اراء وأفكار

هل تلفظ إسرائيل أنفاسها الاخيرة حقا؟

صابر عارف

 

    هناك اعتقاد عربي ودولي شائع، بان اسرائيل قوة لا تقهر لا بجيشها ولا بنظامها السياسي الأرقى بديمقراطيته الداخلية وخاصة لليهود وبتجدده الدائم ، وما فرض ورسخ هذه المقولة التي اصبحت واقعا معاشا ليس ما يكتب وما يقال هنا وهناك في وسائل  الاعلام العالمية التي تسيطر وتهيمن على الغالبية العظمى  منها الحركة الصهيونية العالمية حامية وربيبة اسرائيل  وانما عديد الانتصارات العسكرية والميدانية الاخرى المختلفة  التي حققها جيش وشعب نظامهم السياسي الأرقى ، وخاصة انتصارهم في حزيران من العام ١٩٦٧ م الذي احتل فيها جيشهم كامل فلسطين واراضي  واسعة من ثلاث دول عربية اخرى مجاورة بوقت قياسي كلمح البصر كما يقال، قياسا بالمساحات الجغرافية التي احتلت في تلك الحرب  التي وسعت وضاعفت بها اسرائيل حدودها الجغرافية وامنت بذلك اراضيها وحدودها بنسبة لا تقاس ولا تقارن مع ما قبل ذلك. ولقد هيمنت هذه الفكرة على العقل والوجدان العربي لعقود ومازالت ،ولم تهتز الا قليلا رغم  هزة الانتفاضة الفلسطينية الاولى للجبروت الاسرائيلي عام ١٩٨٧م ورغم انسحاب الجيش الاسرائيلي المذل من الجنوب اللبناني عام ٢٠٠٠ م ورغم انتصار المقاومة اللبنانية عام ٢٠٠٦ م   عندما صمدت في مواجهة حرب اسرائيلية استهدفت سحقها وانهاءها من الوجود اللبناني والعربي.

  اليوم وبما اثاره الصحفي الاسرائيلي آري شافيط من صحيفة هآرتس الاسرائيلية بمقال سياسي جاء تحت عنوان  ،،اسرائيل تلفظ انفاسها الاخيرة  ،، وبما كتبه جدعون ليفي الصحفي الاسرائيلي اليساري عن ان طينة الفلسطينيين تختلف عن طينة بني البشر وتحدث عن انهم يخرجون لنا من تحت الارض ومن تحت الرماد وختم مقاله قائلا:  ان المرض السرطاني الذي تعاني منه اسرائيل قد بلغ مراحله النهائية ، ولا سبيل لعلاجه لا بالاسوار ولا بالقبب الحديدية ولا حتى بالقنابل النووية …اليوم تهتز الصورة عبر وسائل الاعلام  ومن خلال بعض كتابهم ومفكريهم  يثار مجددا الحديث عن موت اسرائيل العاجل والقريب  ، كما  ان هناك قطاعا دينيا اسلاميا ولحساباتهم الرقمية الدينية يتقدمهم العالم بسام الجرار يروج ان عام ٢٠٢٢ م سيكون عام النهاية والموت الأبدي لاسرائيل . وهذا ما لااراه في مطلق الاحوال في المدى المنظور  اذا لم نفعل ما يجب فعله واذا لم نقم نحن الفلسطينيين خاصة والعرب عامة بما يجب القيام به وعلى اعلى واسفل المستويات والطاقات والامكانيات.

  لا ارى ذلك رغم انني مستمع وباهتمام وثقة لخطابات حسن نصرالله سيد المقاومة الاول  التي قال فيها ولاسباب دعاوية لا تخلو حتما من الحقيقة التي تحتاج الى عمل جدي وجاد جدا منا نحن الفلسطينيين وابناء بلاد الشام اساسا ، عندما قال بان اسرائيل اوهن من بيت العنكبوت ، وطالبها في خطابه الاخير في ذكرى انتصار تموز ٢٠٠٦م  بان تبحث لها عن حل لمفاعلها النووي في ديمونا ، كما فعلت في حيفا بعد تهديداته خشية صواريخ حزب الله التي باتت تحت نيرانها القادرة على احراقة واحراق ما حوله بالتمام كتحصيل حاصل.

  ارى ذلك في المدى القريب مع ان المجتمع الاسرائيلي طبقي وذات اعراق مختلفة ، فيهم السفارديم اليهود الشرقيون الذين يمثلون الغالبية بنسبة حوالي ٦٠٪ من المجتمع وهناك ايضا اليهود الشكناز الغربيون ، وهناك صراع مرير وطويل بينهما  على السلطة التي يسيطر عليها الاشكناز الغربيون بنسبة ٧٠٪ ، ولكن النظام السياسي الارقى يضبطه وينظمه باحكام واتقان ، كما ان اسرائيل من الناحية العسكرية دولة صغيرة المساحة وطويلة الحدود مع محيطها العربي ، ولا تتحمل نسبيا الحروب الطويلة في حال قيامها ، _ وهيهات ان تقوم _ ولا تتحمل طويلا الضربات الصاروجية والهجمات على الجبهة الداخلية والعمق الاسرائيلي خاصة  ، كما انه ليس من الصعوبة بمكان فرض حصار شبه كامل عليها ، ولكن ذلك كله ليس كافيا ابدا للقضاء على اسرائيل التي تتمتع بقوة فايضة وخاصة في الجوانب العسكرية التكنولوجية المتقدمة ، وبالعديد العديد من عوامل واسباب القوة الاخرى التي اشرنا لها وبعلاقاتها الدولية التي شكلت لها ولعقود من الزمن حماية لم يشهد التاريخ الحديث مثيلا لها ومازالت.

  اللافت ان اسرائيل التي نشأت قبل عدة عقود، تبدو أكبر من حجمها وأكثر قوة من امكاناتها وأفضل استقرارا من غيرهاً خصوصاً بالقياس لحال الكيانات العربية السائدة على الرغم من تحدياتها وتناقضاتها الداخلية والخارجية، وما ينبغي الاعتراف به هنا هو ان إسرائيل على الأرجح، مدينة بهذا التميز وبالقدرة على الاستقرار والتطور، لطبيعة نظامها السياسي الذي مكنها من كيفية تأهيلها وإدارتها واستثمارها لمواردها البشرية (على رغم محدوديتها،  ومن بناءجيش مشهود له ومكنها من ومن …الخ

  اسرائيل اليوم ليست اسرائيل الامس كما في عام ١٩٦٧م وليست كما كانت من اول امس عند قيامها والحاقها بالشعب الفلسطيني النكبة الاكبر  عام ١٩٤٨ م  ، ضعفت قليلا ، تراجع دورها ، لم تعد قادرة على توجيه الضربات الخاطفة وتحقيق الانتصارات الكاسحة كما كانت من قبل ، ولكن لن يتحقق ما قاله آري شافيط وجدعون ليفي ما لم ننهض نحن ابناء فلسطين وابناء بلاد الشام اولا النهضة المطلوبة لاعادة بناء انفسنا من جديد، وبناء نظام سياسي عصري حديث يستنهض الهمم ويعيد ترتيب الاولويات ويفسح بالمجال لديمقراطية تجدد نفسها تلقائيا وتوفر الفرص لاستثمار الطاقات والامكانيات  .. ولن يتحقق اي من هذا الكلام اذا لم يعد الشعب الفلسطيني  بناء نفسه من جديد بعد ان يتخلص من كل ما علق بمسيرته من أوهام وادران وفساد وبرامج وقيادات وسياسات وهمية قاتلة .

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان