أوجاع الرحيل
اياد خضير / العراق
عندما يفرش الليل أجنحته، تعم الظلمة والسكون في شوارع المدينة التي كانت غاصة بأصوات الباعة المتجولين بالستوتات والعربات التي تجرها الحمير في الساحة ومداخل فروعها المتفرعة. يضع (علوان) رأسه على الوسادة، فتظهر الصور العديدة للناس الذين يكدحون طوال النهار لكسب العيش بملابسهم، بعضها متهرئ ومتسخ جراء العمل المستمر، وكذلك عمال البناء الذين يأخذون ركنا من الساحة، قسم منهم جالس والآخر واقف متكئا على مسحاته بانتظار من يطلبهم للعمل. قسم منهم يعود إلى بيته لم يحالفه الحظ في العمل، وقد أحرقت شمس الظهيرة وجوههم.
يأخذ (علوان) ركنا من الساحة بعربته، يبيع الباقلاء. يقابله تمثال لأحد الشعراء، وأمامه نافورة تزين المكان بمائها وأضوائها الملونة. الكل يعرف (علوان) كونه منذ فترة طويلة في هذا المكان، أقام معهم علاقات حميمية، حتى شرطة المرور يعرفونه واعتادوا أن يأكلوا الباقلاء منه. يقوم بتنظيفها جيدا، يعزل الحبة الصغيرة وغير الصالحة للأكل، والنظافة بادية عليه من خلال قناني الخل التي يضعها على سطح العربة، والثوم المخلل والطرشي. العربة مصممة بباب خلفي، يضع بريماز تحت وعاء كبير يحتوي على الباقلاء، ويقوم بين فترة وأخرى بتسخينها.
يعود إلى بيته آخر النهار بعد انتهاء ما يحمله للبيع بقلب مطمئن، فتراه مرتاحا أياما طويلة، يذهب إلى مقهى المحلة، يجلس على التخت الخشبي مع أناس بسطاء تعود الجلوس معهم، يستمع إلى أحاديث الجالسين والأغاني الشعبية، فيريح باله من عناء العمل الشاق.
كانت حياة (علوان) مع صخب الشارع، فهو مرتاح وفخور. يعود إلى بيته فتستقبله زوجته بابتسامة تزيل الكرب عن صدره. له ولد وحيد أسماه (خالد)، أكمل دراسته وتعين في إحدى الدوائر براتب مجز يساعد أباه في مصروف البيت.
لم تمض الأمور كما خطط لها، لأن الحياة أحيانا تكون غادرة. مرضت زوجته، وظل يجالسها ويواسيها ويقدم لها العلاج في الأوقات المخصصة لتناوله. ذات صباح لم تفق من النوم، حاول إيقاظها لكن دون جدوى، حتى وقع إلى جانبها ينوح ويضرب على وجهه.
مرت الأيام وهو قابع في البيت وحيدا، لأن ابنه يخرج إلى الدوام في دائرته. انقطع (علوان) عن الذهاب إلى المقهى، وأصدقاؤه يتساءلون عنه. قسم منهم زاره في بيته، فوجدوه منهك القوى لا يستطيع التحرك. بقيت عربته في مكان قريب من المقهى في بناية خربة، وقع قسم من جدرانها وأصبحت مكبا للنفايات. أصاب عربته التصدع جراء الإهمال، وبقيت هي الذكرى لهذا الرجل غني النفس المحب للخير. عندما يشاهدون عربته يتذكرونه بضحكته المعهودة.
الآن هو قابع في داره، ساءت صحته ولم يعد يخرج من البيت، منتظرا الرحيل ليلحق بزوجته.
عند زيارتي له ذات يوم ومعي بعض الأصدقاء، فرح كثيرا، كوني كنت أجالسه وأطلق عليه النكات للضحك والتسلية، ونلتقط صورا للذكرى.
رحب بنا قائلا: أشكركم جدا، وأشكرك أستاذ (زيد).
ــ لا شكر على واجب، أنت صديقنا، وتعودنا على مجالستك في المقهى، ويعز علينا فراقك.
وأخذ يستمر بالحديث وهو يرتجف، وكلامه يخرج بحرقة قائلا: كانت تقف صامتة تحدق في فضاء الشارع من خلال النافذة التي تأتي منها الشمس، وعندما أدخل تستقبلني بابتسامة مشرقة. كانت كثيرة التواجد في المطبخ، تمكث أطول ما تستطيع لمراقبة طبخ الباقلاء ومتابعة النار وانتهاء قنينة الغاز وتبديلها، وهي منتشية كونها تخدمني.
أم (خالد) تحب زوجها، وهو كذلك يبادلها الشعور. يتذكر حركاتها وضجيج المطبخ، وإذا ناداها قالت: سأنتهي قريبا.
كانت تخفي عنه احتراق يدها، وتقوم بمداواتها بعيدا عنه حتى لا تعكر مزاجه.
قلت له محاولا مواساته: عليك بالصبر، وولدك (خالد) يقوم بخدمتك، وكل ما تطلبه يلبى.
قال (علوان): كنت أفتقدها وأنسى أنها رحلت، فأدور في زوايا البيت والمطبخ، أقترب من النافذة المطلة على الشارع، ولا أجدها، فأجهش بالبكاء، ويبدأ الصمت يشمل أرجاء البيت، فيدب العجز في مفاصلي ويقعدني الفراش.
لا أزال أسمع أنينها الذي يشبه العويل، إنه صهيل مكبوت لا يسمعه أحد سواي.
ــ نود أن نأخذك معنا إلى المقهى لتغير جو الغرفة.
ــ لا، أبدا، لا أستطيع السير، أحس بأن روحي ستخرج مني. انتهت، بدأت أعد العمر تنازليا، لا بد من اللحاق بها، فهي تنتظرني هناك عند رب رحيم غفور.
استمر (علوان) بالحديث: ليس من الضروري معرفة متى ولدت وفي أي بقعة أقمت. كانت لي امرأة تنشر الفرح على مداخل البيت وعلى الأبواب، أما الآن فلا أشم إلا الرماد، أشم الموت ورائحة الحزن. لا تنتهي أحزاني، قلبي كسير، وعيوني أصابها الرمد، أحس بأن همومي تأكلني، أتيه في واد سحيق، ورصيف الشارع من الصعوبة اجتيازه، لا يستطيع خامل مثلي أن يجرب حظه معه، فامتلكت أطرافي وحل منخفضاته.
يشعر (علوان) في هذا الوقت أنه بحاجة إلى زوجته، يحلم بعودتها، لكن بعض الأحلام كابوس قاتل يخور في دواخله حتى النهار. كل مساء يغلق الباب والنوافذ بإحكام، وبدأ يخاف من أي حركة، وينطق أحيانا، ويصرخ صراخا يشبه الأنين الموجع.
يتساءل: أين أنت؟ تعالي.
كانت أنفاسه ثقيلة، ودائما يلتزم الهدوء عندما يكون ابنه في البيت، لأنه يفكر بأنه جاء متعبا من وظيفته، فيبقى يقظا حتى ينام في غرفته، ليطمئن قلبه لوجوده معه.
(علوان) شخص مسكين، اعتدى عليه الزمن وجعله كومة عظام تئن من الذكريات.
كانت زيارتنا هذه آخر مرة، بعدها سمعنا بموته. رحل عنا، وبقيت عربته شاخصة في مكانها بين الأنقاض. قرأنا سورة الفاتحة، يعصرنا ألم رحيله.









