لم أدخل يوماً إلى ديوان وفي يدي ميزان أضع في كفة منه ما أعجبني، وفي الأخرى ما لم يلامسني، ثم أخرج بحكم يشبه النتيجة المدرسية. كنت أدخل إلى الشعر كما يدخل المرء حديقة لا يعرفها، أمشي بين أشجارها على هدي رائحتي، أتوقف عند زهرة، وأطيل الوقوف أمام شجرة، وقد أمر بجوار عشب كثير من غير أن أسأله لماذا لم يلفت نظري. لا تكون الحديقة ناقصة لأنني لم أر كل ما فيها، ولا تكون عيني ملزمة بأن تمنح الأشياء نصيباً متساوياً من الدهشة. القراءة مزاج الروح حين تختار، والقصيدة التي لا تعثر عليّ لا أحمّلها وزر غيابها، أتركها لقارئ قد تعرف الطريق إليه.
هكذا قرأت خلال سنوات دواوين كثيرة متفاوتة في لغتها وتجارب أصحابها. لم أبحث فيها عن كتاب كامل يرفعني من صفحته الأولى إلى صفحته الأخيرة، فمثل هذه الكتب قليلة، وربما كانت ندرتها جزءاً من جمالها. كنت أفتش عن لحظة شعرية تكفيني، عن جملة تجعل الهواء من حولي مختلفاً، عن صورة تفتح في الجدار نافذة لم تكن هناك. وقد تمنحني قصيدة واحدة سبباً كافياً للكتابة عن ديوان، لأن الشعر لا يقاس بعدد الصفحات التي يملؤها، وإنما بمقدار الحياة التي يوقظها في القارئ.
ولهذا أسمّي ما أكتب: “قراءة شاهرية” لا أسميها نقدا أو واحدا من مشتقاته.
ومن هذا الباب دخلت إلى “الراقصة وحيدة في الغابة” لحبيب السامر. لم أضع القصائد في طابور حتى تمر جميعها أمامي، ولم أطالب كل نص بأن يقدم أوراق اعتماده. تركت بصيرتي تمشي وحدها، فما استوقفها جلست إليه، وما حرّك ذاكرتها احتفظت به، وما فتح لها طريقاً مضت وراءه. كنت قارئاً ينتقي حاجته من الجمال، ويعرف أن الشعر الذي يصل إليه هو الشعر الذي يخصه في تلك اللحظة.
ما بين يدي مختارات اختارها حبيب السامر من تجربته الشعرية، غير أن كل قراءة تصنع مختاراتها أيضاً. الشاعر يعود إلى سنواته وكتبه، وينتخب منها النصوص التي يراها أقدر على تمثيل صوته، ثم يأتي القارئ ليقيم داخل هذا الاختيار اختياراً آخر. من هنا قرأت مختاراتي من مختاراته، وتركت لما أحببته أن يقودني إلى عالم الشاعر من الطرق التي فتحها النص أمامي، لا من الطريق التي رسمها صاحبه سلفاً.
أول ما استوقفني في هذه المختارات أن حبيب السامر يقترب من الشعر أكثر حين يقترب من الأرض. كلما خرجت الصورة من ذاكرة ملموسة، اكتسبت حرارة لا تمنحها اللغة وحدها. في “عصا الخرنوب” لا نرى مدرسة ومقبرة وطريقاً يصل بينهما وحسب، نرى طفولة كاملة تمشي مرتبكة بين الخوف واللعب. أغصان الخرنوب تتعانق على سياج المقبرة، والتلاميذ يحشرون أجسادهم بين القبور في طريقهم إلى المدرسة، والتلميذ الهارب من الدرس يسرق زهرته الأولى من المقبرة. لا يحتاج الشاعر هنا إلى أن يقول لنا إن الطفولة كانت محاطة بالموت؛ يكفي أن يجعل أطفالها يعبرون المقبرة كل صباح، وأن يترك شوك الخرنوب يرسم على أفخاذهم خطوطه، حتى تصبح المسافة بين المدرسة والقبر جزءاً من تكوينهم الأول.
وصلت إليّ هذه القصيدة من مكان شخصي بعيد. فالقرى التي عرفناها لم تكن تفصل الحياة عن الموت بأسوار عالية. المقبرة كانت قريبة من البيوت، والطريق إلى المدرسة قد يمر بمحاذاتها، والأطفال كانوا يواصلون لعبهم تحت أنظار الغائبين. لهذا لم أقرأ “عصا الخرنوب” بوصفها حكاية تخص طفولة الشاعر وحده. شعرت أنني أعرف أولئك التلاميذ، وأن الغبار العالق بملابسهم جاء من طريق مررت به ذات يوم. استطاعت القصيدة أن تنقل الذاكرة من فرديتها إلى ذاكرة أوسع، وأن تجعل المكان الصغير مرآة لطفولات كثيرة.
وحين يدخل الأب إلى النص، تتغير نبرة اللغة. لا يعود الغياب فكرة معلقة في فضاء القصيدة، يأخذ هيئة رجل له أدوات وأصدقاء ورائحة عمل. تظهر الآلة القديمة، والمعدن، والوجوه التي صاحبت الأب، وتصبح الأشياء الصغيرة أوعية تحفظ ما عجز الزمن عن إبقائه. في هذا النوع من القصائد يبدو حبيب السامر وفياً للتفصيل الذي يمنح الحزن صدقه. فالأب لا يعود عن طريق الرثاء الكبير، يعود من اسم صديق، ومن حركة يد، ومن أداة بقيت بعد صاحبها، ومن صوت لا يزال الابن يسمعه كلما اقترب من المكان الأول.
ثم تنفتح البصرة في المختارات، لا بصفتها خلفية تقف وراء القصائد، وإنما بوصفها جسداً داخلياً يتحرك فيها. الماء والنخيل والأنهار والأحياء والجسر الأسود والتنومة ليست أسماء تُضاف إلى النص لتأكيد هويته. إنها المادة التي تكونت منها مخيلة الشاعر. الماء عنده طريق وذاكرة ومرآة وغياب، والنخلة كائن يحمل تاريخ الأرض في قامته. وحين يكتب عن الليل قرب البيوت والأنهار، نشعر أن المكان يتنفس من داخله، وأنه لا يستعيده من صورة محفوظة، يستعيده من معاشرة طويلة تركت أثرها في حواسه.
أحببت في هذه القصائد أن البصرة لا تظهر مدينة مكتملة ومطمئنة. إنها مدينة يمر بها الفقد كما يمر بها الماء. يتجاور فيها الجمال وما أصابه، وتظل الذاكرة تحاول جمع أطراف المشهد قبل أن تأخذها التحولات. الشاعر لا يقف خارج مدينته ليصفها، يمشي في شوارعها كمن يتحسس جزءاً من جسده، ويستعيد أسماء الأماكن كي يحميها من الغياب. ولهذا تصل محليتها إلى القارئ البعيد؛ فكل واحد منا يحمل مدينة يخشى أن يستيقظ يوماً فلا يجدها إلا في اللغة.
وفي “بائعة القيمر” يخرج الصباح من معناه الزمني ويأخذ هيئة امرأة قادمة من سلالة الريف ورائحة المعدان. البيوت تفتح أبوابها على كسل، والحليب يفيض من الصحون، والشمس تزحف ببطء قرب باب البيت القديم. هنا تتقدم القصيدة بالحواس: رائحة وطعم وضوء وحركة. لا يكتب الشاعر مشهداً تزيينياً عن مدينة جنوبية، يوقظ صباحاً كان موجوداً ثم ابتعد، ويمنحه جسداً تستطيع الذاكرة أن تلمسه.
وعندما يغادر حبيب السامر مدينته إلى باب توما أو بيروت أو مقهى “كاريبو”، يحمل معه طريقة البصري في النظر إلى المدن. لا يذوب في المكان الجديد، يراقبه من خلال ذاكرته الأولى. يقارن القهوة بالقهوة، والنساء بالنساء، والانتظار بانتظار آخر تركه في مكان بعيد. المدينة الجديدة لا تمحو القديمة؛ تجعلها أكثر حضوراً. وكل سفر في هذه المختارات يبدو امتحاناً للمكان الذي يسكن الإنسان، حتى عندما يظن أنه غادره.
وفي نصوص المرأة والحب يتغير إيقاع الصورة، فتكثر الأصابع والعطر والشفاه والنافذة والمرآة. المرأة لا تدخل بوصفها ملامح مكتملة، تأتي أثراً أو حركة أو رائحة بقيت في الغرفة بعد رحيلها. في “الرقصة الأولى” تبدأ الرقصة من الأصابع، كأن الجسد يولد قليلاً قليلاً في العتمة. الأصابع تتحول إلى قامات تتحرك، ثم ترسم امرأة تحيط جسدها باليدين. ما جذبني في هذا المشهد أن الرقص لا يقع في مكان خارجي؛ ينشأ داخل المخيلة، وتصبح اليد قادرة على ابتكار الجسد الذي تفتقده.
حتى عنوان “الراقصة وحيدة في الغابة” فتح أمامي مشهداً يتجاوز صورته الظاهرة. الغابة امتلاء شديد، والراقصة وحيدة تتحرك في قلبه. حولها الأشجار والظلال والأصوات، ومع ذلك لا يشاركها أحد إيقاعها. كأن الشاعر نفسه تلك الراقصة؛ يحاول أن يمنح وحدته حركة، وأن يصنع من ازدحام العالم مساحة شخصية للنجاة. الكتابة هنا رقصة لا تبدد الوحشة، تمنحها شكلاً يمكن احتماله.
ومن أكثر ما بقي في نفسي تلك الومضة القصيرة:
“ما جدوى
كل هذا الهواء
وأنا أختنق”
ثلاثة أسطر لا تحتاج إلى حشد الصور كي تصل. الهواء موجود في كل مكان، والاختناق قائم في الجسد. بين الوفرة والعجز تنفتح مساحة إنسانية واسعة. قرأتها وشعرت أنها لا تتحدث عن ضيق التنفس وحده؛ إنها صورة للإنسان المحاط بما يحتاجه والعاجز عن الوصول إليه، للغريب الذي يعيش بين الناس ولا يجد صوته، وللعاشق الذي يمتلئ العالم حوله ولا يعثر على نافذته.
هذه هي قصائدي التي انتخبتها من الكتاب: القصائد التي مشت على الأرض، وعبرت بين القبور إلى المدرسة، وجلست قرب الأب، وشمت رائحة القيمر في الصباح، ورافقت الماء في البصرة، وحملت المدينة القديمة إلى المدن الجديدة، ثم تركت امرأة ترسم جسدها بأصابعها في العتمة. لم أبحث عن صورة جامعة لكل تجربة حبيب السامر، فقد تعلمت أن صورة الشاعر لا تكتمل في مرآة واحدة. أردت الوصول إلى اللحظات التي رأيت فيها الشعر يرفع رأسه من بين الكلمات وينظر إليّ.
ربما اختار حبيب السامر هذه القصائد لأنها تمثل الطريق الذي قطعه، واخترت منها ما أعادني إلى طرقي أنا. عند هذه النقطة يلتقي الشاعر والقارئ من غير أن يتطابقا. يعطي الأول كلماته، ويمنحها الثاني ذاكرته، وتنشأ بينهما قصيدة ثالثة لا يملكها واحد منهما وحده.
ولعل ما يجعل تجربة حبيب السامر قريبة من روحي أنه لا يقف خارج الأشياء حين يكتبها؛ يدخل إلى أعماقها، ويضع اللغة في موضع الذاكرة، ويجعل المكان جزءاً من الجسد لا من الجغرافيا.
لهذا لم أقرأ مختارات حبيب السامر كما أراد لها أن تُقرأ، ولا أظن أن شاعراً حقيقياً يطلب من قارئه ذلك. قرأتها كما وصلت إليّ، وأصغيت إلى ما ظل منها يرن في داخلي بعد إغلاق الكتاب. وما بقي بعد إغلاقه هو مختاراتي أنا: قليل من الماء، وظل نخلة، وطريق يعبر المقبرة، ورائحة أب، وامرأة ترقص وحيدة كي لا تبتلعها الغابة.
آب-أغسطس 2026
شاهر خضرة
شاعر وكاتب سوري – ألمانيا









