د. احمد الاحمر
لا يختلف اثنان على فضل المعلم والمدرس والاستاذ الجامعي، فلولاهم ماتخرج المهندس والطبيب والصيدلي والمحامي والمحاسب والمدرس والباحث وبقية التخصصات كافة، ولما حصلت انت وكاتب المقال والاخرون على الشهادة والمعرفة والخبرة والوظيفة والمكانة التي يمتلكونها حاليا، و الايات والاحاديث والاقوال الماثورة في فضل المعلم واهل العلم كثيرة، منها قال تعالى (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وقال رسول الله (ص) (من علَّم علما فله أجر من عمل به لا ينقص من أجر العامل) وكذلك من الاقوال الماثورة (من علمني حرفا ملكني عبدا) .
وفي هذا المقال سنركز على الاستاذ الجامعي الذي امضى سنوات طويلة من الدراسة داخل او خارج العراق، وبذل جهودا مضنيا للحصول على الشهادات العليا كالماجستير والدكتوراه وبعدها العمل في التدريس والبحث العلمي والتاليف والترجمة والنشر والواجبات الاخرى، فلكي يقوم الاستاذ الجامعي بهذه الواجبات المطلوبة منه، فانه لابد من تذليل جميع العقبات امامه وحل جميع المشكلات التي تواجهه وتوفير الدعم المادي والمعنوي والمحفزات التي تزيد من انتاجيته وابداعه واستمراريته في العمل. فمن اهم الامور التي يحتاجها الاستاذ الجامعي، هو زيادة راتبه الشهري ، حيث ان الاستاذ الجامعي في العراق يتقاضى راتبا حاليا اقل بكثير من اقرانه في الدول المجاورة والدول الاجنبية، فمثلا يتقاضى الاستاذ المساعد في دول الخليج في بداية تعيينه راتبا بحدود (3000-7500) دولار شهريا.
اما في الدول الاوربية والولايات المتحدة، فيتقاضى الاستاذ الجامعي راتبا بحدود (4000-8000) دولار شهريا ، بينما لايزال راتب الاستاذ الجامعي بلقب مدرس او استاذ مساعد في العراق مع كل المخصصات يتراوح بحدود (1000-2000) دولار شهريا، وحسب سنوات خدمته، وهنالك تحديات تواجه هذا الراتب ايضا مثل ايقاف المخصصات اثناء الاجازات الطويلة او الدراسة خارج العراق، و قانون التامينات الاجتماعية الذي يتم تشريعه حاليا والذي قد يحجب مخصصات الخدمة الجامعية، ويزيد الاقساط التقاعدية ويقلل الراتب التقاعدي للاستاذ مما يشكل ظلما واجحافا بحقه وكذلك فانه من الضروري زيادة اجور المحاضرات الاضافية واجور الاشراف على طلبة الدراسات العليا وتوزيعها بشكل عادل، حيث لاتتجاوز اجور الساعة الاضافية الواحدة 5000 دينار وهو مبلغ زهيد جدا مقارنة بالجهد المبذول.
والاستاذ الجامعي وعائلته ايضا بحاجة الى توفير سكن لائق لهم وقريب من محل عملهم، حيث ان عدد المجمعات السكنية الجامعية لايتناسب مع عدد الاساتذة وبدلات ايجارها احيانا مرتفعة ويجب تخفيضها، وللاستاذ الجامعي الحق ايضا في الحصول على قطعة ارض لبناء دار له، حيث لم يحصل الغالبية من الاساتذة على قطع اراض رغم المساحات الشاسعة في العراق غير المستغلة، وكذلك بالامكان توفير قروض ميسرة للاساتذة الجامعيين لمساعدتهم في شراء قطعة ارض ومن ثم بناء دار سكني بالتدريج. وفي الوقت الذي يطالب فيه الاستاذ الجامعي بانجاز عدد من البحوث سنويا ونشرها في مجلات عالمية، فانه في المقابل يجب توفير دعم مادي للباحثين لتغطية تكاليف مواد البحث واجور النشر، اما بالنسبة للبنى التحتية فان الاستاذ الجامعي بحاجة الى المختبرات المجهزة بالاجهزة المختبرية المتطورة و قاعات دراسية نموذجية تتوفر فيها الوسائل التعليمية العصرية مثل الشاشات الذكية واجهزة العرض (داتا شو) والاجهزة الصوتية واجهزة التكييف وكذلك توفير مكاتب لائقة للاساتذة، وانه من المؤسف ان بعض الاساتذة الجامعيين ممن يحملون مراتب علمية متقدمة، لايزالون في بعض الكليات يجلسون في (كرافانات) لاتقيهم من برد او حر ومن الضروري ايضا توفير خدمة انترنت مجانية وامكانية الدخول على النسخ الكاملة للبحوث في المجلات العلمية وفي مجال التدريب والتطوير، يجب توفير الدعم المادي لحضور المؤتمرات والدورات التدريبية وورش العمل داخل وخارج العراق، وكذلك التفرغ العلمي والبعثات الدراسية والبعثات البحثية لاطلاعه على اخر المستجدات في طرق التدريس والتعليم الحديثة وتحديث المناهج الدراسية النظرية والعملية والبحث العلمي والاجهزة المختبرية الحديثة والادارة الجامعية واستخدام تكنلوجيا المعلومات في الجامعة.
اما في الجانب الاداري، فيجب تعيين حملة الشهادات العليا و التركيز على انتاجية الاستاذ بدلا من مطالبته بعدد ساعات دوام طويلة لان ساعات دوامه ليست الاهم بقدر ادائه لواجباته وانتاجيته العلمية، وكذلك تفعيل مبدأ مكافأة المتميزين والمبدعين بالمكافات المادية و كتب الشكر والتقدير وتنبيه المقصرين على مواطن الخلل لاصلاحها، ومن الامور المهمة الاخرى ان الاستاذ بحاجة الى مساندة القيادات الجامعية له كرئيس القسم ومعاون العميد وعميد الكلية صعودا لتذليل العقبات وتجاوز الروتين وتوفير الدعم العلمي والاداري بضمنها انصافه في التقييم السنوي وتسهيل انجاز معاملات الترقية لمستحقيها والعدالة في توزيع الواجبات وتلبية طلبات التدريسيين المشروعة، وهذه القيادات يجب ان لاتتمتع بالمؤهل العلمي والخبرة والتخصص فحسب، وانما يجب ان تتوفر فيها المقبولية من قبل قواعدها وهي الكوادر التدريسية من خلال اجراء استبيانات سرية دورية لقياس مقبولية القيادات الجامعية من قبل كوادرها وتشخيص نقاط الخلل ومحاولة اصلاحها او استبدال القيادات الجامعية من قبل الجهات العليا بقيادات افضل تتوفر فيها الصفات المطلوبة مما يخدم المصلحة العامة وفي الوقت الذي يجب فيه تكريم وترقية القيادات الجامعية المتميزة، يجب كذلك اتخاذ اجراءات رادعة من قبل الجهات العليا بحق مدير المؤسسة او القسم الذي يثبت عدم كفاءته او فساده الاداري او اساءته الى كادر مؤسسته او تفضيل المصلحة الشخصية او مصلحة الاقلية على المصلحة العامة ، ويجب ايضا المحافظة على استقلالية الجامعات وابعاد الضغوط السياسية والحزبية عنها وعن كادرها.
واخيرا، فان الاستاذ الجامعي ما لم يتم توفير البيئة الجامعية الملائمة له والدعم المادي والمعنوي اللذين يشجعانه على العطاء في التدريس والبحث والابتكار والرعاية الصحية، فانه قد يضطرالى الهجرة والعمل في الدول العربية او الاجنبية بدلا من العراق مما يسبب خسارة كبيرة في العقول والكفاءات العلمية العراقية ومما يصعب تعويضه ويضر بجودة التعليم العالي في العراق واختم مقالي بقول امير الشعراء:
قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا.







