دراسات

الاستعمار و " الواوي " و مجموعة " هايكو دفتر " للشاعر سلام دواي

هذه الحكاية التي تتحدث عن ” بطولة ” تلك العشيرة !!! ومطالبتهم الانكليز بإرجاع ” واويهم” ، تناسوا او نسوا ان العراق قد سرق كله من قبل الانكليز، فتركوه واخذوا يطالبون بحيوان غير اليف ومعاد للحيوانات و البشر .

فيما نشرت هذه الحكاية بشكل اخر على احد مواقع الانترنت قبل سنوات ، إذ ان هناك عشيرة في وسط العراق تتبجح بأنهم طالبوا الانكليز برد ” واويهم ” ، زاعيد اليهم !!! ، وجعلوا من حكايتهم هذه تأخذ طابعا دراماتيكيا مثيرا .

تحكي الحكاية التي وجدتها منشورة في بعض المواقع الالكترونية ، انه : (( قام مجموعة من ضباط الانكليز بمطاردة ثعلب داخل عمق مناطق بساتين الشيخ كاصد. تمت محاصرة هذا الثعلب وكان جميل الشكل فقرروا أسره وشحنه إلى بريطانيا للمباهاة.

وتشاء الصدف أن يشهد الحادثة أحد الرعيان وكان قبيح المنظر أعور” وأعرج وقصير القامة. ولم ينبس هذا الراعي بشفة في حينها لكنه أمتعض امتعاضا” شديدا”. وحالما غادر البريطانيون البستان جمع الخراف على عجل وتوجه إلى مضيف الشيخ.. دخل الراعي المضيف وكان الشيخ جالسا مع رجاله وربعه من العربان فقام برمي العقال على الحصيرة وهوس مايلي بالجلفي (مع الشرح بالفصيح):

واوينا ياكاصد شنهو السبب كضه (لماذا أسرو ثعلبنا)

تراجيه ذهب والطوك من فضة (معناها ثعلبنا عزيز وغالي)

جم صوجر بصوجر بالسدر عضه (عض كثير من الجنود البريطانيين)

ميسور إلـ لنده يودونه؟ (هل سنقبل بأن يرسل إلى لندن أسيرا)

عندئذ ساد المضيف الهرج والمرج من شدة هذا الكلام عليهم، شلون الواوي يروح أسير إلى لندن. وزعق الشيخ كاصد على أتباعه : تفككم أخوتي…. تفككم أخوتي….

وجمع الشيخ كاصد مجموعة كبيرة من المسلحين ببنادق الكجك جبلي القصيرة والتي تستخدم في الهجمات الالتحامية وتوجه الى المعسكر البريطاني. وفي هجوم خاطف دخلوا المعسكر غير المستعد وفتكوا بكل الجنود البريطانيين الموجودين فيه. وبحثوا مطولا” عن الواوي ولكن بدون جدوى، فلم يكن له أثر، فعاد الشيخ كاصد مع رجاله إلى ديارهم وهو يرتعد من الغضب فقد تم شحن الواوي إلى لندن وكان هذا قدره.

أما ما كان من البريطانيين فقد صعقتهم المفاجأة فهذا عمل عسكري تكتيكي لا سابقة له في تاريخ الحرب العالمية الأولى وما قبلها. وربما أخذ الألمان من الشيخ كاصد فكرة الحرب الخاطفة. فبدأ البريطانيون تحقيقاتهم وتحرياتهم مستفيدين من ذوي النفوس الضعيفة وشخصوا قائد المقاتلين وتحسبوا لكل ما يمكن أن يكون أسوأ من ذلك واعتبروه اهانة لا يمكن غض النظر عنها لملكتهم المعظمة وللتاج البريطاني وتوصلوا إلى حل أوله قطع رأس الشيخ كاصد ،ولن ينتهي إلا باجتثاث رجولة كل رجاله الذين شاركوه في الهجوم لكي يكون عبرة لغيره.

وكعادة البريطانيين في الكيد والخباثة طلبوا من الشيخ كاصد أن يتوجه الى مقر المندوب السامي البريطاني في بغداد للتفاوض والغرض الحقيقي الإنفراد به وأسره لغرض تنفيذ الحكم بأعدامه.

رفض الشيخ كاصد هذا الطلب وقال ما معناه اللي يريد يحجي وياي يتفضل عندي بالمضيف وهو آمن على الرحب والسعة.

عندئذ توصل المندوب السامي إلى حل وسطي في الخباثة وأرسل له بطلب موافاته في القطار الذي سيتوقف في أقرب محطة من مقر الشيخ كاصد وفي ضميره أن يأسره في القطار ويتوجه به إلى بغداد حيث يعدمه هناك. وافق الشيخ كاصد وتوجه إلى المحطة.

وعندما وصل إلى المحطة كانت تحوط القطار من جميع الجهات جميع تفاكه العشاير والبحر من الرجال والعكل والسلاح من عشائر الفرات الأوسط. وكان القطار يبدو مثل القارب الصغير وسط بحر من الرجال المسلحين.

فطار قلب المندوب السامي البريطاني شعاعا” فقد ظن بأنه وقع في فخ الشيخ كاصد (كلمن يشوف الناس بعين طبعه) وأن الشيخ ينوي الفتك به كما فتك بجنوده.

ولكن الشيخ كاصد لم يكن يضمر الغدر وصعد إلى القطار وكان لبقا” ودبلوماسيا” في حديثه مع المندوب السامي فحاول بحلاوة المنطق أن يعيد الواوي إلى موطنه. وهنا ارتأى المندوب السامي طلب جزية لقاء الجنود الذين قتلوا في المعسكر البريطاني، فلم يكن يصدق مطلقا” أن هذا العمل العسكري المرعب هو لإطلاق سراح الواوي. وحاول أن يكون حادا” مع الشيخ بكل عنجهية واستعلاء فكتوري على طلب مبلغ يكسر الظهر.

أدرك الشيخ كاصد أن لا جدوى من الكلام مع المندوب السامي البريطاني فقال له إنني لست صاحب القرار في ذلك ولكني سأنقل رغبتك بكل أمانة لأخوتي وأنا سأطيعهم في ما يقررون. وخرج الشيخ من القطار ولم يجرأ أحد على إيقافه.

خاطب الشيخ كاصد جموع المحاربين قائلا” بطريقة يفهمونها بقصد استفزازهم على البريطانيين:

– الصاحب يريد دن (جزية تعويضية) والواوي باقي يمهم شتكولون أخوتي؟؟؟

وهنا جن جنون المحاربين من هذا الطلب وظلوا يهوسون ببنادقهم ورافقتها أطلاقات نارية في الهواء:

– دن ما ننطي وهد واوينا

ارتعدت فرائص المندوب السامي ومن معه من المرافقين والحرس وظنوا أن الهلاك المحتم مصيرهم.

وأشار عليه أحد مرافقيه أن يغض النظر عن هذا موضوع الدن وأن يعد الشيخ بإطلاق سراح الواوي بأسرع وقت. فقال المندوب السامي ما معناه منين أجيب الواوي؟؟؟ فقال له من معه “جيب أي واوي منين ما جان وأعطه لهم وسد حلكهم.”.

عندئذ أبرق إلى بغداد بإرسال أي واوي شلون ماكان بأسرع ما يمكن وكان له ما أراد.

وهكذا عاد الواوي الأغبر إلى دياره بزفة عظيمة من هوسات المقاتلين الذين أسعدتهم عودته ولم يسبق أن حظي بهذه الزفة أي واوي في تاريخ العالم القديم أو الحديث. كذلك عاد الشيخ كاصد فرحا” ومسرورا” بعودة الواوي العزيز والغالي والذي من أجله سقط العشرات من الجنود البريطانيين مضرجين برصاص العشاير فداء له.

من ناحية أخرى عاد المندوب السامي مع مرافقيه إلى بغداد غير مصدقين بنجاتهم من ناحية وكيف أن أرواحهم كانت على المحك وإنها توقفت على واوي أغبر واحد وما أكثر الواوية في العراق وبريطانيا العظمى) (منقولة حرفيا من احد المواقع).  

ولو ناقشنا ما جاء في نص الحكاية من امور اريد منها ان تكون حقيقية ، الا انها كانت باطلة ، وموضوعة ، في هذا الزمن بعد الاحتلال العراق ودخول الانكليز على خط الاحتلال مع امريكا واعوانها ، لوجدنا ان الحكاية تطلب من العراقيين ان ينسوا امر الاحتلال ، و ينسوا اخراج المحتل من العراق وتحريره كاملا ، فهم ، اي تلك العشيرة ، وضعوا جل اهتمامهم في ” الواوي ” وتركوا ما هو اعظم منه وهو احتلال العراق ، وان تلك العشيرة من عشائر الفرات الاوسط المشهود لهم بمحاربة الانكليز في ذلك الوقت تهب لمقاتلة الانكليز (ثورة العشرين على سبيل المثال )لا لشيء الا لانهم اصطادوا ” واويا ” ونسوا انهم يحتلون العراق ، لانهم وجدوا ان هذا الاحتلال ليس من شأنهم ، ولا يعنيهم بشيء،حسب اعتقادهم ، فضلا عن ان هذه الحكاية تبين مدى غباء الشيخ  ” كاصد ” الذي لم تذكر الحكاية المنشورة شيخ اي عشيرة ؟؟!! ” حتى قبل ” بواوي ” غير ” واويهم ” الاصلي ، وتبجح امام افراد عشيرته بانه اعاد الواوي المصاد ، والمرسل الى انكلترا.

وايضا تبين هذه الحكاية قوة رجال العشيرة واحتلالهم لمعسكر الانكليز لانهم اصطادوا ” الواوي” ولم تكن بطولتهم تلك من اجل العراق المحتل .

ان هذه الحكاية قد حيكت بتأن ودراية كاملة لاجل احباط همم العراقيين في اخراج الاحتلال ، وتحرير العراق ، في  ذلك الوقت او في هذا الوقت ، حتى لو تطلب الامر استخدام السلاح ودفع الدماء الغالية ، لا البحث عن امور جانبية ، مثل واوي هذه العشيرة .

وارى ان الشاعر سلام دواي قد انتبه الى هذه الحكاية ، فبنى قصيدة ” هايكو ” على اثرها ، ذكر فيها ان الانكليز قد جلبوا ثعلبا ( كل يفسره او يؤوله حسب ذائقته التأويلية وذاكرته الجمعية  ) الى استراليا ، ولا نعلم ان كان هو ” واوي ” عشيرة الشيخ كاصد ، ام لا ؟

وها هو يقول في هايكو اخر عن الكذابين ( الحكواتية ) الذين اعملوا خيالهم في وضع هذه الحكاية :

((الكذابون أحبهم

يرشون علي خيالهم

فابدو شهيرا وداكنا

مثل شجرة وحيدة

في أعلى الجبل)) . (هايكو دفتر / ص38)

هل دفع العراقيون بالشاعر سلام دواي الى استراليا لاعادة ” الواوي ” الذي اخذه الانكليز ثم ارسلوه الى استراليا ؟

 وهل ان العراقيين في استراليا ومن ضمنهم الشاعر سلام دواي ، ما زالوا يتحينون الفرص لاعادة ” الواوي ” الى العراق ؟

اترك القارئ الحصيف يؤول ويفسر ليصل الى الدلالات والمعاني التي يريدها الشاعر سلام من هذا الهايكو ، وهل كان الشاعر يقصد بهذا الهايكو ان الثعلب يراد به طرق الحيلة والخداع الانكليزية التي تشيع في استراليا ، ومنها اشتراكهم مع الامريكان في العدوان على العراق ؟

اترك المتلقين يبحثون عن الدلالات والمعنى ، واترك العراقيين يبحثون عن ” واويهم ” في استراليا ، او في انكلترا ، فيما الاحتلال ما زال جاثما على صدورنا .

والشاعر سلام دواي ما برح يردد في هايكو اخر قائلا :

((في غربتي الواسعة

شقتي الضيقة

تفكر فيك)). (هايكو دفتر / ص12)

هل ما زال الشاعر مشغول الفكر في ” واوي ” تلك العشيرة ؟ ام انه محى من ذاكرته  تلك الحكاية الكاذبة عن العراقيين الابطال :

((لا تجمع أخطاءك في كيس

قالت لي ريح عابرة

وتركت في بابي

ممحات

ومكنسة)). ( هايكو دفتر / ص51)

ارى ان الشاعر قد دفعه العراقيون (دفعا) لمغادرة العراق كما يقول الهايكو، حيث حط الرحال في استراليا مدفوعا اليها، فيما وصل الثعلب (او الواوي) اليها براحة تامة بعد ان اخذه الانكليز من العراق عنوة ، كما اخذ الامريكان واعوانهم كل شيء من العراق المسلوب.

هكذا يلعب الحكي في عقول الناس ، كما تفعل هذه الحكاية الموضوعة ، إذ تؤسس لقيم واخلاق ليست من قيم واخلاق العراقيين ، انها تزرع في عقولهم وفي تفكيرهم ان الشيخ كاصد (!!!) وعشيرته ابطال لانهم اعادوا من المحتل الانكليزي ” واويهم ” ، وتركوا العراق محتلا ، وهكذا صنع المحتل الامريكي امورا ثانوية ليشغل العراقيين بها ويظل هو المحتل ، مثل الصراع الاقليمي ، والصراع القومي ،  والصراع الطائفي.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان