ثقافية

الفلسفــة التــي تدعونــا الـــى الضحــك

المدوَّن عنها تاريخياً، ولعل اللحظة الفلسفية المعتبرة هي في تتبع هذه الرعدة الفضائية والارتعاش الجغرافي التاريخي المنشأ. إذ لا يعدو الفلاسفة أن يكونوا في جملتهم مأخوذين بحواء “الشهمة”، العتيدة“،” الصلبة “،” الطرية “، وعينهم على آدم وما فيه من تلبك، وتجاذب بين الاندفاع البطولي الحوائي والانخطاف الآدمي إزاء الممهد له حياتياً. يمكن القول هنا أن لا زرادشت ولا كونفوشيوس ولا بوذا ببعيدين عن هذا التفاعل بين قطبي حركة: الأنثوي والذكري، وأن التركيز على الذكري يجد صداه في المفعل الأنثوي باعتباره المنطلق الداعم للعقيدة المتشكلة. لقد كانوا مدركين لفذاذة الضحك من الأعماق، وقابلية الانفتاح على الكوني.

أبراهيم محمود /الجزء الثاني 

 
 
يمكن القول هنا، أن طاليس لم يراهن على الماء إلا لأن ثمة ما كان يلح عليه من جهة احتوائه الحوائي، والشغف الآدمي الضمني بذلك، فكان الغطاس والعائم، وأن هيراقليطس كان مزدحماً بنارها الحياتية، بقدر ما كانت عينه على آدم وهو يحاول الإحاطة بهذه النار، بقدر ما كان سقراط يحاول تجاهل رحابة حواء لأنه يرسم الحقيقة بمقاس آدمي، وأن أفلاطون لم يستطع التحرر من غواية حواء وهو يكتب” جمهوريته “وفق رغبة ذكورية، وما في ذلك من محفّز حيوي. يمكن القول هنا أن ابن سينا كان يجد نفسه في طابعه المشرقي بين خصوبة الجسد الحوائي وصلابة عود آدم فيما كان يكتبه في مجالات شتى، وأن المعرّي كان يحمل في داخلة الصورة الأزهى لحواء باعتبارها المدخل إلى فهم الحياة، وأن ابن عربي لم يستطع التفكير ولا مرة واحدة بعيداً عن اللعبة المدهشة لحواء، ومهدت لنشوء حياة إنسانية، كما لو أن ملهم الكتابة الصوفية العرفانية هو الأصل الحوائي، وأن آدم المقيم فيه باحث عن حقيقة أدهشته بداية، وأن ابن رشد ما كان ينفك عن مخاطبة نفسه بمنشّط يصله بما هو أنثوي وهو المسكون بكينونة رجل كامل البنيان. يمكن القول هنا، أن ديكارت استمد” الكوجيتو “من مرجع أنثوي، جهة الإحالة على الذات وتبينها في عمقها، وأن كانط رغم كل صلابته واعتداده بنفسه، ما كان بوسعه تجاهل المغذّي الأنثوي للكتابة بوصفها دفق طاقة أنثوية، وأن نيتشه في كل ما سعى إليه، كان يقبل على المرأة باعتبارها أس الفلسفة، طالما أنها تبحث عن الحقيقة، وهذه تشير إليها كثيراً(2). نيتشه تحدث عن الماء الطاليسي والنار الهراقليطسية، وهما عنصران لهما نسب أنثوي في القيمة والانتثار، بقدر ما حاول هيدجر الوقوف على حقيقة الفلسفة من موقع الدهشة مستعيداً دمغتها اليونانية، ومن الصعب تخيل الدهشة بعيداً عن حالة حواء إزاء شجرة الحياة ( إن الدهشة باعتبارها انفعالاً هي أصل الفلسفة.) (3). لكن، أليست الدهشة في أس مكوّنها قائمة على ضحك ما، يهيئ لاكتشاف حقيقة المدهِش ؟ ولعل مسعى دولوز الأخير هو في كيفية الربط بين الباطن والظاهر، هو في الوصل بين الأفقي والعمودي، استجابة لنداء الفلسفة الحار، كمدعّم أنثوي، وهو يطرح خاصية الفلسفة بمعناها التضاريسي، إذ يدخِل الصحراء والماء والسطح وحتى الغابة، عبر مفهوم شجري” الجذمور “النبتة التي تستحيل شجرة من قلب شجرة، كما لو أن ثمة ولادة مغفلة من الاسم، وليكون المفهوم في أقصى تجلياته المعرفية بطابعه الفلسفي حواء ما، جهة التكاثر الضمني، وما على الفيلسوف، ولكي يكون فيلسوفاً، إلا أن يستوعب أنثوية المعطى داخله قبل خارجه( إن الفيلسوف صديق المفهوم، إنه بالقوة مفهوم. إن الفلسفة، بتدقيق أكبر، هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم ..)(4). حول المفهوم أو بصدده يصعد الخلاف، كما يتنوع، ويندفع الداخلون في الرواق الفلسفي أو على أرض الفلسفة إلى النقطة التي يواجه فيها كل منهم الآخر، حيث لا كأس ولا تصفيق أو احتفاء بالمنتصر، حيث إن كل فيلسوف فعلي هو مشروع شهيد رمزي طبعاً، وتكون شهادته ذاتية، لأن تكليفه لأن يكون محارباً فلسفياً كان بوازع فلسفي، وهي حالة نادرة بالتأكيد، ومن الصعب تماماً معرفة هذا النوع من الشهداء في أي مجتمع، إذ إن الذي يلهِم المرء في أن يخرج إلى العالم: الداخلي والخارجي، هو ما يكتشفه ذاتياً، ويكون له عالمه، أي بحثه عن حقيقة حواء وآدم، ليكون ذلك الطفل الذي يتنفس العالم ويقبل على كل شيء حاضناً إياه وملاعبه وهو ناضج قوي العود، ليكون هذا الاستثناء في التفكير الحر القادر على لفت الأنظار إلى أن ثمة شيئاً في العالم وفي الحياة يجب التنبه له، وهو الوجود الذي يلتقي فيه الجميع.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان