حوارات وتحقيقات

سوق الشورجة في بغداد … "بارومتر" لعلاقة السياسة بالاقتصاد

تحقيق / وسيم باسم

 

ثمّة مداخل عدّة لهذا السوق، إلّا أنّني فضّلت أن أأتيه من جهّة شارع الرشيد،عن طريق أزقّة ضيّقة لا يتجاوز عرضها ثلاثة أمتار أو أربعة. وبعض هذه الأزقة تعدّ جزءاً من السوق الذي ما زال يحتفظ بهيكله القديم، ولم يطرأ عليه تغيير جذريّ منذ عشرات السنين. لا تجري في هذا السوق الفعاليّات التجاريّة الاعتياديّة من بيع وشراء بالجملة والمفرّق فقط، بل تعدّتها

إلى إجراء صفقات البيع والشراء المتنوّعة، والتوقيع على عقود الاستيراد والتصدير. من هنا، فإنّ السوق يضمّ مجموعة متنوّعة من الناس، منهم تجّار، أصحاب محلّات، باعة متجوّلون، متبضّعون، صناعيّون، سماسرة ، أصحاب شركات لنقل البضائع، ومحبّو فرجة.

قال سعد الخفاجي، وهو معلّم من مدينة كربلاء وأحد المتبضّعين والمتمتّعين بمشاهدة هذا السوق الذي يضجّ بالبضائع والناس: “إنّني أتمتّع هنا. فهذا السوق تحوّل إلى منتدى اجتماعيّ، وقبلة سياحيّة، إذ يزوره البعض ليس لأجل التبضّع، بل لأجل قضاء الوقت ومشاهدة الناس والبضائع الجديدة”.

إنّ التجوّل في سوق الشورجة لا يخلو من متاعب وصعوبات. فهذا السوق الشهير بلا خدمات، وقد أهمل طويلاً. لقد أدى عدم توفير الامن للسوق الى حدوث تفجيرات وحرائق فيه وحدثت فيضانات فيه بسبب عدم تصريف مياه الامطار. 

ثمّة من يرى في الشورجة أكثر من مجرّد سوق عاديّ للبيع والشراء. فقد وصفه التاجر قصي جواد الذي يمتلك مخزناً تجاريّاً فيه بأنّه “بارومتر” للاستقرار السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ في العراق. وقال: “إذا ارتفعت الأسعار فيه، فهذا دليل على اضطراب الأوضاع الأمنيّة والسياسيّة، بل إنّ ازدحامه بالناس، وملامح وجوهم، مؤشّر  على الاستقرار الاجتماعيّ. ففي أوقات الاضطرابات السياسيّة والأمنيّة، يخلو السوق من المتبضّعين والزوّار، والعكس صحيح أيضاً”.

يوضح الكاتب والإعلاميّ قاسم موزان  هذه الحقيقة قائلاً: “إنّ سوق الشورجة ليس مركزاً تجاريّاً فحسب، بل هو قوّة اقتصاديّة قادرة على التأثير على القرارين السياسيّ والاقتصاديّ”.

ويرى قاسم أنّ “الذين أسقطوا حكومة رئيس الوزراء العراقيّ الأسبق عبد الكريم قاسم (1914 – 1963) هم تجّار الشورجة، الذين عارضوا توجّهاته التي ترعى الفقراء، وساندوا القوى التي أطاحت به”.

ويضيف قاسم: “أدرك نظام حزب البعث الذي تسلّم السلطة في العراق في 17 تمّوز/يوليو 1968، أهميّة الشورجة كقوّة اقتصاديّة وسياسيّة، فعمد إلى تصفية التجّار المناوئين لسياساته، بعدما تمّ تهجير اليهود في خمسينيّات القرن الماضي، وكانوا يمسكون بعصب الفعاليّات الاقتصاديّة في السوق”.

إزاء ذلك، أعدم نظام صدّام حسين في 25 حزيران/يونيو 1992، اثنين وأربعين تاجراً، بعدما أخذوا من متاجرهم في السوق، وتمّت محاكمتهم في ساعات عدّة بتهمة العمل على تخريب الاقتصاد، ثمّ أعدموا في اليوم نفسه، في حادث هزّ المجتمع العراقيّ في ذلك الوقت.

في السياق نفسه، أكّد الكاتب جمال جاسم أمين أنّ “الشورجة كان بورصة للجوع طيلة سنوات الحصار الاقتصاديّ في تسعينيّات القرن الماضي”. 

كما اعتبر سوق الشورجة “مكاناً لاحتكار المال من قبل التجّار والحكومات، يلخّص قصّة حرمان الشعب العراقيّ”.

أمّا المستشار الرئاسي الدكتور ليث شبر فقال: “إنّ سوق الشورجة كمعلم اقتصاديّ وتاريخيّ لم ينل الاهتمام المطلوب من الحكومات المتعاقبة، بل تعرّض في زمن نظام صدّام حسين إلى هزّات عنيفة، أهمّها القضاء على التجّار الأصليّين، ومصادرة أموالهم ومحاولة طمس هويّته الحقيقيّة”. يتابع شبر: “الأسواق الكبيرة مثل الشورجة هي صورة مصغّرة ومكثّفة عن الوضع الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ في البلد”.

ان ادراك السلطات العراقية لأهمية سوق الشورجة الاقتصادية وكونه مقياس سياسي واقتصادي ، أدى بالمسؤولين الى زيارته ، وكذلك تعزيز الحراسات الأمنية في مداخله ، والسعي الى توفير الخدمات فيه واستثنائه على سبيل المثال من القطع المبرمج للكهرباء.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان