الاخيرة

يحيى السماوي في بيتنا الثقافي.. حين يصبح الشعر وطناً

في مساءٍ بغداديٍّ من مساءات الشعر التي لا تُنسى، احتضن منتدى بيتنا الثقافي، الثلاثاء 8 أيلول/سبتمبر 2026، جلسةً حواريةً شعريةً عذبة مع الشاعر الكبير يحيى السماوي، بحضور ومشاركة نخبة من عشاق الأدب والثقافة وأصدقاء الشاعر ومحبيه، الذين غصّت بهم أجواء المنتدى محبةً وإنصاتاً واحتفاءً.

كانت الجلسة، التي أدارتها باقتدار ودفء الدكتورة راوية الشاعر، أشبه برحلة في ذاكرة شاعرٍ حمل وطنه في قصائده، وحمل طفولته وأهله ومدينته أينما ارتحل.

وحين سألت راوية عن السماوة، لم يتحدث عنها كمدينة فحسب، بل استدعاها من أعماقه قائلاً إنها كانت جنته قبل السفر، وأصبحت جنته وجحيمه بعده. وفي حديثه انفتحت أبواب الذاكرة على طفولةٍ قاسية وجميلة في آنٍ واحد؛ طفولةٍ عاشها مع أبيه وأمه وإخوته الثمانية في غرفة واحدة، متنقلين بين أربعة عشر حياً من أحياء السماوة، حتى صار البيت الضيق ذاكرةً واسعة لا تضيق بها السنين.

وكان قد اشترى قبل هروبه من العراق بيتاً واسعاً، وسجله باسم صديقٍ وثق به، وجعل في حديقته بستاناً يطل على الفرات، وكأنه أراد أن يعوّض نفسه عن شيءٍ من طفولته المحرومة، وجمع فيه ما يقارب ألف كتاب، لتصبح الدار وطناً صغيراً للروح والكتاب والماء.

لكن حين سقط النظام، عاد ليكتشف أن الصديق الذي ائتمنه على البيت قد باعه، وباع معه الكتب أيضاً. لم يبقَ من ذلك الوطن الصغير سوى الذاكرة… والقصيدة.

ومن الذاكرة إلى الشعر، قرأ السماوي قصيدةً عن الشهيد كامل شياع، ثم أخذ الحضور في رحلة أخرى إلى بادية السعودية، حيث الهروب والغربة، وحيث الأب والأم والبيت الأول يظلون مقيمين في القلب مهما ابتعدت الجغرافيا.

وكانت الدكتورة راوية الشاعر تعرف كيف تفتح أبواب الذاكرة سؤالاً بعد آخر، حتى استنطقت من الشاعر الكثير من الحكايات والكلمات والقصائد، فكان الحوار يتحول شيئاً فشيئاً إلى قصيدة طويلة عن الوطن، والمنفى، والطفولة، والفقد، والحنين.

وفي ختام الرحلة، جاءت تشرين بكل ما تختزنه من وجع وأمل. قرأ السماوي قصيدته عن تشرين، عن الفداء والشهداء، وعن اللصوص والسراق، وعن موائدٍ ما زالت تنتظر أن يجتمع حولها أبناء العراق في مستقبلٍ يليق بتضحياتهم.

كان صوت السماوي في تلك الأمسية لا يقرأ الشعر بقدر ما كان يستعيد وطناً؛ وطنٌ يسكن القصيدة حين تعجز الجغرافيا عن احتوائه.

وفي ختام الجلسة، قدّم الدكتور علي إبراهيم، رئيس منتدى بيتنا الثقافي، اللوح التكريمي للشاعر يحيى السماوي، تقديراً لجهده الثقافي والنضالي في ترسيخ قيمة الإنسان والانتصار للحرية والكرامة، واحتفاءً بما قدّمه في هذه الأمسية من إلقاء شعري رفيع وعذب.

وسط تصفيق الحاضرين ومحبتهم، انتهت الجلسة… لكن السماوي ترك في بيتنا الثقافي شيئاً من السماوة، وشيئاً من الفرات، وشيئاً من البيت الذي ضاع، وكثيراً من الشعر الذي لا يستطيع أحدٌ أن يبيعه أو يصادره.

فبعض الأوطان تُفقد في الواقع، لكنها تظل حيةً في القصيدة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان