اراء وأفكار

صرخة حية.. لا تسمعها الضمائر الميتة!!

حسين الذكر

 
 كان  قد عاد من اقفاص الاسر التي وقع ضحيتها منذ ايام قادسية الهدم و الدم والهدر ، بعد ان خدم مدة اطول تحت حروب الطاغية التي تنقلت به في كل جبهات القتال طول العراق وعرضه ، اكلت فيه  شبابه وربيع ايامه في حروب ومعارك لا طائل منها ، تسرح دون ان يقبض او يحصل على شيء ، كما ان قطار العمر والتعلم قد فاته ، إثر اكثر من خمس عشرة سنة قضاها في خدمة جيش القائد (الضرورة ) ، ثمان منها في اقفاص الاسر والعذاب والغربة ، لذا وجد نفسه عند انتهاء حرب الكويت ، مطلع تسعينيات القرن المنصرم ، بلا عمل وماوى ، فقد جنده الطغاة منذ الصغر وسيق لخدمة أجنداتهم منتصف السبعينيات ، ثم كتب له الزواج ليضطر للبحث عن عمل يعيله وزوجته ، فلم يجد في ظل الحصار والبطالة ، غير بيع السكاير على الطريقة البغدادية القديمة جدا ، قدم الفقر والحرمان والاستغلال ، التي يضع فيها البائع المسكين مربع من الخشب مقسم من الداخل بما يعرف ( الجنبر ) ويعلقه على رقبته بواسطة الحبل ، ثم يبدا متحركا في شوارع ومناطق بغداد مرددا ( حب جكاير علج ) ، هي مادته او سلعته التي يبيعها مشيا على أقدامه والجنبر يشق رقبته على اكتافه من مشرق الشمس حتى غروبها ، يحتمل ان تستمر معه طول العمر .  ظل ابو البنات ، – هكذا صار يدعى وينادى عليه إثر رزقه بالبنات قبل ولده الوحيد – يتنقل في مناطق بغداد الكرخ ، بازقتها ،شوارعها ،ساحاتها ، وكازينوهاتها التي باتت تعرفه ، من كثر ما تردد عليها بصوته المبحوح المتعوب ، رزقه على قدر حاله ، وعمله (الجنبري) ، لا يسد حتى الرمق ، إلا انه لا يعرف عملا ولا يجد غيره ، فما يكسبه من عرق الجبين ، يصرف كله على أفواه عياله ، وهذا ما جعله بلا مأوى ، بعد إن سلبوا شبابه وقوته ولم يخلفوا له  حتى قطعة أرض ، الا راتبا تقاعديا زهيدا جدا ، لا يكفي لسد أجرة شهر واحد للبيت المتواضع المستأجر منذ أيام الزواج الأولى  . ظل يعيش ايامه الصعبة ولياليه الطويلة ، بذات الالم والضنك حتى سقط الصنم وانتهى عهد الطاغوت ، وانتظر ابو البنات ، اليسر بعد العسر ، كبقية كل العراقيين ، الصابرين عقودا على امل ان يبزغ نور الحرية ويتمخض جبل الديمقراطية عشبا اخضر يتوسده الفقراء وينعم بينابيعه المساكين . ثم مرت مدة لم اره فقد غاب عن عيني ابو البنات لسنوات كان الارهاب والاحتلال والعسكرة والفوضى والفساد وامراض العراق الجديد تحصد الارواح وتشغل البال ، حتى نسيته تماما في ظل محاولة ترميم ما هدم ايام الطغات . قبل أيام شاهدت رجلا محدودب الظهر ، رغم انه لم يدخل سن التعجز بعد ، اتكأ على عصا ووضع العدسات على عينيه ، ما زال يحمل ذات ( الجنبر) ، رفيق الزمان والاوطان ، لكن حركته بطأت ومشيته ملت وصوته خفت ، فتوجهت اليه بسؤال ، عما فعل الدهر به ، فقال : ( لقد تعرضت لجلطة دماغية ، بالكاد امشي .. لكن ما باليد حيلة ، ليس لي معيل ، راتبي لا يكفي لدفع إيجار الدار ، العهد الجديد لم يضف لي شيئا  ، سوى أنني كنت انتظر أملا كبيرا تبدد ، مع عمر قصر وحيل تشتت وعافية تلاشت ، وآمال  لم تعد تستحق الانتظار ) . فيما حصرتني وخنقتني  الدمعة ، تركني ابو البنات بلا سلام ولا كلام ، لم يكترث لي ومشى بخطوات متثاقلة وكأنه يدوس بقدميه كل لصوص العراق دكتاتورييه وديمقراطييه ، ثم ردد ذات الاسطوانة المستديمة ،بصوت حزين وضمير نابض يستصرخ الضمائر الحية وتنشق له الارض ويدمع له الحجر ، فلم اسمع الا همهمات ( حب جكاير علج ) تدق في النفوس وتعصر القلوب ) .

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان