اراء وأفكار

كواكب على مشارف الأفول

عباس البخاتي

 

مقال عن الخطاب المستهلك للنخب السياسية في عراق ما بعد داعش. كان العراق ابان حكم صدام عبارة عن سجن كبير واجه أبناؤه فيه أشد أنواع الظلم والحرمان والكبت والتعذيب، ولست مبالغا اذا قلت حدث في هذا البلد ما لا عين رأت ولا أذن سمعت. هذا وغيره جعل من بصيرة المتابع لاترى سوى صدام كواقع فرض نفسه بالقوة. وتمكن من اسكات اصوات معارضيه بالبطش اللامتناه .ومع غياب الجانب الاعلامي، كنا نتوقع ان عددا قليلا من الأشخاص الذين نذروا انفسهم لمواجهة هذا الطاغي قد تم له القضاء عليهم. 

  بعد التغيير الذي حصل في 3003/4/9 فوجئ الجميع (بالكم) الهائل من الشخصيات والمسميات التي كانت في المنفى نتيجة لمضايقات السلطة الدكتاتورية. من هؤلاء من كان  حاملا هما ومتبنيا لمشروع الإطاحة بالنظام واضعا في حساباته كيفية ادارة امور البلد بعد التغيير. حرية الإعلام بعد التغيير كان لها دور في تسويق مشاريع هؤلاء للجمهور بطريقة تقنع المتلقي بمدى التفاني ونكران الذات مسارا لخلاص البلد من كابوس صدام. الانصاف يجب ان يكون حاضرا في اي عملية تحليلية لمشروع ما وانطلاقا من قوله تعالى (ولا تبخسوا الناس اشياءهم)لابد من الاشارة الى الدور المميز لعدد غير قليل في الكفاح المسلح وتقويض اركان النظام من الداخل تمهيدا لإسقاطه. فيما انطلق البعض الآخر في الفضاء الدولي حاملا هموم ومعاناة الشعب للاسرة الدولية بغية اقناعها بضرورة التدخل والمساعدة في تغييره، حيث كان لأسماء لامعة دور لا يمكن التغافل عنه. اما السواد الأعظم من كيانات واسماء ونخب وافراد كان لها حصة الاسد من امتيازات منحت لهم في عراق خال من صدام الا ان ادوارهم لا تكاد تذكر ولم يكونوا ممن يشار اليهم ببنان في أروقة المعارضة. بل كانوا دهاة في طرح أنفسهم للواجهة ونجح اغلبهم في ذلك لصعوبة التمييز بين المعارض الحقيقي من غيره واختلاط الحابل بالنابل. لا احبذ الوقوف طويلا عند هؤلاء لفقدان المبدئية في ادائهم وبعدهم عن الثوابت الوطنية والدينية. لذلك لابد من وقفة تحليلية لمآثر الصنف الاول كونهم يمثلون العلامة الفارقة في سياسة العراق الجديد حسب القراءة المنصفة، لما وضعوه من لمسات لها خصوصية معينة بعد التحرير. لا بد من تشخيص دقيق لأداء القوى الوطنية لان ما قدموه نابع من دوافع وطنية واداء للتكليف الشرعي في ما يتعلق بالاسلاميين. حري بمن استجاب لهذين الدافعين ان يتحلى بقدر كبير من الواقعية، والأخذ بنظر الاعتبار التحولات الفكرية والثقافية لغالبية أبناء الشعب. إذ من غير الممكن اقناع شريحة واسعة تشكل 70%من أبناء الشعب بأن شخصا معينا ضمن التشكيل الفلاني قد حمل السلاح بوجه صدام وآخر قد اقتحم أسوار المجتمع الدولي في زمن لم يكن اغلب المخاطبين قد ولدوا. كيف السبيل لذلك وقد عاش اغلبهم في اجواء من الحرية اللامتناهية مصحوبة بتطور هائل في عالم التكنلوجيا وتقدم كبير في تقنية المعلومات والتواصل الإجتماعي لم تكن معهوده سابقاً. 

  من حق الانسان ان يفخر بماضيه المشرق، وانا شخصيا اغبط الكثير من هؤلاء كونهم حصلوا على شرف مواجهة النظام والوقوف بوجهه في وقت كان الكثير يهتف لصدام فاديا اياه بروحه وبدمه، وان كان خبز الشعير والذرة من اصعب ماتنوله الأيدي. هذه الصفة الممقوتة تجعل من الامة عديمة الارادة فطالما صفقت لعبد الكريم قاسم بعد ان كانت تهتف لحياة الملك ثم صفقت لعبد السلام عارف ثم للبكر انتهاء بصدام وهي لم تحصل على أبسط حقوق العيش الكريم، والى الان لا تزال تلك الصفة الذميمة يتسم بها بعض النفعيين.

  ما أود الإشارة إليه هنا، ان القراءة الواعية لحركة الامة ومحاكاة الجيل الناشئ وملامسة همومه والعمل على تحقيق تطلعاته، تعتبر التفاتة ذكية غفلت عنها اغلب النخب السياسية طيلة عقد من الزمن ، وان كانت هنالك دعوات منفردة لم تجد الاذن الصاغية منها تخفيض سن الترشيح وضرورة فتح آفاق التعلم وإعطاء الشباب فرصة ممارسة الحياة السياسية. 

  بناء على ما تقدم، تشير معطيات الواقع الذي أشرنا إليه الى تراجع ملموس في أحجام القوى المخضرمة، لم يكن افتقارها للنزاهة والكفاءة سببا في ذلك، بل لعل البعض ممن يشار اليه كفاءة وإخلاصا وتدينا انما مزاج الناخب لم يعد آبها بتعكز البعض على الارث النضالي والجهادي كون الجيل الحالي لم يكتوِ بنار المحنة ولا سنوات الحصار الاقتصادي الظالم بحق الشعب.

  انصافا لابد من توجيه الشكر لتلك الاقمار التي شارفت على الأفول وما عليهم سوى الرضوخ لارادة الطبيعة القاضية بتبادل الادوار، ولهم ان يفخروا بامجادهم كونهم في زمن أجبر فيه الكل ان يكونوا عبيدا لطاغية العراق.

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان