رأي الحقيقة

السوداني.. صُنعَ في العراق

رأي الحقيقة

تتجه الحكومة العراقية بقيادة رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني، إلى ترسيخ مشروع اقتصادي يقوم على دعم شعار “صُنعَ في العراق” بوصفه خياراً استراتيجياً لإعادة بناء الصناعة الوطنية، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، من خلال مجموعة إجراءات عملية تستند إلى حماية المنتج المحلي وتوطين الصناعات وتشجيع الاستثمار الوطني.

 يأتي هذا التوجه في إطار رؤية أوسع لتحويل الاقتصاد العراقي من اقتصاد استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على تلبية احتياجات السوق المحلية وتوفير فرص العمل.

ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية إن نفذت بشكل صحيح، اعتماد سياسة المنع المشروط، التي تقوم على حظر استيراد السلع التي يغطي إنتاجها المحلي ما نسبته 50% أو أكثر من حاجة السوق، وهي خطوة شملت عدداً من المنتجات الاستهلاكية والصناعية مثل الحلويات والعصائر وبعض المواد الإنشائية.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا القرار منح المصانع الوطنية فرصة حقيقية للنمو والتوسع، بعد سنوات من المنافسة الصعبة مع المنتجات المستوردة التي كانت تدخل السوق بكميات كبيرة وأسعار منخفضة.

إننا هنا لا نحاول فتح نوافذ التفاؤل بشكل مطلق، إنما نستطيع ان نفكر بحدود الامل والتفاؤل المعقولين، ونجعل من هذا المشروع هدفاً استراتيجياً حتى لو تعثر، أو أخفق في البداية.. فطريق الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة ومن ثم تأتي الخطوات الأخرى..

لقد شخصنا تطوراً حاصلاً في قطاع الأدوية، حيث شهدت الصناعة المحلية نمواً ملحوظاً مع ارتفاع نسبة الاعتماد على المنتج الوطني من نحو 10% إلى ما يقارب 40%، مدعوماً بتسهيلات استثنائية قدمتها الحكومة لإنشاء مصانع جديدة، شملت تبسيط إجراءات الترخيص وتقديم الدعم للمستثمرين وتشجيع إقامة خطوط إنتاج حديثة.

وهنا يؤكد المختصون الذين استطلعنا رأيهم، أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو تحقيق الأمن الدوائي وتقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.

أما في المجال الزراعي، فقد فعّلت الحكومة سياسة المنع الموسمي لأكثر من 21 محصولاً، من بينها الطماطم والبطاطا، بهدف حماية المنتج المحلي ومنع إغراق السوق خلال مواسم الوفرة. وقد أسهمت هذه الإجراءات في دعم الفلاح العراقي وتحقيق استقرار نسبي في الأسعار، فضلاً عن تشجيع المزارعين على زيادة الإنتاج وتحسين جودة المحاصيل.

ومهما كانت الأرقام والنتائج التي قدمت لنا من الجهات الحكومية المسؤولة، فإن القطاع الزراعي بحاجة إلى عملية تغيير او تطوير-على الأقل- من اجل النهوض به نهضة واضحة تترك أثرها على نوعية الإنتاج المحلي، بحيث تجعل منتوجنا منافساً حقيقياً المنتوج الأجنبي .. وهنا نود أن نشير إلى أن حكومة السوداني – وفي خطوة تهدف إلى دعم الصناعة الوطنية بشكل مباشر- وجهت الوزارات والمؤسسات الرسمية إلى شراء المنتج المحلي حصراً ضمن عقودها الحكومية، بما يشمل مواد الطحين الصفر والأثاث والمعدات الكهربائية، وهو ما وفر سوقاً ثابتة للمنتجات الوطنية وعزز ثقة المصانع بقدرتها على التوسع والاستمرار.

يعد هذا التوجه تحركاً عملياً جيداً لإعادة توجيه الإنفاق الحكومي نحو دعم الاقتصاد الداخلي بدل الاعتماد على السلع المستوردة.

وكي تخلق بيئة ومناخاً مناسباً لهذه المنافسة، علينا السيطرة بشكل حاسم وتام على المنافذ الحدودية، وأعتقد أن الحكومة العراقية أخذت زمام المبادرة في هذا الأمر بعد أن أدخلت أنظمة تكنولوجية متطورة للسيطرة على المنافذ، ما أسهم في تقليل دخول البضائع الممنوعة التي كانت تمر سابقاً تحت مسميات أو تصنيفات مختلفة، وهو ما عزز الرقابة وحدّ من عمليات التهريب التي كانت تضعف المنتج المحلي. وتزامن ذلك مع تقديم ضمانات مالية حكومية للمستثمرين في القطاع الخاص لإنشاء خطوط إنتاج بديلة للسلع المستوردة، خاصة في مجالات مواد البناء والصناعات الكيماوية، بهدف تشجيع الاستثمار الصناعي وتقليل المخاطر التي قد تواجه المستثمرين.

ثمة نقطة مهمة يجب الانتباه لها لو اردنا حماية الإستيراد والسيطرة على دخول البضائع، وأقصد بذلك، ضرورة التنسيق الجاد مع حكومة إقليم كردستان لسد الثغرات الحدودية التي كانت تُستخدم في تمرير بعض البضائع المشمولة بقرارات المنع، بما يسهم في توحيد السياسة التجارية وتعزيز حماية السوق المحلية. ويؤكد مختصون أن هذه الإجراءات المتكاملة تشكل أساساً لبناء قاعدة صناعية وزراعية قوية، وتدفع باتجاه اقتصاد وطني أكثر استقراراً وتنوعاً.

وتشير آراء اقتصادية أخرى إلى أن هذه الخطوات تمثل بداية مرحلة جديدة يسعى فيها العراق إلى استعادة مكانة وموقع المنتج الوطني، من خلال الجمع بين الحماية المدروسة وتشجيع الاستثمار وتطوير البنية التحتية الصناعية، بما يعزز ثقة المواطن بالمنتج المحلي ويعيد الحياة إلى قطاعات إنتاجية عانت طويلاً من التراجع.

في ظل هذا المسار، يبدو مشروع “صُنعَ في العراق” أقرب إلى أن يتحول من شعار اقتصادي إلى واقع ملموس يعكس إرادة الدولة في بناء اقتصاد قوي يعتمد على قدراته الذاتية.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان