احمد الشيخ ماجد
حينما يُصاب إنسان ما في فقد قريب له, او عزيز عليه, ويبالغ في حزنه وجزعه على الفقيد يقولون له كبار السن من الجنوبيين : “ادري نشامر الله باحجار!” وكلامهم هذا كنايةً عن ان الموت حق, ولامحيد عنه, وهو سنةً الله في خلقه, وهذا من جانب ديني, وكذلك انساني فحكم الموت منصب على الجميع, وتلك حكمة يعرفها الجاهل قبل العالم. والمجتمع العراقي مجتمع ينتمي إلى الدين الاسلامي الذي يجعل الاقرار باحقية الموت, والتسليم لأمر الله هو من سمات الإنسان المؤمن, ويتم من خلال تسليمه لله بشارة بالاجر والثواب, والاية القرآنية تدل على هذا الشيء, وهو ان الإنسان مهما عاش بالتالي يرجع إلى الله :(وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون). ويعتبر الجزع على الميّت حرام شرعاً ذلك انه امر مطلق لايفلت منه بشر ابدا. ويفترض على المجتمع الذي يدّعي انه منتمٍ إلى هذا الدين الذي يقول بهذه الاوامر ان يسلّم لامر الله. ولسنا نتكلم بالطبع عن الانفعالات العاطفية التي تحدث عندما يفقد الإنسان عزيز عليه, والإنسان الذي لايحزن ولايبكي على من يفقده يعتبر قاسٍ, وجامد القلب, وهذا ماعبّر عنه رسول الله (ص) حينما توفي ولده ابراهيم وقال: (إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضى ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون). لذلك ان البكاء على الميّت والحزن عليه هو سمة محمودة, ولكن يجب ان تكون بحدود, ولاتصل إلى حد الاذى للآخرين. ما اردته من هذه المقدمة هو الكلام عن حالة تفشت في الفترة الاخيرة, واعتقد ان شيوعها في مستشفيات مدينة الصدر, وهي حالة سيئة جداً, فحينما يأتون بمريض إلى المستشفى, وفجأة يموت بأمر الله ينقلب المستشفى رأسا على عقب, فيصابون اهله “بالهيستيريا” ويهجمون على الاطباء, ويضربونهم الضرب المبرح, وكذلك يحاولون قدر الإمكان التعدي على اجهزة المستشفى, وهذا لعمري هو اعتداء على الناس ذلك انها اجهزة لخدمة المجتمع وبدونها تتفاقم الامراض عليهم!. الحقيقة ان هذا الامر يستدعي التأمل والمتابعة حيث ان الطبيب مهما وصل من الغباء لايمكنه ان يتحكم بأمر الله وحكمه في الخلق. ينقل لي احد الاطباء قائلاً : جاءونا برجل عمره “شدة!” اي ربما وصل للثمانين, وكان قلبه منهكا إلى درجة, وفجأة توّفي وإذا بأبنائه يهجمون علينا رافعين اصواتهم : “كتلتوه ولكم” لا أعلم هل يصل الجهل بالانسان إلى هكذا درجة من الانحطاط؟ هل خفى على هؤلاء ان والدهم عاش من العمر بما فيه الكفاية ؟ ماذنب الاطباء المساكين لتهجموا عليهم, وتنعتونهم بأبشع الالقاب, هل خفى عليكم ان عزرائيل لايعرف “واسطة” ابدا . وان حكمه لايشمل والدكم فقط بل حتى انتم!. الغريب ان هذه القضية قد وصلت إلى ان يكون فيها “الگوامات” العشائرية و “الفصول” وجيب عمامك وودي خوالك! واعتقد ان هذا سبباً لان يهاجروا جل الكفاءات من العراق حيث غاب الاحترام للطبيب الذي يفترض ان يكون وجها مقبولا ومقدّرا من قبل الجميع لانه يعتبر صاحب مهنة عظيمة, وإنسانية, وكذلك ينبغي على اي واحد ان يتقدم لكل طبيب بالشكر والامتنان لا ان يضربه وياخذ منه الفصل عينك عينك!. اتذكر ذات مرة توّفي احد الوجهاء من عشيرة كبيرة, وهجمت هذه العشيرة على المستشفى, وجاءت قوة عسكرية ليخلصوا العاملين والمرضى معاً!. لاننكر ان هنالك اطباء مقصرين, وأغبياء ولا يعرفون اقل واجبات مهنة الطب, وكثيرا من المرضى وقعوا بسبب جهل بعض الاطباء لكن هذا لايعني ان يعطي الحق لبعض الناس ان يربكوا المستشفيات بتهوّرهم, فهناك الكثير من الطرق القانونية التي تستطيعون من خلالها الحصول على حقكم, ذلك ان المستشفى يحتوي على مرضى كثر, وهناك من تسوء حالته عند وجود الفوضى التي تخلقونها, وانها لاتجدي أي نفع غير اذية الآخرين!. اعتقد ان من واجب الحكومة هو إيجاد قوة امنية في مستشفيات المناطق الشعبية لأنها معرضة دائما لمثل هكذا عصبيات تقلل من قيمة الطب العظيمة التي ينبغي ان تؤخذ بالاعتبار ذلك انها تخص الناس جميعا, ونتمنى من شيوخ العشائر ورجال الدين ان يثقفوا الناس على رفض مثل هذه القضايا السخيفة التي تفصح عن افكار بدائية لاتتناسب مع كل القوانين والاخلاق .









