جواد ابو رغيف
مازالت ذاكرتي المثقوبة تحتفظ بذكرى حفرت وجودها في غرف الذاكرة الذهنية دون ان تزيحها تزاحم الأفكار والقصص والمآسي التي مرت علي في مسيرة حياتي كعراقي عاش ورأى وسمع الظلم الذي لا تستطيع أزرار الكي بورد أن تصفها او تحوي هول فواجعها !!فقد بدأت منذ أن كنت طفلاً احضر مجلس العزاء الحسيني في سبعينيات القرن الماضي والذي منع رجال الأمن الحاج جميل الدراجي من إقامته، ولم نعلم ذلك حتى حضر شهر محرم الحرام وكنت متشوقاًً للحضور فذهبت للجلوس على( البارية)وهي حصيرة تصنع من القصب تستخدم كفراش لجلوس الحاضرين، فلم أجد البارية ولا الحضور ! فعدت إلى والدتي سألتها عن عدم وجود مجلس العزاء ؟ فقالت لي :(يمه الدولة ماتقبل)!!
ولأن علاقة الحسين بالاخر هي ليست علاقة منفعة ولا مصلحة، بل علاقة عشق حقيقية لا تستطيع أية قوة على وجه الأرض أن تقطع تلك العلاقة فهي علاقة روحية ،فقد ذهبت لأنفس عن عشقي وأتواصل مع الحسين عن طريق قراءة الكتب التي تروي قصة المسيرة الحسينية ،ومازلت اذكر أول كتاب قرأته ( زينب بطلة كربلاء) للأديبة (بنت الشاطئ) وهي تروي مسير السبايا الحسينية النساء والأطفال من العراق إلى الشام، ومن الشام إلى العراق على ظهور الجمال الهزل، وبينما شارف الكتاب على نهايته وكنت قد استلقيت على فراشي أواصل تكملة فصول القصة التي ترويها بنت الشاطئ بألمها ومعاناتها ، انفجرت بالصراخ والبكاء عالياً، هرعت والدتي مفزوعة تتساءل عن سبب بكائي؟ هل ضربك احد؟ هل وقع عليك شيء؟ ولكنني لم استطع أن أبوح بسبب بكائي !وهو أن أسئلة كثيرة تفجرت في رأسي حينها؟ وهي لماذا رفض من يقود السبايا في طريق العودة الى مدينة جدهم رسول الله، طلب زينب أن يعرج بهم إلى كربلاء موضع جسد الحسين وأهله وأصحابه؟ ترى من اي نوع من الإنسانية هؤلاء؟ وهل يحملون صفة الإنسانية؟ وعلى الرغم من سنواتي التي لم تتجاوز الاثنتي عشرة حينها بيد أني هونت تساؤلاتي وقلت :ليس غريباً، الم يمنع النظام البعثي مجالس العزاء الحسيني هذه السنة لالشي الا استهتاراً فالمجالس الحسينية تحوي من المنفعة الأخلاقية والاجتماعية الشيء الكثير، فهي تساهم في بناء المنظومة القيمية الاجتماعية وتزيد من روابط المحبة بين أبناء المجتمع الواحد فالحسين عليه السلام هو نقطة التقاء بين الأحرار في كل زمان ومكان، وليس ثورة كما يصورها البعض بل هو مسيرة اصلاحية عالمية كبرى، لذلك كان الحسين مهوى لأفئدة الكثيرين من المفكرين والمصلحين بمختلف مرجعياتهم الفكرية والأيدلوجية فـ (المهاتما غاندي ) في مقدمة المتأثرين بالفكر الحسيني فلقب المهاتما يعني النفس الكبيرة وأصحاب النفوس الكبيرة يلتقون بفض النظر عن الزمان والمكان وكانت مقولة غاندي الشهيرة ( علمني الحسين كيف أكون مظلوماً فانتصر) هي مصداق للقاء المصلحين، فنهضة الحسين هي انتصار الدم على السيف، وان المظلومية هي بداية النصر، فكأن عزائي عندما حرمت في طفولتي من حضور مجلس عزاء الحسين أن النصر للحقيقة سيبزغ فجره حتى ولو بعد حين وان (بداية انحلال الدول وسقوط الأنظمة عندما لايحترم القادة الشعائر الدينية للشعوب) كما يقول ميكافيلي.









