كتاب الحقيقة

النصر العراقي ومشروعية العمل الوطني والمؤسسي

اعلان الانتصار النهائي على الارهاب الداعشي، تتويجٌ لجهدٍ وطني وأمني ومؤسساتي تكاملت أدواته، مع رؤية سياسية واضحة للحكومة العراقية، ولما يمكن أنْ يمثله احتلال هذا الارهاب للمدن العراقية من خطورة حقيقية على مشروع الدولة الجديدة، وعلى جوهر فكرة التعايش المجتمعي بين مكوناته المتعددة..

وإذا كانت الفتوى الجهادية للسيد السيستاني قد أعطت الدافع الشرعي لادراك هذه الخطورة، وللدفاع عن الحالة الوطنية بوصفها الحالة الجامعة، فإنها أسهمت في احياء الوجدان العراقي لتجاوز صدمة ماحدث في 10/حزيران/ 2014 اذ وجد العراقيون أنفسهم أمام خطر مُحدق بوجودهم، وبمشروعهم الوطني، فكانت الاندفاعة الوطنية تعبيرا عن مسؤولية المواجهة من جانب، ووعيا بضرورة الحاجة للدولة القوية، وللمؤسسات القوية والفاعلة، والقادرة على الدفاع عن وحدة العراق وحماية شعبه وسيادته وثرواته. 

إن اعلان السيد رئيس مجلس الوزراء عن هذا النصر الكبير، وفي هذا الوقت العصيب وطنيا وقوميا ودوليا، يعني في جوهره ولادة الدولة الجديدة، الدولة التي انتصرت على أكبر واخطر تحد واجهه العالم في العصر الحديث، مثلما هي رسالة للعالم ولكل المعنيين في ادارات شؤون الأزمات والصراعات عن أنّ حقيقة هذا النصر لاتعني ربحا في الميدان العسكري فقط، بل هي تعبير عن انتصار سياسي واقتصادي وثقافي، إذ اقترن هذا الانتصار بفرض سيادة الدولة على جميع اراضيها، وعلى ثرواتها ومنافذها الحدودية، مثلما اقترن أيضا بخروج العراق من عقوبات الفصل السابع التي فرضها مجلس الأمن عام 1991، وعودة العراق بقوة الى الدبلوماسية العربية والدولية..

 

النصر والمؤسسات

لايمكن لأيّ نصرٍ أنْ يكون ناجعا وفاعلا من دون وجود مؤسسات حقيقية تدعمه وتعززه، وماحدث خلال السنوات الثلاث يمثل(ثورة ) حقيقية لمواجهة كل تداعيات الانكسار، ومظاهر الرعب النفسي والسياسي الذي تعرضت له عديد المدن العراقية، فكان العمل جادا ومسؤولا لإعادة ترسيم عمل المؤسسة الأمنية للجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الارهاب، مع العمل المؤسسي للحشد الشعبي الدور البارز في تحفيز الروح الوطنية اولا، وفي اعادة الثقة بالعمل المؤسسي الوطني ثانيا، والتعالق العميق بين الشرعية الجهادية والشرعية السياسية ثالثا، وهذه أمور أوجدت واقعا جديدا ورؤى جديدة لمواجهة كل تحديات بناء الدولة العراقية، لاسيما مواجهة الفساد بوصفه ظاهرة لاتقلّ خطورة عن ظاهرة الارهاب، وربما أنّ الارهاب يجد في الفساد بيئته الرخوة لتغذية ودعم جماعاته وأعماله

 الاجرامية..

إنّ نجاح العمل المؤسساتي في تعزيز مسار النصر هو العنوان الأكثر تعبيرا عن جدية التواصل، وعن خلق الأطر العملياتية التي من شأنها أنْ تكفل مسار العمل الوطني والديمقراطي والسياسي والاجتماعي والتنموي.

 

النصر والأفق الثقافي

ما حمله هذا النصر الكبير من معانٍ ودلالات يستدعي بالمقابل رؤية مستقبلية لمواجهة الارهاب الفكري، بوصفه الأساس الذي إتكأت عليه الجماعات الارهابية في فتاواها واحكامها، وفي تغذية مشاعر الكراهية وافكار التكفير، وفي التأثير في مسار البناء المجتمعي والتعايش الجامع للمكونات العراقية..

من هنا نجد ضرورة في أن يقترن هذا النصر بضرورة التخطيط لمشروع ثقافي مؤسساتي، له برامجه وأهدافه، وسياقات عمله التي تهدف الى بناء(العقل العراقي) لمواجهة تحديات المستقبل، وبما يسهم في تغذية كلّ عوامل التنمية البشرية، وعلى وفق أطر وقوانين وجهود تتفاعل فيها الارادات الخيرة، بعيدا عن الحساسيات الطائفية والقومية والدينية، وبما يجعل الحوار الثقافي بين الهويات والمكونات هو الضمانة الآمنة لشرعنة وجود الدولة، والأمة، ولسيرورة العملية السياسية الديمقراطية على أسس واقعية وواضحة، وعلى وفق منطلقات تحكم الجميع حول اهمية المشروع الوطني،  وحمايته وحياديته بعيدا عن الاجندات والمحاور المشبوهة. 

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان