للأسف الشديد، لا يزال عدد من قادة الإطار التنسيقي يتعاملون مع اللحظة السياسية الحالية بعقلية جامدة لا تدرك حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم، ولا تستوعب حساسية الظرف الذي يمر به العراق.
فالدولة تقف اليوم على مفترق طرق حقيقي، بين الاستمرار في مسار الاستقرار والبناء، أو العودة إلى دوامات الانسداد والصراعات والتجاذبات التي أثقلت كاهل العراقيين لسنوات طويلة.
لقد منحت الانتخابات الأخيرة رسالة واضحة لا تقبل التأويل ولا المساومة: الناس تريد الاستقرار، وتريد استمرار مسار الإعمار وتحسين الخدمات، وتبحث عن قيادة تنفيذية أثبتت خلال فترة حكمها قدرتها على إدارة الدولة بحد أدنى من التوازن والواقعية، بعيداً عن المغامرات السياسية والمصالح الضيقة.
وقد تجسد هذا الخيار الشعبي بوضوح في الدعم الواسع الذي حصل عليه محمد شياع السوداني، الذي لم يأت من فراغ، بل نتيجة ما شاهده المواطن من خطوات ملموسة على الأرض، في ملفات الأمن، والخدمات، والاقتصاد، والعلاقات الإقليمية والدولية.
غير أن بعض قيادات الإطار، وللأسف، ما تزال تصر على وضع “القطن في آذانها”، رافضة سماع نبض الشارع ونداءات المحبين والناصحين، ومصرة على إعادة إنتاج ذات الأساليب القديمة، القائمة على الحسابات الضيقة، والمكابرة السياسية، وتصفية الحسابات الشخصية، وكأن البلاد تملك ترف الوقت أو رفاهية التجارب الفاشلة من جديد.
إن من المؤسف حقاً أن نرى أطرافاً يفترض بها أن تكون داعمة لمسار الاستقرار، تتحول إلى عائق صريح في طريقه، عبر وضع “العصي في العجلات”، وفتح أبواب الخلافات في لحظة كان يفترض أن تكون لحظة تماسك ووعي ومسؤولية وطنية عليا.
فالعراق لا يحتمل اليوم مزيداً من التأزيم، ولا يستطيع تحمل ثمن نزاعات سياسية جديدة، خاصة في ظل ظروف إقليمية مضطربة، وتحديات اقتصادية وأمنية تتطلب أعلى درجات الحكمة والتعقل.
إن الموقف الوطني الصادق يقتضي من قادة الإطار أن يعيدوا النظر بقراراتهم ومواقفهم، وأن يغلبوا مصلحة العراق على مصلحة الحزب أو الفرد، وصوت الشعب على صوت الغرور السياسي، فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى من يقف معها في أوقات الأزمات، كما لا تنسى من يتسبب في تعطيل أحلامها وطموحاتها.
والمطلوب اليوم ليس معجزة سياسية، بل موقف شجاع ومسؤول يتمثل في ترك الأمور تأخذ مسارها الطبيعي، واحترام الإرادة الشعبية، والسماح بتشكيل حكومة برئاسة محمد شياع السوداني، لاستكمال ما بدأه من مشاريع وإصلاحات وبناء مؤسسات الدولة على أسس أكثر صلابة واستقراراً.
إن نداء المحبين ليس طعناً ولا عداءً، بل هو نصيحة شعبية صادقة، مخلصة للعراق أولاً وأخيراً. فهل يسمع قادة الإطار هذه المرة؟ أم سيبقون أسرى حسابات ضيقة لا ترى أبعد من حدود الحزب والكرسي؟
الأيام القادمة وحدها ستجيب، لكن صوت الشعب أصبح اليوم أعلى من كل خطاب، وأقوى من كل محاولة للتجاهل.


