ثقافية

استعادة سيرة منسية: قراءة في كتاب عبد الله مسعود القريني

علي لفتة سعيد

لا تبدو الكتابة البحثية التي تنتهج الأسلوب التاريخي أو أسلوب المؤرّخ، الذي يريد إماطة اللثام عن وقائع وشخصيات وأحداث لم يكن في زمنٍ ما متاحًا الكتابة عنها. لذلك فمثل هكذا كتاباتٍ تصدر الآن تعمل وفق سياقين يبدوان متناقضين أو متعاكسين في الاتجاه. الأوّل أن هذه الشخصيات كانت تعيش في زمن التسلّط أو في ظلّ سلطةٍ لا تريد أن تجعل من الشخصيات المعارضة لها أو الشخصيات غير المنتمية لحزب السلطة أن تكون على صفحات الكتب، لأن ذلك يعني إزالة ما تكدّس فوق الحقيقة من غبار البهتان والتزييف. بمعنى أن الكتابة في تلك الفترة تقع في خانة الممنوع، لأن السلطة لا تريد ذلك. والثاني أن الكتابة في الزمن الحالي عن شخصياتٍ ماضويةٍ لها نضالٌ سياسيٌّ أو مواقفٌ سياسيةٌ وانتماءاتٌ حزبيةٌ، أو لها مواقفٌ ثقافيةٌ سياسيةٌ، في زمنٍ تكون الكتابة عنها لا تلفت الانتباه، لأن الزمن ليس باتجاه من كان مثقفًا أو منتميًا لحزبٍ معارض. وهو ما يمكن تسمية الكتابة فيه بالكتابات التي تعاكس تفكير السلطة، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره السباحة ليس ضد التيار فحسب، بل السباحة وحيدًا. فالزمن زمن الانتباه إلى ما هو متصل بالسلطة الحالية والانتماءات الحالية والتأثيرات الحالية التي لا تهتم بالثقافة بقدر ما تهتم بما هو موالٍ لها، فتعمل على إضاعة تلك الفترة لأنها غير ملتصقة بماضيها هي.

بمعنى أن هذا النوع من الكتابة يتشكّل ضمن سياقين متعارضين ظاهريًا، لكنهما يلتقيان في نقطةٍ واحدة، هي صعوبة استنطاق الحقيقة.

السياق الأوّل يرتبط بزمن التسلّط، حين كانت الشخصيات المعارضة أو غير المنتمية إلى حزب السلطة تُدفع عمدًا إلى هوامش النسيان، فلا يُسمح لها بالظهور في كتب التاريخ أو التداول الثقافي. إذ كانت الكتابة عنها تُعدّ خرقًا للمحرّم، لأنها تزيح ما تراكم من غبار البهتان والتزييف، وتعيد ترتيب الذاكرة بما لا يخدم الرواية الرسمية. في مثل هذا المناخ، لم تكن الكتابة فعلًا ثقافيًا فحسب، بل كانت مغامرةً محفوفةً بالمخاطر، وقد تكلّف صاحبها الكثير.

أما السياق الثاني، فيرتبط بالحاضر، حيث تبدو الكتابة عن تلك الشخصيات أقلّ إثارةً للاهتمام، لا بسبب ضعف قيمتها، بل لأن الزمن الثقافي والإعلامي لم يعد مشغولًا بما هو خارج دائرة السلطة الراهنة أو تأثيراتها. هنا تتحوّل الكتابة إلى فعلٍ معزول، أشبه بالسباحة وحيدًا، لا ضد التيار فحسب، بل في فضاءٍ لا يعترف أصلًا بوجود هذا التيار. إذ تنشغل اللحظة الراهنة بما هو آنيٌّ ومباشرٌ ومرتبطٌ بمراكز النفوذ، فيما يُترك الماضي، خاصةً ذاك الذي لا يتقاطع مع مصالح الحاضر، عرضةً للإهمال أو التغييب.

من هذه الإشكالية المزدوجة، تنبثق أهمية كتاب “عبد الله مسعود القريني المحامي 1911–1975م: سيرة ومواقف في السياسة والصحافة” للكاتب سلام القريني، الذي لا يكتفي باستعادة سيرة شخصيةٍ سياسيةٍ، بل يقدّم نموذجًا لكيفية إعادة بناء الذاكرة عبر أدوات البحث والتوثيق. فالكتاب يشتغل على شخصيةٍ عاشت في قلب التحوّلات السياسية والفكرية في العراق، وكان لها حضورٌ في العمل الحزبي والثقافي، لاسيما ضمن سياق انتمائها إلى الحزب الشيوعي العراقي في زمنٍ كانت فيه السلطة تمسك بكل مفاصل الحياة.

المنهج التوثيقي

يعتمد المؤلّف على منهجٍ توثيقيٍّ واضحٍ، مستندًا إلى ملفاتٍ وشهاداتٍ ومقالاتٍ منشورةٍ، ليمنح عمله صفة الموثوقية، مبتعدًا عن الانفعال العاطفي أو التمجيد غير النقدي. وقد جاء تقسيم الكتاب إلى خمسة فصولٍ ليعكس هذا التدرّج المنهجي في مقاربة الشخصية، إذ يبدأ من النشأة والتكوين في البصرة، مرورًا بالتعليم والعمل المبكر، ثم يتوسّع ليشمل مرحلة الوعي الفكري والانخراط السياسي، وصولًا إلى دوره في الحركة الوطنية، وتجربته في السجن والملاحقة، وانتهاءً بحضوره الصحفي.

ويقول في مقدّمة الكتاب إن “الكتاب هو محاولةٌ لقراءة المعلّم والمحامي “عبد الله مسعود القريني”، ومساهمته في صنع تاريخ حزبٍ وطنيٍّ دافع بإخلاصٍ عن حقوق الناس من شغيلة اليد والفكر بكل أمانةٍ وتفانٍ”، كما يشير في ذات المقدّمة إلى أن “الكتاب لا يستهدف إثارة الجدل فحسب، بل يدعو إلى وقفة إنصافٍ، وإعادة قراءة المرحلة بعينٍ فاحصةٍ، وبكل التجرّد، حيث لا يجوز أن يُختزل التاريخ في لحظةٍ، ولا أن يُطوى أثر رجلٍ كانت له مواقف لا تُنسى، وأن الحقيقة لا تسقط بالتقادم”.

والكتاب لا يقف عند حدود السرد الزمني، بل يتجاوز ذلك إلى قراءةٍ تحليليةٍ للمرحلة التي عاشها القريني، كاشفًا عن تعقيدات المشهد الحزبي، والانقسامات الفكرية، والتحوّلات التي طالت بنية العمل السياسي آنذاك. كما يضيء على علاقاته مع شخصياتٍ فكريةٍ وصحفيةٍ، مثل ذو النون أيوب، بما يكشف عن تداخل المسارات الثقافية والسياسية في تلك المرحلة.

تكمن أهمية هذا العمل في كونه لا يعيد الاعتبار لشخصٍ بعينه فحسب، بل يسهم في ترميم جزءٍ من الذاكرة السياسية والثقافية التي تعرّضت للتشويه أو الإقصاء. فبعد أكثر من نصف قرنٍ على رحيل القريني، يأتي هذا الكتاب ليقدّم قراءةً منصفةً، تعيد وضعه في سياقه التاريخي، بعيدًا عن تأثيرات الانقسامات الحزبية التي حاولت طمس دوره أو التقليل من شأنه.

ومن جهةٍ أخرى، يشكّل الكتاب إضافةً نوعيةً إلى أرشيف الحركة اليسارية في العراق، إذ يقدّم مادةً غنيةً للباحثين، خصوصًا في ما يتعلق بفهم تيارات داخل الحزب الشيوعي، وطبيعة الاختلافات الفكرية والتنظيمية التي لم تكن دائمًا ظاهرةً للعلن. كما أن جمع المقالات الصحفية في فصلٍ مستقلٍّ يُعدّ جهدًا توثيقيًّا مهمًّا، يحفظ نصوصًا نادرةً تعكس وعي القريني بقضايا الاستعمار والعدالة الاجتماعية وحقوق العمال. الأهم من ذلك كلّه، أن الكتاب يرسّخ فكرة أن الاختلاف ليس عيبًا في التجربة السياسية، بل هو جزءٌ من حيويتها. فكما يشير الإهداء، فإن الاختلاف “بذرة ذاكرة لا تزول”، وهي عبارةٌ تختزل جوهر العمل كلّه، إذ يدعو، ضمنيًّا، إلى إعادة قراءة التاريخ بلغةٍ أكثر إنصافًا، تتجاوز الإقصاء والتخندق، وتفتح المجال لفهمٍ أعمق لتجارب الماضي.

بهذا المعنى، لا يكون الكتاب مجرّد سيرةٍ لشخصيةٍ منسيّةٍ، بل فعلًا مقاومًا للنسيان، ومحاولةً جادّةً لإعادة الاعتبار للذاكرة بوصفها ساحةً للصراع والتأويل، لا مجرّد مستودعٍ للأحداث. وهو، في الوقت نفسه، تذكيرٌ بأن الكتابة عن الماضي، مهما بدت متأخّرةً، تظلّ ضرورةً ثقافيةً وأخلاقيةً، لأنها تعيد طرح السؤال الأهم: من يكتب التاريخ، ولصالح من؟

الاشتغال وتدوين الذاكرة

لقد اشتغل القريني على عدّة اتجاهات:

أولها: منهج “التنقيب الجادّ” في شخصيةٍ تاريخيةٍ كاد يطويها النسيان. وقد استند المؤلّف سلام القريني إلى مراجعة الوثائق التاريخية، والمقالات القديمة (التي يعود بعضها إلى عام 1942م)، والشهادات التي أنصفت القريني كقائدٍ سياسيٍّ وصحفيٍّ متميّزٍ.

ثانيًا: عدم جعل الكتاب مجرّد سردٍ تاريخيٍّ أو سيرةٍ ذاتيةٍ جافّةٍ، بل قدّم قراءةً تحليليةً للمرحلة السياسية التي عاصرها الراحل، مع التركيز على الانقسامات الحزبية والمواقف الفكرية التي تبنّاها.

ثالثًا: أهمية العمل وقيمته من خلال إعادة الاعتبار التاريخي، حيث سعى الكتاب إلى إنصاف القريني بعد نصف قرنٍ على رحيله، خاصةً بعد تعرّضه لحملاتٍ إعلاميةٍ وتغييبٍ لدوره بسبب الانقسامات الحزبية.

رابعًا: الاشتغال على توثيق تاريخ الحركة اليسارية، إذ يمثّل الكتاب مصدرًا مهمًّا للباحثين في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي، حيث يلقي الضوء على “تيارٍ مختلفٍ” في فهم مبادئ الحزب والانضباط الحزبي.

خامسًا: الاشتغال على الأرشيف الصحفي، حيث تكمن أهمية الفصل الأخير في حفظ مقالاتٍ نادرةٍ للقريني، تعكس فكره حول قضايا الاستعمار البريطاني، والعدالة الاجتماعية، وحقوق العمال.

سادسًا: الاشتغال على تجسيد روح الاختلاف؛ كما ورد في الإهداء، يكرّس الكتاب فكرة أن “الاختلاف بذرة ذاكرة لا تزول”، داعيًا لتبنّي لغة الإنصاف في قراءة التاريخ السياسي.

إن كتاب سلام القريني هو دعوةٌ مفتوحةٌ لاستعادة هؤلاء الروّاد الذين سبحوا وحيدًا في أزمنة القمع، ليكونوا نبراسًا في أزمنة التيه المعاصر.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان