حاتم الصكر
يؤرخ الفنان العراقي رافع الناصري لتجربته في الرسم والغرافيك بخمسين عاما قضاها دارسا ومدرسا وفنانا متفرغا بين الشرق والغرب، كي لا يقصر المؤئر المعرفي والفني على جهة واحدة هي الغرب الذي اعتاد الفنانون العرب أن ينسبوا إليه تأثراتهم ووعيهم بجماليات الفن وحرفياته . في محاضرته التي قدمها مسهما في ملتقى صنعاء الثاني للفنون التشكيلية 17-20/5 يسرد الناصري وقائع ومحطات ومفاصل تشكلت عبرها رؤيته وتواصلَ إنجازه في الرسم والحفر والعمل الفني المصاحب لذلك ، كالتصميم والإخراج الفني والصحافة ،،والمدهش هنا أن عرض اللوحات والأعمال الغرافيكية كانت وسيلته للتعريف بتجربته بدءا مما يسميه الدرس الأول الذي يترك أثره عادة في التوجيه والممارسة. ذلك الدرس يتمثل في بغداد منتصف الخمسينيات حين يعرض جواد سليم على طلاب معهد الفنون الجميلة يدا برونزية عملها لزميله فائق حسن ويطلب نحتها بمادة الطين ، وفي الصين مطلع الستينيات حين يكون الدرس الأول رسم مزهرية ورود متنوعة وحفرها وطباعتها بالأسود والأبيض ، ثم يأتي طور جديد يكتشف فيه الناصري أمكنة كثيرة شرقا وغربا في أوربا وآسيا والبلاد العربية مشاركا في معارض أو عارضا تجربته ، فتتعمق رؤيته بتلك المشاهدات البصرية والثقافة متعددة المصادر. وعن ذلك يقول الناصري مختتما حديثه عن تجربته الفنية:( تلك باختصار أهم المحطات الفنية التي مررت بها وعشتها شرقا وغربا،إنها اللحظات الرائعة التي تراودني دائما، تشجعني اوتتحداني ، عند مواجهتي سطحا أبيض للوحة جديدة، ولعل أصعب ما في الأمرأنها تفرض شروطها القاسية على حالتي النفسية وتزجني فيحيره الاختيار بين أن أنسى ولا أنسى الدرس الأول في الفن.).ويمكننا أن نفهم حيرة الفنان المعرفية إزاء المتراكم من المفاهيم والتجارب ما يجعله كما قال مؤخرا في المناقشات الجانبية لجلسات ملتقى صنعاء الدولي للفنون يتمنى التحرر مما درس ويصوت لصالح الفطرة والموهبة دون تعالٍ على التجربة والقراءة ولكن من أجل التحرر من ربقة النظريات والعمل بعفوية يتطلبها اليوم حفارنا المعاصر ورسامنا وفناننا التشكيلي بوجه عام. وهكذا نقرأ صراحة الناصري في التعبير عن حواره مع البياض الذي يتحدى الفنان ويدعوه لاستنفار طاقات يديه ومخيلته معا، فتتآزر الحِرفة والذوق والرؤية لإنجاز ما يظل خالداً على السطوح التصويرية ، مُشْرعا للقراءة البصرية ، أو يرسخ في الطباعة والحفر ليواجه الإنسان في سيرورة الفن وحوار الروح مع جمالياته. انصراف الناصري لأعمال الحفر والطباعة مبكرا ستكرسه واحدا من رواد هذا الفن الذي لا يزال نادرا في المحترفات التشكيلية العربية ، وسيكثر طلابه في الأمكنة التي عمل فيها فهو يعي ريادة فناني العراق القديم للحفر على الطين ، كما أن الصين عرفته قديما ، وستنتقل النزعة الغرافيكية إلى رسومه بكثافة ممتدة باحتشاد على السطوح التصويرية واستخدام المواد المختلفة ، منوها بالوصية التي يرددها الصينيون عن الفنان العارف متى يرفع الفرشاة الدقيقة عن السطح، بينما ينسال اللون حرا ليعبر عن مكنونات النفس ،وأملها أيضا كما تجسده في أعمال الناصري إشعاعات اللون المنبثقة من أشد مناطق العتمة في اللوحة ، كما يؤاخي المؤثرات المعرفية في رؤيته الفنية فيمارس الحروفية في فترة مبكرة من اتجاه الفنانين نحوها ، و يشغف بالتصوير موثقا الوجود المادي أو الكتلوي للأشياء ويأسرها في عدسته التي تقتنص أكثر المشاهد عذوبة وعفوية ، وهذا ما كان يفعله ونحن نتجول في أزقة صنعاء القديمة وأسواقها ومبانيها التقليدية ، فيصور رافع الناصري بلا توقف كل ما يلفته من الوجوه والأمكنة والتفاصيل الصغيرة .









