أ. د. عمر ميران*
في البداية، احب ان اقول لكل العراقيين, إن هؤلاء الذين يسمون انفسهم قادة للشعب الكردي انما هم يمثلون انفسهم واتباعهم فقط، وهم قلة في المجتمع الكردي ولا يمكن القياس عليهم ولكنهم وللاسف اقول, يستغلون نقطة الضعف في شعبنا ويلعبون على وتر حساس ليجنوا من وراء ذلك ارباحا سياسية خاصة تنفيذا لرغبة اسيادهم الأمريكان. ان الشعب الكردي كله شعب بسيط وبدائي في كل ما في الكلمة من معنى حقيقي. وهذا ينطبق على اخلاقه وتعاملاته وتراثه وتاريخه وثقافته وما الى آخره. فلو اخذنا نظرة عامة ولكن ثاقبة لتاريخ الشعب الكردي لوجدنا انه تاريخ بسيط وسهل، ولو اردنا ان نعمل عنه بحثا تاريخيا علميا لما تطلب ذلك اكثر من بضع صفحات. هذا ليس عيبا او انتقاصا من شعبنا الكردي ولكنه حال كل الشعوب البسيطة في منطقتنا المعروفة حاليا بالشرق الأوسط.
على العكس من ذلك ما يمكن ان يقال بحق الشعوب المتحضرة والمؤثرة ببقية العالم المحيط بها والقوميات الأخرى والمجاورة لشعبنا على مر التأريخ كالفرس والعرب والأتراك، واذ ابتعدنا قليلا كأهل الهند و الصين. والمقصود هنا هو ان شعبنا الكردي لم يكن له تأثير مباشر او غير مباشر على الأقوام المجاورة له, ولا على الشعوب والأمم الاخرى في العالم, وهذه هي الصفة الأساسية الأولى للشعوب البسيطة والمنعزلة عن محيطها الخارجي المجاور. وهذا بحكم الطبيعة الجغرافية الصعبة التي يكون عليها الكرد. علما ان هذه الطبيعة الجغرافية الصعبة والحصينة، كانت ستكون اول الخطوط الدفاعية عن الحضارة لو كانت هناك بقايا او معالم حضارية كالعمارة او الثقافة او التراث الشعبي. وليس هذا فحسب وانما والحقيقة العلمية يجب ان تقال , فليس لدى الشعب الكردي ما يقدمه للشعوب المجاورة . علما ان معالم الحضارة الآشورية (الموجودة في نفس المنطقة) ماتزال قائمة هناك وقد حمتها الطبيعة من الزوال بحكم عدة اسباب من اهمها البعد والوعورة وصعوبة الوصول اليها من قبل الغزاة وعلى مر العصور اضافة الى ان المادة الاولية المعمولة منها هي الأحجار و ليس الطين كما في بعض الحضارات القديمة. فلم يصل الى علمنا وجود اي معلم من المعالم الحضارية للشعب الكردي (انا اتكلم هنا الى ما قبل وصول الاسلام الى المنطقة).
ان البعض يحاول ان يقنع نفسه بحضارة كردية وهمية كانت في زمن من الأزمان واقصد هنا الدولة الأيوبية. وهنا اقول، انها لم تكن كردية ولكنها اسلامية و قادتها ومؤسسوها من الأكراد, ولكنهم عملوا كمسلمين وليس باسم قوميتهم الكردية, وكان هذا عاملا يضاف ويحسب للاسلام لأنه لا يفرق بين العرب وباقي القوميات الأخرى. وهناك نقطة حساسة ومهمة وقد تثير الكثير من اللغط، وهي ان هناك الكثير من العوائل بل والعشائر الكردية ذات تأثير في المجتمع الكردي, مع العلم ان هذه العشائر هي من أصل عربي، ومن تلك العشائر على سبيل المثال لا الحصر (البرزنجية والطالبانية). ان هذه العشائر قد قدمت الى المنطقة لأغراض مختلفة ومنها الارشاد والتوعية الدينية, وبمرور الزمن اصبحت هذه العشائر كردية (استكردت), فلو كان الاسلام او العرب هم كما يتم وصفهم الآن (بالعنصرية والشوفينية) فهل كانوا سيسمحون بأن تستكرد قبائلهم، و تتغير قوميتهم ولغتهم؟
اما بعد ان جاء الاسلام للمنطقة وتم ادخال اللغة (الكتابة) فمن المعروف ان الاكراد لم يكن لديهم حروف مكتوبة ولكن لغة يتكلمون بها فقط (وهذه صفة اخرى من صفات المجتمع البدائي البسيط). هنا بدؤوا بتعلم الحروف العربية واخذوها ليكتبوا بها لغتهم وليحموا تراثهم, وهذه حسنة من حسنات المد الاسلامي للمنطقة. وبعدها ومن هذه النقطة، بدأ الشعب الكردي يتداخل مع شعوب المنطقة الأخرى وبدأ يتاثر بها (طبعا اكثر من تأثيره فيها كما قلت لانه مجتمع بسيط) ثم بدأ الأكراد ينطلقون نحو مناطق الاسلام بحرية ويسر بحكم انتمائهم لنفس الأمة (الاسلامية) ولم تكن هناك من معوقات بهذا الخصوص لأن الاسلام يحرم التمييز بين القوميات. ومع هذا كله، فلم نسمع او نجد اي اثر يمكن لنا ككرد ان نقول انه تراث حضاري كردي خالص. واستمر هذا الحال الى يومنا هذا، فيما عدا بعض قصائد شعرية تنسب لأحد الشعراء الأكراد وذلك في وقت متأخر جدا.
خلاصة القول، ليس هناك طريقة شعرية متميزة, وليس هناك طراز معماري متميز, وليس هناك لغة متكاملة, وليس هناك تراث شعبي تتميز به الأقوام الكردية.
ما أريد أن أصل اليه الآن, انهم يريدون ان يفهموا العالم بان الأكراد كانوا اصحاب حضارة وعلم وتراث وكل هذا غير وارد تاريخيا وليس له اي اثبات علمي. انا هنا لا اريد ان انتقص من شعبي او من نفسي ولكن الباحث العلمي يجب ان يتحلى بالصدق والأمانة العلمية الدقيقة. وخوفي هنا انهم سجعلون من الشعب الكردي شعبا كاليهود في فلسطين، وسيجعلون عليهم قيادات تسير بهم نحو الهاوية ،اويتم استخدام الشعب الكردي لمحاربة اعدائهم بالدرجة الأولى (اقصد اعداء اليهود والأمريكان) وكل ذلك على حساب الشعب الكردي البسيط والمغلوب على امره. وكما قال عبدالله اوجلان: (دولة كردية كإسرائيل مرفوضة نهائيا). ولنا ان نتصور لماذا يودع اوجلان السجن ويستقبل الاخرين في البيت الأسود؟.
وهنا سنكون نحن المتعلمين وامثالنا المثقفين (الذين نعلم حقيقة ما يضمرون) ضد مشاريعهم الهادفة الى زعزعة المنطقة باسرها, كما يحدث في الكيان الصهيوني الآن حيث ان البعض من اليهود هم ضد مشاريع الصهيونية العالمية وتساند الشعب الفلسطيني هناك. وهنا ايضا اريد ان اتطرق الى نقطة مهمة اخرى، وهي التسمية التي يطلقونها على المنطقة (كردستان) والتي كلما ذكرت امامي وانا ابن تلك المنطقة, اشعر بالغثيان والاشمئزاز لما تحمله هذه التسمية من عنصرية بغيظة. فلماذا يتم اختيار هذا الاسم علما انه يلغي الوجود الفعلي للكثير من القوميات المتواجدة هنا من: الآشوريين والأيزيديين والكلدان والعرب والتركمان وغيرهم, فهل هذا هو العدل الذي يعدون به شعوبنا؟ وهنا اريد ان اذكر مثالا بسيطا, لو كان العراق اسمه دولة العراق العربي (كما هو موجود في سوريا ومصر وغيرهما) فهل كان الاكراد سيقبلون بهذه التسمية؟ انا اجيب عنهم: لا لن نقبل.
اذن، فلماذا نريد من باقي القوميات والتي تعيش معنا في نفس منطقتنا ان تقبل بما لا نقبله نحن على انفسنا؟ (وهذا وجه آخر من أوجه الشبه مع الكيان الصهيوني الذي انشأ دولة عنصرية قائمة على التمييز العنصري من اسمها الى افعالها).
* أ. د. عمر ميران/ مواليد 1924 شقلاوة/ اربيل ،بكالوريوس حقوق/ كلية الحقوق/ جامعة بغداد 1946، حاصل على شهادة الدكتوراه/ 1952 / جامعة السوربون/ تخصص تاريخ شعوب الشرق الأوسط. أستاذ التاريخ/ في جامعات دول مختلفة.









