ضمير مهدي حمد
الكرد يعرفون ماذا يفعلون في 25 أيلول القادم، لكنهم يجهلون ماذا سيفعلون يوم 26″، بهذه العبارة البسيطة والبليغة معاً، لخص الكاتب والمحلل الاستراتيجي بلال وهاب – متخصص في الشأن الكردستاني -، قضية الاستفتاء في الاقليم وتداعياتها على اكثر من صعيد، في لقاء له مع موقع “بوست وور ووتش ” نُشر في 21 تموز الماضي على موقع معهد واشنطن لدراسات الشرق الادنى. ودلالة العبارة، تُلفت النظر – وهي التفاتة صحيحة وضرورية – الى ان ما بعد الاستفتاء يكتسب اهمية اكبر من الاستفتاء ذاته، بمعنى ان الاستفتاء ليس غاية بذاته، بل احد اهم الادوات للعبور نحو الاعلان المنشود للدولة الكردستانية ، وغياب رؤية شاملة وفق برنامج موحد وواضح للقيادات الكردية المختلفة – في الادنى ان شيئا من هذا لم يُعلن – لما بعد الاستفتاء، يُفرغ الاستفتاء من محتواه ومهامه الحيوية، ويجعل منه جهداً كبيراً ضائعاً بامتياز. وفي التفاصيل نرصد الاتي:
1 – في المستهل، نسجل، ان ذهاب الاقليم الى خيار الاستفتاء وبقوة، انما يمثل اعترافا تاما بفشل العملية السياسية، ولجهة تدبيرالازمات التي صاحبت العلاقة بين المركز والاقليم خصوصا، وظهر بما يكفي، انه وبعد مضي 14 عاما من الاداء السياسي الرديء الذي تداعى ليشمل كافة المرافق الحيوية في البلاد، امنياً وخدمياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً، انما كان بسبب الخلل الاستراتيجي الذي نشأ في بنية العملية السياسية ذاتها منذ لحظة الولادة وفي قطبها المحرك ، الدستور.
2 – وفي السجال الدائر والمستمر بين بغداد والاقليم حول دستورية قرار الاستفتاء من عدمه، لم يتقدم اي من الطرفين الى المحكمة الدستورية للبت في ذلك، وهو امر مثير ومشين في نفس الان، لأطراف ساهمت في صياغة عملية سياسية قاعدتها الاساسية الدستور، ومع ذلك لايعيرونهما اهتماما ولا يحتكمون لهما، لا للدستور ولا للعملية السياسية التي بسببها، وبسببها فقط، تمكنوا من تصدر المشهد السياسي الحاكم في عراق ما بعد الاحتلال.
2 – وهي ليست المرة الاولى حيث حصل ذات الشيء في سجالات دستورية سابقة حول قرار كردستان باستغلال الثروة النفطية في الاقليم وفي كركوك لاحقا.
3 – وقد يكون مرد ذلك، الى الضبابية المحيطة في النص الدستوري المتعلق بالاستفتاء مما يُعطي امكانية التأويل الدستوري لصالح الجهتين معا – ولسنا هنا نناقش في دستورية القرار- وبالتالي سيكون قرار المحكمة سياسيا اكثر منه دستوريا، اي سيكون قرار من له قوة التأثير في قرارات المحكمة الاتحادية، وقد فعلتها ذات المحكمة اكثر من مرة اخرها – في الولاية الثانية للمالكي – كان في نقض قرار البرلمان بتحديد ولاية رئيس مجلس الوزراء بدورتين الذي جاء اعتمادا على قرار سابق لذات المحكمة في جعل مشاريع القوانين المقدمة للبرلمان محصورة بالسلطة التنفيذية فقط، وكانت تلك قرارات سياسية واضحة المعالم جرى اخضاع التفسيرات التعسفية الدستورية لها ، لذا يحجم – الكرد على الاقل – في الذهاب باتجاه القضاء، وللحكومة اسباب اخرى سيكون من بينها بالتأكيد ارادة الراعي الامريكي.
4 – وهنا تكمن المغامرة في اللجوء باتجاه البت دستوريا في قرار الاستفتاء، فان كان التفسير لصالح كردستان يعني فتح الابواب نحو قيام دولة كردية مستقلة، وان كان العكس فسيصبح حلم دولة كردستان “حلم العصافير” كما وصفه طالباني ذات مرة، ولان امر الاستفتاء هو اقليمي دولي ايضا، بل اكثر منه عراقي، لذا لم تتحمس اي من الدول ذات العلاقة الجيو-سياسية للاستفتاء، خصوصا الولايات المتحدة وايران وتركيا. . مع ملاحظة ان بغداد ستكون مجبرة للذهاب الى المحكمة الاتحادية في حال تم الاستفتاء، حينها سيتعقد الامر باكثر مما نتصور وما يتصوره الاخوة الكرد ايضا.
5 – ولعلنا في الاخير نشير بنوع من التأكيد، الى اننا في لحظة مضطربة تماما، اقليميا ودوليا، لحظة لا تدعم قرار الاستفتاء، ذلك ان الاقليم -الشرق الاوسط – وامريكا وروسيا منشغلون فعلا في متغيرات حقيقية ومتسارعة على اكثر من مسار، ولعل اهمها هو انهاء ملف ارهاب داعش باقصى وباسرع ما يكون، وواشنطن – في عهد الرئيس ترامب – اكدت اكثر من مرة، بان هدفها الاستراتيجي الاول لها في المنطقة هو القضاء على داعش ويتأكد هذا التوجه في كل العلاقات الامريكية المتجددة – وفق هذه الرؤيا – مع الدول ذات العلاقة مثل روسيا وتركيا والعراق وايران ودول الخليج والاتحاد الاوربي ايضا والى حد بعيد. لذا فان الوقت غير مناسب تماما بالمعنى الجيو – سياسي، وقد تكون مواعيد اخرى مناسبة، وليس كما يحلو للسيد زيباري ان يردد دائما.
3 – نصيحة اخيرة للاخوان في كردستان، اسرع طريقة واكيدة للوصول الى اعلان دولة كردستان هي ان تعلنوا انسحابكم من العملية السياسية اولا، حينها ستصبحون شعبا بلا دولة وسيكون الاستفتاء خيارا وحيدا لكم وسيفضي حتما الى اعلان الدولة… لكني مدرك ، والقيادة الكردية ايضا، صعوبة ذلك جيدا، ليس لان القيادة الكردية لا تريد ذلك بل لان المخرج الامريكي، مصّر والى مدى غير منظور، ان يستمر عرض المسرحية بوجود اللاعب الكردي!!.
خلاصة تذكيرية:
في الحصيلة الختامية لهذه المقاربة، احسب، بشيء من التأكيد، ان لا ثمة مناص للقيادة الكردية، من الاعلان عن تأجيل اجراء الاستفتاء، والاشكال الوحيد الذي اتصور انهم يناقشونه الان، هو في كيفية التأويل والتعليل للشعب الكردي قبل الاخرين وهو امر لن يطول على اي حال. واذا لم يحدث ذلك، فانه يعني وببساطة شديدة، ان اللامنطق هو الذي يحكم مسارنا وان بدا غير ذلك.
ملاحظة ليست للقراءة : نؤكد اننا في هذه الورقة، نناقش الامر كما يناقشه تماما حكام العراق الجدد لكن الفرق انهم يناقشونه في الغرف المظلمة ، حيث تطبخ اغلب القرارات البليدة ومنذ 2003، ونحن نناقشه في وقت الظهيرة .









