قصي الصافي
الجزء الاول
في البدء أقدم إعتذاري إلى كل أمرأةٍ تشاركني هذا الكوكب عن كل الإنتهاكات والإضطهاد الذي تعرضت له من قبل أبناء جنسي من الرجال.
شهدت القرون الثلاثة الماضية تطوراً كبيراً في الفكر الإنساني ، ومع ذلك لم يستطع الإنسان أن يسمو فوق انحيازاته اللاعقلانية والتمييز ضد الآخر المختلف على أساس اللون أو العرق أو الجنس، وكان التمييز ضد المرأة هو الأكثر رسوخاً و قدماً في التأريخ ، فالعلاقات المبنية على أساس التفوق الذكوري، قد بقيت صامدةً بوجه التحولات ورياح التغيير آلاف السنين، حتى أن رائد التنوير جان جاك روسو لم يستطع تجاوز عتبة السائد و التقليدي في شأن المرأة، فاكتفى بالدعوة إلى تأهيلها للعمل ضمن أسوار بيتها أو أسوار المدرسة في رعاية وتنشئة الأطفال. في أجزاءٍ من الهند كانت الزوجة تحرق عند وفاة زوجها لتدفن معه، على اعتبارها إحدى ممتلكاته، ولم تتوقف هذه الطقوس حتى منتصف القرن التاسع عشر. وقداستمر في الصين مايسمى برباط القدم للفتيات حتى القرن العشرين ، إذ تلف قطعة قماش سميكة على قدم الفتاة الصغيرة وتحشر في حذاء ضيق جدا بقصد منع نمو أصابع القدم ، ويفتح لها الرباط ساعة واحدة يومياً للراحة، وبعد إحتمال الألم لسنوات ، تنشأ الفتاة بأصابع صغيره تجعل خطواتها قصيرة وكأنها تتدحرج، وهذا ما يثير الرجل الصيني جنسياً. وفي معظم القرى العربية تهدى المرأة لفض نزاع أو لتأسيس علاقة مصلحة بين عائلتين أو عشيرتين. أما في أوربا والولايات المتحدة فإن المدارس تغلق بوجه الفتاة إن تزوجت، ويستحوذ الزوج على أجور عملها كاملةً ،ولا يسمح لها بالإجهاض حتى لو كانت الولادة تشكل خطراً على حياتها، كما لا يسمح لها بإستخدام وسائل منع لحمل، حتى أن الناشطة (أيما جولدمان) قد حكم عليها بالسجن عام 1930 لأنها كانت تعلن في خطاباتها في ساحات نيويورك عن حق المرأة في إستخدام وسائل منع الحمل . بعض الكنائس تسمح بحضور النساء شرط أن لا تصدر صوتاً ، وكأن صوتها سيخدش اسماع الرب. ومن المفارقات المحزنة في التأريخ أن الناشطين في حقوق الإنسان من الرجال لم يبرأوا من عقدة الإستعلاء الذكوري والنظر بدونية إلى المرأة، فقد جزت الثورة الفرنسية رأس (دوكوج) على المقصلة بسبب نشاطها العنيد ودعوتها لأن تنتصر الثورة لحقوق الإنسان لا لحقوق الرجل فقط. وحين عقد ناشطون في حقوق الإنسان مؤتمراً عالمياً في لندن عام 1840 ، وكان مكرساً للضغط على الحكومات من أجل إنهاء العبودية ومنع الإتجار بالعبيد، قرروا بالإجماع منع الناشطتين الأمريكيتين البارزتين ( لوكرشيا ماوت وإليزابيث ستانتون ) من الحضور والمشاركة بحجة أن مكان المرأة المناسب هو البيت لا أروقة السياسة، وقد كان طريق المرأة للفوز بحقها في التصويت طويلاً جداً ومتعثراً ، وربما يدهشنا أن نعلم أن صناديق الإنتخاب الفدرالي في سويسرا لم تفتح للنساء إلا عام 1971 وفي فرنسا عام 1944. تركت الصدمة التي تلقتها ستانتون -بمنعها من حضور مؤتمر لندن لأنهاء العبودية- جرحاً بليغاً، مما دعاها إلى تكريس نشاطها السياسي فيما بقي من حياتها للدفاع عن حقوق المرأة، وفي عام 1869 وفي أعقاب صدور التعديل الدستوري رقم 15 ، والذي يتيح للسود التصويت ، تكثف نشاط الحركات النسوية في أميركا لشمول المرأة في التصويت أيضاً. فعقدت المؤتمرات وأستمرت المظاهرات ومورست شتى أساليب الضغط على المشرعين للمصادقة على التعديل رقم 19 ، الذي قدمته (ستانتون وسوزان أنتوني)، والذي يطالب بحق المرأة في التصويت. لم تتم المصادقة على التعديل حتى عام 1920. أما في بريطانيا فقد قدم الفيلسوف – رائد الفكر الليبرالي – جون ستيوارت مل للمرة الأولى مشروعاً لشمول المرأة بالتصويت إلى البرلمان عام 1867 ، فعارضته الأغلبية ولم تتم المصادقة عليه. وقد استمرت الحركات النسوية بنشاطاتها المتنوعة لتحقيق هذا المكسب، إلا أن رسوخ الرؤية التقليدية في المجتمع والتي ترى عدم أهلية المرأة ، قد حال دون تحقق ذلك ، مما دعا حركات السفرجيت ( المرأة الناخبة ) إلى فقدان الأمل بالنضال السلمي وإتباع أساليب أكثر عنفاً، فأحرقن قصور المسؤولين وكسرن زجاج النوافذ ،وكن يعتصمن بربط أنفسهن بالسلاسل على أسوار البرلمان، احداهن احرقت نفسها في الشارع ، وأخرى انتحرت برمي نفسها تحت عربات الملك، كل تلك الأساليب من الإحتجاجات لم تبدل من موقف المشرعين الذين لم يتخلوا عن الإعتقاد بأن المرأة إن تركت مكانها المقدس ( البيت) إلى البرلمان فإن ذلك سيربك البيت والبرلمان معاً.









