د. عقيل الناصري
وعلى ضوء ما تقدم ولما وصلته البشرية من تطور وبنى مؤسسات الدول من تنظيم، قد انطلق من فكر سياسي ذات صيغة استعمارية. لهذا فقد كان تأسيس الدولة العراقية المعاصرة منذ لحظتها “… في عشرينيات القرن المنصرم، اتضح وجود أفكار مختلفة جدا حول مستقبل العراق، وقد تغيرت الحدود الفاصلة بين هذه الأفكار عبر البلاد بأكملها، مع محاولة الفصائل المختلفة، المتمتعة بسلطات متنوعة، إثبات سيطرتها وإخضاع الآخرين لرؤيتها الخاصة للدولة، فتعارضت هذه الرؤى وتنافست على مر التاريخ العراقي. سلطات الانتداب البريطاني في العشرينيات، شيوخ القبائل في ظل الملكية والجمهورية، القوميون العرب منذ الثلاثينيات على الأقل، علماء الدين الشيعة خلال تلك الفترة، الحزب الشيوعي العراقي في ذروة أحداث الخمسينيات ومطلع الستينيات، الأحزاب الكردية في تناحرها فيما بينها ومع السلطات المركزية وخلال الأعوام الثلاثين الماضية، صدام حسين وجماعته – جميعهم تركوا بصماتهم على التاريخ العراقي المعاصر… “.
وهذه الافكار كانت أحد اسباب الصراع وبصورته العنفية وغير العنفية ؛ التناحرية واللا تناحرية ، كتعبير عن اختلاف الرؤى والمصالح، وقد مثلت المنطلق الفكري لكل ما يحدث للعراق المعاصر وكانت من أراسيات الصراع الاجتماعي، وهي في بعض تجليلتها، قد حفزت على تطور القوى الامنية كي تجابه هذا الحراك الاجتصادي والسياسي والفكري وجملة الانتفاضات منذ بداية القرن العشرين .
تواجه الباحث في تاريخ العراق السياسي المعاصر فكرة سائبة وغير صائبة، كما نرى، تكمن في كون العراق “… كيانا مصطنعا، وهي فرضية ما انفك مخططو السياسية في الغرب، فضلاً عن مخططي السياسة العربية يسوقونها من دون أن تعني في حقيقتها الشيء الكثير, وتلقي هذه الفرضية رواجاً كبيراً هذه الأيام حيث تنطلق من فكرة أن البريطانيين صنعوا العراق في عام 1920 بسرعة ومن دون إتقان ومن ثم شرعوا بحكم فسيفسائه العراقية والطائفية في المواجهة الكاملة مع الشعور الانفصالي والانقسامات في الدين والعرق. وبعد التأسيس، فإن مناصري هذه الفرضية أكدوا أن المجموعات الرئيسية في البلاد التي لا يربط بينها رابط كبير في سياق التاريخ أو الثقافة، استمرت في وجودها المثير للجدل … “.
فهل تصمد هذه الفرضية مع تطابق الواقع الصيرورة التاريخية للعراق؟؟ لنقرأ التاريخ بعيون متفتحة وعلى وفق الحقائق التاريخية، إذ كان “… العراق في الأيام القديمة، يتألف من الولاية العباسية من العراق، وجزء من الجزيرة.. وفي القرون الثلاثة الأولى من الحكم التركي اتحدت في ولاية واحدة هي أيالة { ولاية } بغداد وهي واحدة من أعظم ولايات الامبراطورية التركية، التي يحكمها باشا يحمل الراية ذات الأذناب الثلاث **… “. وكان والي بغداد “… يسمى بالعادة وزير العراق … “.
لقد شاعت مفردة العراق في أواخر العهد الساساني، فقد تشعبت واختلفت اراء الباحثين فيها وبمعناها. لكن “… من الممكن تلخيص هذه الاراء بحصرها باحتمالين، الاول أن اسم العراق عربي في أصله، وأن لفظة العراق على ما نحتمله يرجع في أصله إلى تراث لغوي عراقي من العصور القديمة… وأن معنى كلمة عراق شاطئ البحر أو الشاطئ والساحل على وجه الاطلاق وإنما سمي عراقا لدنوه من البحر… أما الرأي الثاني فهو بارجاع أصل كلمة عراق إلى التراث اللغوي القديم. هذا الرأي يقول إن لفظة العراق سومرية أو لعله مما قبل العهد السومري وانها مشتقة من كلمة تعني المستوطن ولفظها أوروك بالسومرية… “.بل الأكثر من ذلك فان مصطلح العراق ظهر للوجود منذ أقدم عصور التاريخ ولهذا “… تعددت الأسماء التي أطلقت عليه، حتى الإسم الواحد عبر أحياناً عن مضامين مختلفة تبعاً للأغراض السياسية، ولم يكن هناك دائماً، اتفاق لدى المؤرخين على الحدود السياسية للكيانات التي نشأت عليها، إذ كانت هذه الحدود تمتد أو تنكمش تبعاً للقوة التي كانت تمتلكها الدولة القائمة عليها. وقد تباينت هذه التحديدات حتى في العصور الحديثة … “.
وخير دليل على تحرك الحدود ما تمخض عنه في الحرب العالمية الأولى وانهزام الدولة العثمانية، على وفق معاهدة سايكس- بيكو، حيث قسمت الدول العربية المشرقية بين فرنسا وبريطانيا ونشوء دولها، وأيضاً ما تم بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانبثاق عدة دول جديدة، وقبلها في يوغسلافيا سابقا، حيث انبثقت عدة دول على أشلائها، وخير مثال ما تخطط القيام به الولايات المتحدة لتغير الحدود في منطقة المشرق العربي في سوريا والعراق وغيرها من الدول، وهذا يُؤكده كلام جيمس وولسي رئيس الاستخبارات الأمريكية السابق الذي قال بوضوح : ( المنطقة العربية لن تعود كما كانت، وسوف تزول دول وتتغير حدود دول موجودة)، بمعنى، كما توضح تاريخ العلاقات الدولية، بأنه لا توجد حدود ثابتة ودوما متغيرة.
إن العراق الحالي وجد بعد إعادة التوحيد الاداري للولايات الثلاث (بغداد، الموصل والبصرة). إذ لم يكن قط وحدة سياسية منفصلة قبل عام 1879. لقد تم تقسيم ولاية بغداد في زمن مدحت باشا (1869-1871) على وفق قانون الولايات العثماني لسنة 1864 ونظرته الاصلاحية لتطبيق مبدأ اللامركزية.. لذا استقلت الموصل إداريا حسب، عام 1879 والبصرة عام 1884، مع احتفاظ ولاية بغداد، على الدوام بالسيادة والهيمنة عليهما، وقد أُقر ذلك رسمياً عندما عُهد إلى الوالي ناظم باشا عام 1910 بإدارة شؤون الولايات الثلاث. وهكذا مهدت هذه الصيرورة لتوحيد العراق، مع احتفاظ الكرد بحكمهم الخاص على وفق معاهدة سيفر لعام 1920. بعد أن”… أنهت هدنة مودروس (30 تشرين الأول 1918) الحرب بين بريطانيا والدولة العثمانية، وأصبح بعدها العراق كله تحت السيطرة العسكرية البريطانية فبدأت مرحلة جديدة من مراحل الإدارة البريطانية … “.
وللعلم، فقد سارت وتيرة التعجيل التكاملي لهذه الولايات الموحدة، بخطى أسرع بعد توحيد واستكمال السوق الوطني العراقي، بفعل الاحتلال البريطاني الأول (1914 – 1932) وسعيها لخلق قاعدة اجتماعية ذات مصلحة في ديمومة الاحتلال من خلال تأسيس الدولة المركزية العراقية التي جاءت على انقاض المجتمع العشائري المتشظي، بغية التعجيل بتصدير الفائض الاقتصادي وبخاصة ما مستحصل من النفط والموارد الطبيعية الأخرى .
لقد جاء المحتل البريطاني وفي جعبته دراسات وافية عن الاوضاع الاجتصادية والسياسية في العراق وبنية مكوناته المدينية والريفية وطبيعة ماهيات المكونات الاجتماعية على تعدديتها من اثنية ودينية ومذهبية ولغوية. وقد تم جمع هذه الدراسات من قبل رجال استخباراتهم الذين توافدوا على العراق بإعتبارهم من البعثات الأثرية أو/و وكلاء شركات تجارية، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما كانوا يخططون لاجل الاستيلاء على البلد وإحتلاله وبخاصة عندما تم تحويل سفنهم الحربية من إستخدام الفحم إلى النفط في مطلع القرن المنصرم، وكانت أحدهم المس بيل، السكرتيرة الشرقية لدار الاعتماد البريطاني (صانعة العروش) كما كان يطلق عليها، والتي لعبث وغيرها من العاملين في الإدارة البريطانية ، دورا خطيرا في تحبيذ الحكم غير المباشر وتأسيس الدولة. أي”… لم تأت بريطانيا الى الشرق الاوسط، خلال الحملة الكولونيالية (الاستعمارية) مطلع القرن الماضي، من دون تخطيط مسبق، ولم يكن هذا التخطيط من دون استعداد، مسبوق بالضرورة، بقراءة اجتماعية لواقع شعوبها وطبيعة ثقافتها، قام بها مستشرقون باجندة مخابراتية ومبشرون وغيرهم… “.
بمعنى آخر كان المحتل البريطاني على وعي ودراية تامتين بالوضع الاجتصادي(الاجتماعي/الاقتصادي ) في العراق بغية ترسيخ احتلاله، لهذا اتجه المحتلون إلى إعداد تغييرات في المنظومة الحقوقية للملكية الزراعية وعلاقاتها المبنية على العلاقات الأبوية (البطريكية) من أجل خلق طبقة من الاقطاعيين المرتبطة مصالحهم بمصالح قوى الاحتلال، ويبقى العراق “… تحت هيمنته بعيداً عن تأسيس دولة على وفق المعايير الحديثة، فلا سبيل لديه سوى ابقاء الحال على ما هو عليه، وان أفضل طريقة لديه لتحقيق ذلك الهدف هي ترسيخ العادات والأعراف السائدة آنذاك. لذا فقد عمد إلى تشريع نظام العشائر الصادر سنة 1918، وخلاصته ان المشرع اعتمد العادات والأعراف العشائرية وصاغها على شكل قواعد قانونية آمرة، ووضعه موضع التنفيذ وعلى امتداد المساحة المحتلة. ومما يزيد الطين بلّة، ان الدولة العراقية الحديثة ولافتقارها إلى التشريعات المطلوبة لتأسيس الدولة آنذاك، فانها أبقت على الأنظمة والتشريعات التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية من خلال المادة 114 من القانون الأساسي… ” لعام 1925 .
لقد”… كان الغزاة الإنكليز يطمحون، منذ زمن، إلى السيطرة على هذا البلد الغني بثرواته وبالأيدي العاملة الرخيصة فيه… إلخ, وما أن اكتمل احتلال العراق حتى توجه الإنكليز لإستغلال أراضيه لأن النفط لم يظهر كثروة، لا ينفد معينها بعد، فكانت مراسيم الأرض الدموية التي صدرت سنة 1918 وقبلها، ولعل أهمها المرسوم رقم 15 لسنة 1918 والمراسيم اللاحقة الأخرى التي غيرت نمط الحياة العراقية التي درجت عليها التقاليد الزراعية والعشائرية العراقية، فكانت هذه المراسيم التي نشرت نصوصها في هذا الكتاب والإجراءات التعسفية التي عومل العراقيون بها كلها، قد عجلت وسرعت في قيام ثورة العشرين، التي كانت بداياتها بمنزلة ثورة الرفض للمستعمر وأساليبه في إستلاب الشعوب ونهبها التي يمارسها المستعمرون … وكان من جملة القوانين التي شرعت له قوى الاحتلال هو نشر بيان دعاوى العشائر الصادر عام 1916، وبعد استكمال الاحتلال الكامل للأراضي العراقية تم تغيير اسمه الى ( نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية) ويسري هذا البيان على كافة الأراضي المحتلة في العراق. ومنذ عام 1933 اقتصر النزاع على افراد العشائر فقط . كما أصدرت قوى الاحتلال البيان رقم 15 لسنة 1918، ويعتبر من أخطر البيانات وأشدها وطئة وقسوة واستبدادا، لأنه ألغى حقوق الملاك والمتصرفين في أرض وحولهم إلى مستأجيرين لها شرط أن يدفعوا بدلات الإيجار إلى السلطة المحتلة، ولا يحق لمن يزرعها إلا بعد موافقة الحاكم السياسي، أما ضرائبها فتتحول إلى الخزينة البريطانية من أجل إعادة هيكلة حقوق الملكية الزراعية وهي تصب في تشكيل المنظمة شبه الاقطاعية. “.( التوكيد منا- الناصري)
وبعد استكمال الإستيلاء الكامل للعراق، نشأ صراع بين العناصر المحورية لقوى الاحتلال وطاقمها الاداري، تمحور في السؤال الأرأس: حول كيفية إدارة الحكم اللاحق ؟
– هل يُحكم العراق بصورة مباشرة، كما كان سائداً في الهند وهذا ما نادت به، كما اصطلح عليها في الأدب السياسي بـ (المدرسة الهندية)، وقد كان آرنولد ويلسن وكيل الحاكم العسكري البريطاني العام هو من تبنى هذا الاتجاه وكان يعارض بشدة تأليف أي نوع من انواع الحكم الوطني في العراق ؟!
– أم يُحكم بصورة غير مباشرة من خلال حكومة مركزية من أهل البلد ولكن بسيطرة بريطانية غير مباشرة، أي حسب توجيهاتها وإشرافها، كما اقترحه المكتب العربي في القاهرة أو كما أطلق عليه في الأدب السياسي( مدرسة القاهرة) ؟.
الهوامش والمصادر









