شوارع قاحلة, فوجئنا بظهور البعوض والذباب بأعداد مخيفة, فتحول نهارنا الى حراب مستمر مع هذه الحشرات, وليلنا الى تمترس وموارة بالبطانيات, اما الطامة الكبرى فلم تكن بظهور هذه الجيوش الطائرة, بل بالامراض التي تجلت بشكل واضح وخطير على ابنائي, فأصغر اولادي لم يزل بحول الرضاعة, اصيب بمرض معروف بمجتمعنا بأسم «ابو خريان» اما شقيقته التي تجاوزت السادسة من العمر, لم تشف وحتى وقتنا هذا من الدمامل التي سببتها لدغات البعوض, وبعد معاينة اختصاصي الامراض الجلدية لهم, بين ان هذه الامراض لايمكن البتة القضاء عليها بوجود الذباب والبعوض)
«حبة بغداد» تحيا مجددا
وقف على مقربة منا ونحن مسترقو السمع لجاره «ابو فراس» وراح يهرش رأسه ثم لوح لنا بيده اليمنى, فاستأذنا محدثنا بالانصراف, دلفنا نحوه واستعلمنا منه عن سبب انزوائه, فقال «حسين» والملقب بـ»المدريدي» : ( تناهى الى مسمعي حديث عدد من سكان الحي عن قدومكم, فسارعت بالتوجه اليكم, ولكن لم يكن بمقدوري التحدث امام الحاضرين, والسبب هو امر محض شخصي) فبينا له ان بإمكانه الكلام انى شاء, فقال : ( تزوجت قبل شهر محرم بثلاثة ايام, ولم اهنأ بزواجي اكثر من اسبوعين, فبعد غرق بيوت وشوارع بغداد, استيقظنا وزوجتي في صباح احد الايام والدهشة مرسومة على وجوهنا, اذ ظهر ورم ملفت للنظر بخد زوجتي الايمن, و ورم اخر بمكان حساس بجسدها, فسارعت بنقلها الى اخصائي الامراض الجلدية والطبيبة الاخصائية بالامراض النسائية, فتبين في اخر الامر ان الورم على خدها الايمن هي «حبة بغداد» وهو نوع معروف من الامراض الجلدية وقد ظهر نتيجة لدغة ذبابة من النوع «الافريقي» الكبيرة الحجم, اما الاخر فكان جراء لسعة بعوضة نعتتها الطبيبة الاخصائية ب»السامة» ولم نزل وحتى وقتنا هذا نكابد الامرين, البعوض والذباب).
حالات الاسهال و «الدزنتري»
بعد حديثنا مع ابو فراس وجاره حسين, توجهنا بمعيتهم لاستكشاف ماخبرونا عنه, ولكن الوحل والمياه الاسنة, حالا دون اكمالنا طريقنا, فتوقفنا عند منزل «ابو سجاد» صاحب محال الاسواق الوحيد في «حواسم» الامين الثانية, هناك زاد عدد المتجمهرين حولنا, فانبرى احدهم قائلا : (اريد اشتكي جهالي تمرضوا كلهم) لم نثبطه عن تقديم شكوته, لكننا رجوناه التريث في الحديث, فأكمل « ابوزهير الحجامي» كلامه قائلا : (قبل ايام معدودات, اتصلت بي زوجتي وطلبت مني الحضور الى البيت بأسرع مايمكن, فتركت عملي تلبية لندائها, وما ان وطأت قدماي باحة الدار, حتى صرخت زوجتي وقالت «ابنك راح يموت» فطلبت منها ان تخبرني بما جرى, فبينت انه مصاب بإسهال حاد, لم ينقطع البتة, رغم محاولاتها إسعافه بشرابات الادوية, وعلى الفور استأجرت سيارة ونقلته الى مستشفى «العلوية» للاطفال, هناك تبين لنا ومن خلال التحاليل, اصابته بجرثومة «معوية» نقلت اليه عن الطريق الذباب, بعد ذلك تحفظ الاطباء عليه في الردهة «6» اذ دارت الشكوك حول اصابته بالكوليرا, وفي اليوم التالي, اصبت انا بالمرض ذاته, ونتيجة لما اوقدوه بداخلنا الاطباء من مخاوف الكوليرا, رجوت من احد الاصدقاء مرافقتي لمستشفى «الشيخ زايد» وبعد مجموعة من التحاليل, اتضح اني مصاب بالتهاب «معوي» ايضا, وقد نعتوه لنا الاطباء بـ»الدزنتري» ).
مكبات النفايات ودورها الريادي
اثناء تجوالنا في شوارع «حواسم» الامين الثانية, شاركتنا «ام كيان» الحديث واوضحت ان جل مايعانونه يكمن في اماكن رمي النفايات, التي «والحديث لام كيان» تجاوزت اعدادها اعداد البعوض والذباب, نتيجة افتقار مناطق السكن العشوائية الى اماكن محددة لطمر ورمي النفايات. اضافة الى عزوف سيارات البلدية المخصصة لنقل المخلفات وعمال البلدية عن الدخول الى هذه الاحياء, وقالت ايضا : (بعض المواطنين واثناء حديثهم معكم, تناسوا امرا مهما, الا وهو ان البعوض والذباب, مستمر بالظهور والتكاثر طوال فصول السنة, بسبب البيئة الملوثة التي ترفل بها الاحياء العشوائية, وكذلك ايضا, لم يقتصرالامر على الذباب والبعوض, فهناك القوارض «الجرذان» والزواحف «الافاعي وابو بريص» وهذه الحشرات والقوارض, تنقل الامراض الى الاطفال وكبار السن, ولكي تتضح الصورة اكثر, فجارنا «ابو منى» واثناء نومه, قضم «جرذا» اصبع قدمه اليمنى وتسبب له بمرض «الغنغرينيا» وادى الى بتر ساقه من مفصل الركبة).
البيئة الملوثة اهم الاسباب
من مدينة الامين الثانية, توجهنا الى عيادة الدكتورة «رنا عبد الواحد» اختصاصية في الطب البيطري وتقع عيادتها في حي المشتل ببغداد, حيث بينت ان هذه الحشرات, لايمكن البتة تكاثرها, في اماكن وبيئة صحية, وقالت ايضا : (بالنسبة للذباب, فلديها اماكنها الخلابة, التي تساعدها على وضع بويضاتها وحفظها حتى تخرج «اليرقة» فهي المخلفات العضوية للانسان والحيوان, ومياه الصرف الصحي والمستنقعات واماكن رمي القمامة, وهناك عوامل اخرى تساعد على تكاثر الذباب, منها العوامل الجوية, فالذباب يتوقف عن نشاطه في الاوقات التي ترتفع فيها درجات الحرارة, وتنمو وتتكاثر حين تتوفر لها الرطوبة والانخفاض بدرجة الحرارة) وتضيف : (اما البعوض «البق» فيختلف عن الذباب بقدر بسيط, فهو ينمو ويتكاثر في فصلي الصيف والربيع, اما افضل اماكنه فهي المستنقعات والجداول ذات الجريان البطيء, وتجاويف الاشجار واحواض السمك وعلب الصفيح, اما ذروة نشاطه, فتكون في الايام الدافئة والرطبة, ويصل اللدغ ذروته عند الغسق والفجر, والبعوض ينجذب الى الانسان عبر اشارات جسدية, مثل الزفير وحرارة الجسد, )
حسنا..ماهي طرق الخلاص من هذه الحشرات ؟؟
لا اخفيكم سرا, فكما نوهت سابقا, الامر منوط بالنظافة وحدها, ولكن هنالك وسائل معينة, تساعد نوعا ما في الحد من تكاثر وانتشار هذه الحشرات, منها تجفيف المستنقعات وردمها, تنظيف حظائر الدجاج والاغنام بشكل يومي, التخلص من العلب الحديدية والبراميل, الحرص على ديمومة نظافة دورات المياه, رفع المخلفات من الاماكن المخصصة لرمي النفايات بشكل يومي, والحرص على اضاءة المنزل والشوارع, فهذه الحشرات تجد في الاماكن المظلمة, ملاذا امنا لها.
الذباب يسبب العمى
بعد جولتنا الصباحية, توجهنا في مساء اليوم ذاته, الى عيادة الدكتور «رائد جودة الشمري» اختصاصي الامراض الجلدية والعظام, وعن سؤالنا حول الامراض التي ينقلها الذباب والبعوض اجابنا «الشمري» قائلا : (اثناء نوم الانسان, تهبط البعوضة على جسده, فتثقب بفمها الانبوبي جلده, واثناء عملية تغذيتها على دم الانسان, تفرغ برازها المحمل بالطفيليات فوق المكان الذي احدثت فيه الثقب, فيعمد الانسان الى دعكها «حكها» حينئذ يخلط البراز بالدم, فيدخل الى داخل الجلد, مما يسبب تورما وفي بعض الاحيان تسبب هذه اللدغة, بارتفاع درجة حرارة الجسم, هذا بالنسبة للبعوض اما الذباب, فهو مسبب رئيسي للاصابة بأمراض « الملاريا, الكوليرا, التهاب الاثنى عشري, التيفوئيد, الزحار) وهناك انواع من الذباب, يكون مسببا رئيسيا للاصابة بالعمى, حين يلدغ قرنية العين, اما اكثر الامراض شيوعا, فهو التقرح الجلدي, الناجم عن الدعك «الحك» المستمر لمكان اللدغة, اضافة الى الوباء المستشري بالوقت الحاضر في بلدنا, الا وهو الكوليرا, حيث يساعد البعوض بشكل خطير في انتشار ونقل هذا الوباء من شخص الى اخر, ومن مدينة الى اخرى)
كطبيب, بماذا تنصح المواطنين ليوقفوا زحف هذه الحشرات وامراضها ؟
هنالك جملة من النصائح, ولكني سأوجزها بالاتي, اولا عليهم الابتعاد عن تناول الاطعمةالمكشوفة, وكذلك تنظيف ادوات الطهي وتعقيمها والحرص على نظافة المنزل وتعقيمه بمواد التعقيم الطبية, هذه الاجراءات ستقلل الى حد كبير من الامراض التي تسببها هذه الحشرات.
كما حرصنا في اكثر تحقيقاتنا, على نقل الصورة الحقيقية لمشاكل المجتمع, ها نحن ذا ننقل مرة اخرى, قضية لايمكن البتة, غض الطرف عنها, فهي قضية معاناة وحفنة امراض, تواجه شعبا بأكمله, مستدركين في اكثر تحقيقاتنا ذلك القول الشعبي المأثور «لاتطلب الحاجات الا من اهلها» ولكن دون ان يغيثنا احد, من اهل حاجاتنا !!!!





_1617644865.jpg)



